صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

اسرائيل: انتخابات، فساد، وداعش

0

نحو اسبوعين على موعد الانتخابات الاسرائيلية المبكرة للكنيست ال20 والمقررة في 17 مارس المقبل، والحملات الانتخابية مشتغلة وسط سيل من قضايا الفساد بين الاحزاب التي اخذت تنشر غسيل بعضها البعض بشكل غير مسبوق، وداعش وحزب الله وحماس وايران، جميعها تشكل فزاعة يستغلها “ملك اسرائيل” بيبي نتنياهو المتعطش للسلطة، وفترة رئاسية رابعة .

بعد ان انتهت الاحزاب الاسرائيلية من انتخاباتها الداخلية “البرايمريز” وقدمت قوائم مرشحيها للجنة الانتخابات المركزية، واعتمدت اسمائها ورموزها لصناديق الاقتراع، تسيطر على الساحة الاسرائيلية هذه الايام ثلاثة اتجاهات رئيسية : معركة لتجميع اكبر عدد من الاصوات، وسجال حول الائتلاف الحكومي المقبل، وصراع مستعر على حقيبة وزارة الدفاع .

استطلاعات الرأي الاخيرة تعطي افضلية لتشكيل الحكومة المقبلة لمعسكر اليسار – الوسط متمثلا بتجمع “المعسكر الصهيوني” بزعامة اسحق هيرتسوغ، زعيم حزب العمل اليساري، والمعارضة في اسرائيل، والمتآلف مع تسيبي ليفني، وزيرة العدل المقالة من حكومة نتنياهو، زعيمة حزب الحركة، واللذان اتفقا على التناوب فيما بينهما على رئاسة الحكومة في حالة فوز ائتلافهما، وكان الفارق حتى فترة قصيرة يتراوح بين 4-5 مقاعد لصالح هيرتسوغ ( المعسكر الصهيوني 24 مقعدا، والليكود 20 مقعدا ) .

لكن عملية حزب الله الاخيرة والتي وقعت في يناير الماضي في مزارع شبعا، وقتل فيها جنديان اسرائيليان، والتي جاءت ردا على العملية الاسرائيلية التي سبقتها في 18 يناير الماضي، والتي اغتيل فيها جهاد مغنية وجنرال من الحرس الثوري الايراني في القنيطرة السورية، فيما بدا وكأنه رقصة تانغو بين نتنياهو وحسن نصر الله، هذان الحدثان قلبا الموازين، وغنم نتنياهو بما اراده من الشعبية حيث بدأت مؤشرات استطلاعات الراي تميل لصالحه، فتقلص الفارق بين الليكود، والمعسكر الصهيوني الى مقعد واحد فقط، بعدان كان يتراوح بين 4-5 مقاعد، اذ اظهرت نتائج اخر استطلاع للراي، نشرته القناة الثانية في 16 فبراير، حصول المعسكر الصهيوني على 25 مقعدا ،الليكود على 24 مقعدا .

وبحسب استطلاع القناة الثانية فان القائمة العربية المشتركة، بزعامة ايمن عودة ستحصل على 12 مقعدا مما يجعلها الكتلة الحزبية الاكبر الثالثة بعد المعسكر الصهيوني، والليكود، فيما حصل حزب البيت اليهودي اليميني، بزعامة وزير الاقتصاد نفتالي بينت،على 11 مقعدا، ونفس العدد حصل عليه حزب “هناك مستقبل” الوسطي بزعامة وزير المالية المقال يائير لابيد، فيما حصل كل من حزب “كلنا” الجديد بزعامة موشيه كحلون المنشق عن الليكود، وحزب اليهود المتدينين الغربيبن “يهدوت هالتوراة” بزعامة ليتسمان، وحزب اليهود الروس “اسرائيل بيتنا” بزعامة افيغدور ليبرمان على 7 مقاعد لكل منهم .

اما حزب اليهود المتدينين الشرقيين “شاس” بزعامة اريه درعي، فقد حصل على 6 مقاعد، واليساري ميرتس بزعامة زهافا غيلئون، وحزب “يحاد- سوية” الديني الجديد بزعامة ايلي يشاي المنشق عن شاس على 5 مقاعد لك منهما .

قضايا الفساد سيطرت على الاجواء الحزبية في اسرائيل حتى قبل اتضاح معالم قوائم المرشحين لكل حزب، فبعد اعلان حزب المهاجرين الروس ” اسرائيل بيتنا ” بزعامة وزير الخارجية لبيرمان، عن فض شراكته مع الليكود في الائتلاف الذي اطلق عليه حينها اسم ” الليكود بيتنا”، ومنذ ان بدا ليبرمان بالتلميح بامكانية انضمامه لمعسكر اليسار الوسط، هيرتسوغ – ليفني، بدات عملية تصفية حسابات كبيرة، وعصفت بالشارع الاسرائيلي قضية فساد كبيرة يتورط بها اقطاب اسرائيل بيتنا، وكانت الشخصية الابرز التي اطاحت بها هذه القضية، هي نائبة وزير الداخلية، فانيا كرشينبوم التي اتهمت وغيرها بالفساد المالي، واختلاس ملايين الشواكل، فيما اعتبره ليبرمان استهدافا سياسيا مقصودا لحزبه قبيل الانتخابات .

المحللون الاسرائيليون وصفوا انتخابات 2015 انها الاكثر قذارة، نظرا لكثرة قضايا الفساد فيها، وتبادل الاتهامات بين الاحزاب ضد بعضها البعض، المعسكر الصهيوني ( هيرتسوغ – ليفني ) اخذ يركز في حملاته على شبهات فساد احاطت بزعيم الليكود نتنياهو وزوجته سارة، ابتداء من قضية ” بيبي تورز” ونفقات نتنياهو في رحلاته الخارجية، وحساباته البنكية السرية، وصفقاته المشبوهة مع رجل الاعمال وصاحب امتياز الغاز اسحق تشوفا، وتورطه مع الثري اليهودي الاميركي شيلدون اديلسون حيث يتهم نتنياهو انه كان يدفع باتجاه منح الموافقة على اقامة كازينو لصديقه اديلسون، وقد رفعت لافتات بشعارات صريحة من قبل معسكر اليسار – الوسط بهذا الخصوص، ومرورا بالدعاوى القضائية التي رفعها مستخدمو منزل نتنياهو على المعاملة الفضة التي كانوا يلاقونها من قبل سارة زوجة نتنياهو، وقضيتها الاخيرة بعدم اعادة رهنيات زجاجات النبذ الفارغة .

الهجمة المستعرة على نتنياهو جعلته يرد بهجوم مضاد، وعنيف على صحيفة يديعوت احرونوت الاكثر شهرة، وناشرها نوني موزيس، فاشتعلت حرب اعلامية بينها وبين صحيفة نتنياهو “اسرائيل اليوم” المدعومة ماليا من صديقه الاميركي اديلسون، والتي تعتبر الاوسع انتشارا كونها توزع مجانا في اسرائيل مما اضطر اعضاء في الكنيست ومنهم من ائتلاف نتنياهو نفسه، الى تقديم قانون في الفترة الماضية يمنع توزيعها مجانا حفاظا على الديمقراطية الاسرائيلية، وكان هذا سببا من اسباب حل الكنيست ال19 .

وكانت نفقات عائلة نتنياهو على منازله الثلاثة في القدس وقيساريا، ومصروفات زوجته سارة، واولاده على الشوكولاته والشموع والبوظة، والنفقات التي تكبدتها الخزينة الاسرائيلية بسبب “سرير نتنياهو الطائر” عندما جرى تجهيز طائره اقلته مع سارة في رحلة عمل خارجية، بسرير نوم على متنها، من ابرز القضايا التي تعصف بنتنياهو مما اضطر مراقب الدولة الى اصدار تقرير خاص حول نفقات نتنياهو بعد مطالبة جمعية حق الحصول على المعلومة بذلك، ومع نشر التقرير في 17 فبراير، شن الاعلام العبري هجوما كاسحا على نتنياهو وسارة واتهمهما بالتبذير في مصاريفهما من الخزينة الاسرائيلية في الوقت الذي يبخلان في الانفاق من اموالهما الخاصة .

في المقابل اخذ معسكر الليكود ينشر الغسيل الوسخ لاقطاب معسكر اليسار – الوسط، حيث اخرج من الادراج قضية اموال الجمعيات التي يتهم فيها زعيم حزب العمل هيرتسوغ بالفساد، ونشر مكتب نتنياهو على الملأ لقاءات ليفني السرية مع محمود عباس، ونشر الليكود فيديو كرتوني يظهر هيرتسوغ وليفني على انهما غير مؤهلين ولا يتجرأن على الرد على الهاتف الاحمر في حالة هجوم نووي ايراني محتمل مثلا، او تلقي مكالمة خطيرة من البيت الابيض،على عكس نتنياهو، الذي يعتبره الاسرائيليون ندا عنيفا لاوباما .

واثار الفيديو الذي نشره الليكود، والذي يظهر فيه نتنياهو يرعى حضانة اطفال فيها خصومه / اثار حفيظة منتقديه، بانه اخترق خصوصية الطفولة في حملته، اما الفيديو الاخير الذي نشره الليكود والذي استخدم فيه اغنية فرقة “ترابية” القومية كخلفية صوتية، ويظهر فيه عناصر من تنظيم داعش الارهابي، على اعتبار ان التنظيم، وبعد ان تمكن من الاستيلاء على الاردن، ولا تفصله عن اسرائيل سوى مياه نهر الاردن، تظهر سيارة دفع رباعي داعشية تخرج من جهة نهر الاردن في طريق ترابية الى الشارع الرئيسي، ويسال عناصر التنظيم المتسلحين بالرشاشات، سائق اخر، اين الطريق المؤدية الى القدسن فياتي الجواب: يسارا، في غمزة خبيثة ان معسكر اليسار هم من سيجلبون معهم داعش الى اسرائيل اذا فازوا بالانتخابات، وتبع هذا الفيديو ردود فعل عنيفة داخل اسرائيل لا سيما من قبل رئيس المخابرات “الشاباك” السابق يوفال ديسكين اليساري، والذي رد عليه باتهام نتنياهو انه هو من اطلق سراح احمد ياسين واعاد بناء حركة حماس .

واستفاد من هذه التجاذبات، معد ومخرج فيديوهات الريمكس الاسرائيلي المشهور “نوي الوش” الذي ذاع صيته بعد نشره ريمكس الزعيم الليبي السابق معمر القذافي المشهورة “زنغا زنغا “، ورفع على موقع اليوتيوب مقاطع مركبة بطريقة هزلية لنتنياهو وهيرتسوغ وليفني وغيرهم من السياسيين الاسرائيليين المتنافسين في انتخابات 2015.

ويسيطر على مشهد الانتخابات ايضا خطاب نتنياهو امام الكونغرس، حيث دخلت العلاقات الاميركية – الاسرائيلية في ازمة عميقة بسبب هذا الخطاب الذي جرى الاعداد له بمبادرة من قبل السفير الاسرائيلي في واشنطن رون دريمر، المحسوب على نتنياهو لدعم حملته الانتخابية، فجرى لالقاء هذا الخطاب في مطلع مارس المقبل من وراء ظهر البيت الابيض، مما اثار حفيظة الادارة الاميركية التي قررت معاقبة نتنياهو، فابعدته عن تفاصيل الاتصالات الجارية حاليا بين الغرب وايران سعيا للتوصل لاتفاق حول الملف النووي الايراني .

امام هذا المشهد، وعند التدقيق في نتائج استطلاعات الراي تبدو الكفة راجحة لصالح معسكر اليمين بزعامة الليكود ونتنياهو، فيما الفرصة تبقى اضعف امام معسكر اليسار – الوسط بزعامة هيرتسوغ وليفني لتشكيل الائتلاف الحكومي المقبل ( الليكود 24 مقعدا + البيت اليهودي 11 مقعدا + كلنا 7 مقاعد + يهدوت هالتوراة 7 مقاعد + شاس 6 مقاعد + يحاد 5 مقاعد = 60 مقعدا ) اما الكفة الثانية، تيار اليسار – الوسط، فستكون على الاغلب في مقاعد المعارضة،وعلى النحو التالي : ( المعسكر الصهيوني 25 + العرب 12 + لابيد 11 + ميرتس 5 = 53 مقعدا )، علما ان الكنيست الاسرائيلي (البرلمان) مكون من 120 مقعدا .

ويبقى حزب اليهود الروس “اسرائيل بيتنا” بزعامة لبيرمان ( 7 مقاعد ) يتأرجح بين تيار اليسار- الوسط وتيار اليمين، واعلن ليبرمان اخيرا انه لن يدخل اي ائتلاف مقبل، الا اذا حصل على حقيبة الدفاع، و ثمة خلافات ايديولوجية تحول دون جلوس حزب ليبرمان العلماني مع الاحزاب الدينية في ائتلاف حكومي يمني واحد يقوده نتنياهو من جهة، ومن جهة ثانية يصعب التصور ان اعضاء القائمة العربية المشتركة، التي توحدت فيها الاحزاب العربية لاول مرة في تاريخ اسرائيل، بعد رفع نسبة الحسم الى 3,25% ، يجلسون الى جانب ليبرمان الذي يرفع شعار تبادل الاراضي والتخلص من الخطر الديمغرافي العربي في المثلث الجليل، ولكن اعلان احمد الطيبي،رئيس الحركة العربية للتغيير، والمشارك في القائمة العربية، ان القائمة لن تشارك في حكومة اسرائيلية طالما هناك احتلال، واستبعاد النائبة عن التجمع الديمقراطي حنين الزعبي عن الساحة، يخلط الاوراق مما يدفعنا للقول ان الانتخابات الاسرائيلية في مراحل كثيرة تحتاج الى من يتبصر بالفنجان لمعرفة ماذا سيحصل .

ويظهر المعدل المتوسط لاخر ثلاثة استطلاعات للراي جرت في اسرائيل يوم 27 فبراير الماضي، اي قبل اسبوعين من موعد الانتخابات، لكل من الاذاعة الاسرائيلية، وصحيفة معاريف، وموقع “والاه” الاخباري، يظهر تقارب النتائج مع الاستطلاعات السابقة، اذ بقى الفارق مقعد واحد فقط ( الليكود 23 مقعدا، والمعسكر الصهيوني 24 ) .

اما حقيبة الدفاع التي يحملها اليوم الليكودي موشيه يعالون، يتنافس عليها بالاضافة الى ليبرمان كل من ائتلاف هيرتسوغ – ليفني حيث خصصا لها في قائمتها المشتركة، عاموس يادلين، رئيس شعبة الاستخبارات السابق، والمدير الحالي لمركز دراسات الامن القومي الاسرائيلي، وحزب نفتالي بينت، البيت اليهودي.

المتمعن بالداخل الاسرائيلي هذه الايام، يجد ان هناك اصرارا كبيرا على الاطاحة بنتنياهو، الذي يتهم داخليا بالفشل في ادارة الملف الاقتصادي والاجتماعي عموما، وملف السكن على وجه الخصوص، وهو ما يركز عليه تيار اليسار – الوسط في حملته الانتخابية، وهناك في صفوف الاكاديميين والمثقفين الاسرائيليين من يضغط بقوة باتجاه استبدال ائتلاف نتنياهو اليميني، بائتلاف اخر اقل تشددا يمكنه ان يتعاطى مع المتغيرات على الساحة الدولية، وحركات المقاطعة المتنامية للاحتلال الاسرائيلي، والسعي العالمي لاقامة الدولة الفلسطينية، بعد اعلان برلمانات اوروبية اعترافها بالدولة الفلسطينية، وتحركات القيادة الفلسطينية نحو المحكمة الدولية والامم المتحدة.

بقي ان نقول ان الانتخابات الاسرائيلية حالها كحال دوري المحترفين الاميركي “NBA” ، الذي يصعب التكهن بالنتيجة النهائية لاي مبارة فيه ، الا في اللحظات الاخيرة، وباقي نحو اسبوعين على موعد الانتخابات، فربما المقبل من الايام يحمل معه العديد من التطورات في اقليم ملتهب تعصف به الاحداث كل لحظة، ولربما تقلب كل الموازين، والله اعلم.

* خبير بالشؤون الاسرائيلية / وكالة الانباء الاردنية