صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

عالم عربي متفرد.. بالعبث

0

في بقعةٍ جغرافيةٍ استراتيجيةٍ ممتدةٍ تسوّرها مياهُ البحار وتشقُّ أراضيها الأنهار ويعلو أرضها طاقات شبابية متوثبة متبرمة ومحبطة ويدنوها ثروات نفطية ومعدنية غير متناهية، تجد عالَماً من التناقضات والعبث والتفتت، يُمكن لك أن تعثر أيضاً على تمددٍ لضحالة الأفكار وسطحيتها و رجعيّتها، كما لن تخطئ عينك حيثما استدارت لتشهد معاناة ملايين البشر من المهجّرين والنازحين أو أولئك الذين تفتك بهم الكوليرا أو سوء التغذية.
لا يكادُ إقليمُ على البسيطة يحفلُ بجمع تلك التناقضات في آن معاً كالذي تتميز به منطقتنا العربية، التي ارتضت لنفسها لتكون فريسة سهلةَ المنال لأطماعِ أعدائها وأهواءِ ومصالح قيادات أفلحت غالبيتها طيلة عقود في تسطيح عقول رعاياها وتحويل وتحوير طاقات مجتمعاتهم وأولوياتها نحو اهتمامات سطحية مبتذلة لن تسعفها في محاكاة واقتفاء أثر ركبِ الحضارة الحديثة التي ترى فينا محضُ أمةٍ متفككة مشتتة تتغنّى وترزح تحت أثقال العصور الوسطى، في وقت تتوثب خلاله نظيراتها في المشرق والمغرب لخوض غمار حقبة ثورة صناعية رابعة.
بددت إطلالة العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين، أي أعذارٍ أو مسوغاتٍ تلقي بها أنظمتنا ومجتمعاتنا في خضم لجوئها لتبرير حالة التردي الفكري والحضاري الذي تعيشه أمتنا، إذ فتحت لها وسائل التواصل الاجتماعي نافذة هائلة تمكّنها من مقارنة موضعها وإعادة النظر به إزاء نظيراتها الأخرى في هذا العالم، بيد أنها عوضاً عن ذلك، آثرت السير في اتجاه معاكس ومناقض لمسار البشرية، حيث اقتصرت استفادتها من هذه الوسائل على استحضار التاريخ واستدعاء نزاعاته ونزعاته الطائفية والمذهبية والطبقية، بل واستخدمها غالبيتنا كسبيل لتصفية الحسابات مع الأنداد مع أبناء ذات الأمة، تلك التصفيات المعزّزة بمفردات مستمدة من قاموس الشتائم، تحمل غالباً سمات عرقية أو قبلية أو حتى رياضية.
على هذه المنصات الإلكترونية تجد أيضاً متابعة استثنائيةً مطردة لما يسمى بـ”المشاهير” الذين لا يقدمون فكراً أو زاداً معرفيا للمتوهّمين فيهم، فمن الطبيعي أن ترى الملايين من أبناء أمتنا يلاحقون “تغريدات” مذيعٍ جميل الهندام أو مقدمة برامج حسنة التسريحة، مقابل انصرافهم عن أولئك الذين يشخصون واقع حال بلادهم ويطرحون فكرا قد يكون سبيلا وسراجاً منيراً يهدي من أراد المساهمة في خروج أمته من مأزق تدهورها الحضاري.
لم تستفد أمتنا من التجارب الماثلة أمامها، إذ لم تحاكِ الطرائق التي سلكتها الولايات المتحدة الأميركية والتي مكنتها من فرض هيمنتها الاقتصادية والعسكرية، بل لم تدرِ الكيفية التي استطاعت بموجبها واشنطن من حصد 150 جائزة نوبل بشتى صنوف العلوم والآداب، كما لم تهتدِ لسر تحول ألمانيا واليابان لأهم دولتين صناعيتين خلال 6 عقود أعقبت انهيارهما وتدهور بُناهما أثناء الحرب العالمية الثانية، إذ ارتأت أمتنا أن تظل عاكفةً على تحليلِ نتائجِ وتداعيات معركتيّ الجمل وصفّين ومن قبلِهما البسوس وداحس والغبراء، كما أنها لا تزال منهمكة في الجدال حول صحة الآراء الفقهية التي جاء بها الأشاعرة الشافعية والمالكية أوالحنفية الماتريدية أوالحنابلة (أهل الحديث والأثر)، فيما يذهب آخرون للحديث حول أيهما أكثر ملاءمة في فلسفته، الغزالي أم إبن رشد؟، وبين هذا وذاك يحتدم النقاش في أوساط جيل جديد لا يجيد ممارسة الرياضة لكنه لا يسأم من خوض جدل غير منتهٍ حول أفضلية ريال مدريد على برشلونة أو ميسي على رونالدو.
في هذا العالم العربي الغريب في أطواره، تُستخدم الصحف غالباً لتنظيف الزجاج أو بديلا عن منضدة الطعام، في هذه البُقعة تجدُ أيضاً بأن الغالبية تبدي اهتماماً غير منقطع يرافقه معرفة حثيثة دقيقة بخبايا وخفايا صفقة انتقال اللاعب البرازيلي نيمار دا سيلفا من نادي برشلونة الإسباني لنظيره الفرنسي باريس سان جيرمان، بينما لا تجد وعياً وإدراكا حقيقياً حيال مخططات صفقة القرن الأخرى المتمثلة في إعادة رسم حدودِ بلدانِ المنطقة بالتزامن مع تهويد القدس الشريف.
في هذه البُقعة – التي تقتصر أهميتها الراهنة على كونها سوقا لاستهلاك منتجات الغير ومعبرا لتجارته العالمية عبر الممرات المائية التي يزخر بها وطننا العربي- تجد دولاً لا تعرف كيفية استخراج النفط والمعادن وتسويقهما وتوظيف عوائدهما، فكيف لنا إذا معاتبتها على عجزها عن توظيف طاقات أبنائها وإمكاناتهم ومنحهم الفرص العادلة والمتكافئة للمساهمة ببنائها لتضحي قادرة على ردم الفجوة الاقتصادية والتنموية والفكرية المتنامية التي تفصلها عمن سواها؟.
على هذه الأرض -التي اختصها الله سبحانه وتعالى لتكون مهبطاً للوحي وموئلاً للديانات السماوية إلى جانب تفرّدها بتسلسل حضارات مُمعنة في القِدَم إحداها (السومرية) أهدت البشرية جمعاء طرق الكتابة عبر النقوش المسمارية قبل الآف السنين- تجد المنتمين لها يقعون فريسة لرداءة المامهم بلغتهم التي حال تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن الكريم دون اندثارها، لذا ، فمن غير المستغرب أن تجد شيباً وشباناً لا يستطيعون التمييز بين دلالات وأصول كلٍ من الأحرف الأبجدية أوالهجائية، وحينها كيف سيطلب من هؤلاء تقديم طروحات فكرية وفلسفية تسهم في تخليص الأمة من براثنِ التردي والانحطاط اللذان يستبدان بها؟، وهناك قد يتم الاستعانة بالأصوات المرتفعة إلى جانب انتهاج سياسة “المباطحة” للتصدي لأي تحدٍ يواجهنا، كما أقدمَ على ذلك مؤخراً نائبٌ في مجلس النواب الأردني.
لم تسلم الرياضة أيضاً من حالة التفرد العبثي الذي تعيشه بلادنا، فقد قدمت البطولة العربية للأندية التي تحط رحالها في القاهرة يوم الأحد المقبل، نموذجا جديدا يدلل على استمرار سيرنا بشكل مناقض للمنطق الذي تسالمت عليه البشرية في إطار مؤسساتها وفعالياتها وقوانينها، فبالإضافة إلى تعرض نفر من الحكام للضرب والإهانة عقب انتهاء كل مباراة كتجسيد وبرهان آخر على نمط واقعنا الذي يُعلي من شأن الصوتِ المرتفع على النقاشِ الموضوعي، فقد شهدت ذات البطولة تجليات مضحكة ومبكية في آن معاً، ومن بينها مثلا وليس حصرا عدم طرد عدة لاعبين حصلوا على البطاقة الصفراء لمرتين في خضم لقاء واحد، ومن ضمنها أيضا مواجهة فريقين (الفيصلي الأردني والأهلي المصري) ينتميان لذات المجموعة التمهيدية في نصف النهائي، في سابقة لم تعهدها الملاعب العالمية.
إذاً، فما هي معضلة منطقتنا؟ أهي لعنة الجغرافية أم الديمغرافية وما يتصل بالأخيرة من طبيعة الجينات؟ و إلى متى ستبقى هذه الأمة مستظلةً بغطاءِ الغيبوبة الذي سيوردها مورِد المهالك؟ وهل تراهن أمتنا على تردي حال نظيراتها لتعادلها بالمكانة التي ارتضتها لنفسها؟.
لم يأت ما تقدم من باب انتهاج سياسة إلقاء نظريات متقعرة تستلذ بجلد ذاتنا ، إنما حرصاً على دقِ ناقوس الخطر والتنبيه لما تسير صوبه أمتنا ما لم تتدارك واقعها قبل فواتِ الأوان.