صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

القرار الأخرق.. ورد الفعل المناسب

القرار يمثل انتهاكا واضحا ومباشرا للقانون الدولي

ألم وحزن وغضب تسود الأمتين العربية والإسلامية بإقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذ قرار غير مسبوق بالاعتراف بزهرة المدائن، القدس، عاصمة لدولة الاحتلال. قرار يؤكد من خلاله متخذه على قناعة سابقة مترسخة لدى الأغلبية في العالم بمدى ضحالة فكره ونرجسيته وانسياقه الاعمى لاظهار ولائه لدولة احتلال ونفوذها في وطنه على حساب مصالح وطنه العليا أولا والاستقرار في المنطقة والعالم ثانيا ومحاولة فاشلة لاظهار نفسه بمظهر القائد القوي الذي يوفي بوعوده بينما هو حقيقة قد فشل في تحقيق معظمها…. فحقيقة الأمر يمكن تلخيصها بما يلي:

أولا: القرار يمثل انتهاكا واضحا ومباشرا للقانون الدولي والذي يقر بأن القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة إنما هي أراض محتلة، ويجب التعامل معها من قبل دولة الاحتلال وكافة دول العالم على أنها كذلك.

ثانيا: القرار مخالف لكافة ما يطلق عليها ب ” اتفاقيات السلام” المعقودة بين السلطة الوطنيه الفلسطينية والأردن ومصر مع دولة الاحتلال والتي تقر جميعها بمحورية المدينة المقدسة لأية تسوية سلمية نهائية، وأنه ليس من حق أي طرف اتخاذ أي قرار أو تطبيق أي إجراء من شأنه أن يهدد الوضع النهائي فيها، هذا بالإضافة إلى احترام الجميع للدور الخاص للاردن في الوصاية على الأماكن المقدسة فيها.

ثالثا: القرار يعزز من الفكر المتطرف في المنطقة ويغذيه ويقويه ويزيد من صعوبة قيام قوى الاعتدال من محاربة هذا الفكر المتشدد بفعالية. فمن السخرية بأن يقوم من يدعي بأنه يحارب قوى الإرهاب والفكر المتطرف ويحث دول المنطقة بأن تفعل ذلك، بأن يقوم هو بتبني منطق ونهج هذه القوى، فيهديها، وبعد ان شهدت خسائر فادحة خلال الفترة الاخيرة، وعلى طبق من ذهب طوق نجاة يمكنها من خلاله واستنادا إليه من الاستمرار في تجييش من يتعاطف مع نهجها.

رابعا: ينهي القرار إلى غير رجعة نظرة البعض إلى الولايات المتحدة بأنها يمكن بأن تلعب دور :الوسيط النزيه والمحايد” في حل الصراع التاريخي في المنطقة. فبالرغم من أن كثيرين لم يكونوا قانعين بأن الدولة الاقوى في العالم يمكن بأن تلعب هكذا دور وذلك بسبب النفوذ الصهيوني على الادارتين التنفيذية والتشريعية فيها، إلا أن قوى الاعتدال في المنطقة كانت مستعدة لأن تأخذ المخاطرة فتقنع نفسها بذلك، وتطالب شعوبها بان تفعل الشيء نفسه، على أمل بأن تأتي حكومة أمريكية قوية قادرة على مجابهة نفوذ اللوبي الصهيوني فتتخذ القرارات التي فيها مصلحة وطنها أولا والمنطقة والعالم ثانيا وفيها إعادة لحق مغتصب فتتماشى بذلك مع القيم والمبادئ التي أنشأت عليها تلك الدولة نفسها ثالثا.

خامسا: قرار الرئيس الأمريكي جاء معاكسا لتوصيات وتنسيبات أعضاء حكومته الرئيسيين وعلى رأسهم وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية. ولم يؤيده من حاشيته سوى صهره، والتي أعلن رئيس حكومة الاحتلال صراحة خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة بأن دولة الاحتلال فخورة فيه وتتبع وتدعم خطواته منذ زمن بعيد وتتأمل فيه الشيء الكثير. وهو ما كان.

سادسا: يهدد القرار بشكل كبير ما يسمى ب “عملية السلام” والتي أطلقت قبل أكثر من عقدين من الزمن دون تحقيق اية نتيجة تضمن حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة حتى ولا بحدودها الدنيا التي رضيت بها قيادته وحتى قبل بدء التفاوض. فعندما يضاف على هذا التسويف والفشل الذريع في تحقيق اية نتيجة إيجابية لعملية استمرت لعقود، قرار اخرق غاية في الاستفزاز يصادر الحق من صاحبه ويمنحه للمحتل المعتدي، فإن مبرر العملية وقدرة أي كان من الدفاع عنها تزول زوال تاما. فتكون المطالبات بطوي صفحة العقدين السابقين والعودة للمربع الأول، والغاء كل ما تم خلالهما من اتفاقيات ومشاريع ومبادرات، والبدء من جديد بتبني استراتيجيات مغايرة تماما وخارج المألوف، مطالبات حقة مشروعة وفيها الكثير من المنطقية والواقعية.

سابعا: لا أحد في هذا الكون يستطيع أن يغير من حقيقة أن القدس كانت وستبقى عربية عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية، والتي ستشكل على أرضها عاجلا كان أم آجلا. فليتخذ من يريد القرار الذي يريده. لا يعنينا ذلك في شيء. فمهما قدم من حجج ومبررات واهية فإنه لن يستطيع أن يغير حقائق التاريخ والجغرافيا.. وأن يغير الأرض والإنسان… فليفعل ويقرر ابله هذا العالم ما يريد.. لا يعنينا أمره في شيء..

ثامنا: لا يستطيع المرء إلا أن يربط ما بين القرار الأخرق وما بين ما يشيع أخيرا بمحاولة الضغط لتسوية القضية بشكل يهضم الحقوق بما يعرف “بصفقة القرن”، تحدثت عن تفاصيلها مؤخرا مؤتمرات التآمر والخيانة في دولة الاحتلال بالإضافة الى بعض الصحف العالمية. صفقة يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني والأردني على حد سواء، شعب واحد ومصير واحد،… يدفعون ثمنها من حقوقهم وسيادتهم. صفقة يجب الوقوف في وجهها والتصدي لها من قبل أخوة الدم والمصير في الأردن وفلسطين بكل ما أوتينا جميعا من قوة وبأس.

بناء على كل ما سبق وعلى التحديات الجمة التي تواجه المنطقة وستواجهها خلال المرحلة القادمة، فلا بد من أن يتحلى الجميع بأعلى درجات الوعي لخطورة ما يحاك للأمة من شرور واتخاذ القرارات والاجراءات الفعلية والفاعلة في درء هكذا شرور. ويمكن أن تشمل هذه القرارات والاجراءات:

اولا: ألتأكيد على صلابة الجبهة الداخلية ووقوف الشعب بكافة أطيافه وأصوله ومنابته حول قيادته والتفافه حولها. قيادة تواجه مع الشعب صفا واحدا هكذا مخططات والتي لن تمر بإذن الله. ولعل القرار الأخرق على سلبياته تمكن من تحقيق إيجابية رئيسة إلا وهي توحيد الجميع أمة وطنا. .. قيادة وحكومة وشعبا… وتوجيه بوصلتهم جميعا نحو عدوهم الأوحد، دولة الاحتلال، ومقاومة مخططاتها لمصادرة الحقوق وانتهاك السيادة. ومن سيحاول خلط الأوراق وتوجيه الغضب داخليا على قيادة الوطن أو أجهزته الأمنية فإنه اما سيكون غير واع أو يكون مدفوعا من قبل من يتأمر على القضية وعلى الاردن من الخارج.‎

ثانيا: سحب سفير المملكة الأردنية الهاشمية من دولة احتلال تحتل الأرض جميعها وتدعي بأن القدس عاصمتها وتسعى لتمرير مخطط ينتهك من سيادة الوطن. إضافة لرفضها لطالبات الأردن واصراره عليها للتعامل بجدية مع الجرائم البشعة التي ارتكبها جنودها بحق مواطنيه خلال الأشهر الماضية.

ثالثا: استدعاء السفير الأمريكي وتسليمه رسالة احتجاج رسمية تؤكد رفض المملكة لقرار الرئيس الأخير والذي لم يراع القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس كما أنه لم يراع المصالح الوطنية للمملكة. بإضافة لكونه قرارا غير حكيم سيعزز ويقوي من الفكر المتطرف في المنطقة ويجعل من مقوامته ومكافحته أمرا أكثر صعوبة وتعقيدا.

ثالثا: الإعلان وبشكل واضح بأن هذا القرار يعني إنهاء دور الولايات المتحدة ك “وسيط عادل ونزيه” للعملية السلمية ، واتخاذ الإجراءات الفعلية والتي تعكس هذه القناعة من خلال التنسيق مع الجانب الفلسطيني لنقل ملف التفاوض بالكامل للأمم المتحدة ، والبحث عن شركاء آخرين لإدارة التفاوض والتوسط فيه بشكل عادل ونزيه كالاتحاد الأوروبي ويمكن للولايات المتحدة ودولة الاحتلال المشاركة في هذه المفاوضات من خلال فريق واحد مشترك يمثل مصالح دولة الاحتلال. هكذا إطار سيكون أكثر منطقية ومحاكاة للواقع من المشاهد الهزلية التي كنا نعيشها للعقدين السابقين.

رابعا: تأجيل استقبال أي مسؤول أمريكي خلال المرحلة القادمة وذلك لعدم ملاءمة الوقت لهكذا زيارة واحتراما للمشاعر الشعبية المتأججة حاليا، بإضافة لعدم وجود شيء للحديث عنه في ضوء كشف الأوراق كافة ووضوح النوايا.

خامسا: استمرار مسيرات الاحتجاج العارم في كافة محافظات المملكة ومن كافة مكونات الشعب وعدم ارتخاء هذه المسيرات… يوما بعد يوم… واسبوعا بعد أسبوع. .. حتى يقنع المحتل خلف النهر ومن يدعمه وراء المحيط بأن هذا الشعب، وعلى عكس قناعتهما، إنما هو شعب حي وواع بنفس الوقت لما يحاك عليه وعلى وطنه وقيادته من مخططات ومؤامرات، وأنه قادر بهذا الوعي والاصرار وهذه العزيمة من إفشالها وأبطالها بإذن الله.. تحركنا بذلك قوميتنا وطنيتنا وديننا ومبادئنا .. وكما تعلمنا وتوجهنا قيادتنا بذلك ابدا ودوما…

سادسا: بدء الأردن الجاد بإعادة تشكيل تحالفات إقليمية استراتيجية جديدة له، تؤمن بما يؤمن هو وتسعى لتحقيق ما يسعى لتحقيقه من إنشاء دولة فلسطين كدولة حرة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف… تحالفات استراتيجية تستطيع تقوية الجبهة الأردنية وزيادة منعتها وعلى كافة الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية. ولعل تحركات جلالة الملك المعظم الأخيرة تأتي ضمن هذا السياق. ولذا فإنه يجب تدعيمها والبناء عليها لتصبح شراكة استراتيجية إقليمية حقيقية بعيدة المدى.

سابعا: تخلى الأردن خلال العقدين الماضيين عن الكثير من أوراق ضغطه في سبيل إظهار التزامه اللامحدود باتفاقية وصفت ب”السلام” واتفاقيات كثيرة انبثقت عنها، التزم هو بتنفيذها بحذافيرها وأكثر بالرغم من عدم قناعة غالبية شعبه بجدواها وبالرغم من عدم التزام شريكه المفترض في تنفيذ الحدود الدنيا منها. لذا وجب البدء الرسمي والجدي بإعادة النظر بكافة هذه الاتفاقيات وبمشاركة مجلس الأمة الذي لطالما طالب بذلك وبحث إمكانية إلغائها أو التعديل عليه وبشكل جوهري.

ثامنا: وهنا يختلط العام بالخاص… وتختلط الواقعية والبراغماتية بالعاطفة والأمل والأمنية… بإعادة تجذير الوعي بالقضية الفلسطينية لدى النشء الصاعد في وطننا… الجيل الحالي والأجيال القادمة.. وذلك لزيادة وعيها بقضيتها الأولى.. وذلك بإعادة تدريس منهج “القضية الفلسطينية” في مدارسنا وجامعاتنا… فسح الأجيال الحالية والقادة بالمعرفة والمعلومة التي تمكنها من الدفاع عن حقها في وطنها بكل كفاءة واقتدار. هذا الكتاب والذي الغي من المنهاج الدراسي عام 1995 وكجزء من استحقاقات عملية السلام. . فالكتاب بناه مؤلفه رحمه الله على حقائق التاريخ والجغرافيا… فتجذرت بهما عروبية وقومية الهوى والفكر والوطنية الحقة المسؤولة ومبادئ الدين الحنيف…

هي فلسطين… وهو الأردن… فعضوا عليهما بالنواجذ…

حفظ الله مهجة الروح فلسطين الحبيبة.. ودرة الفؤاد القدس الشريف…

وحفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا. .. وحماه شعبا وارضا وقيادة…