صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

خواطر عن فيلم حدوته مصرية للراحل يوسف شاهين

(مشهد من سيناريو حدوته مصرية بقلمي، نسخته من مشهد في الفيلم حينما تقدم يحي للزواج من آمال حبيبته،) 

خارجي : فرنسا – سنة 1951 – حديقة عامة – و يكونا يحي شكري مراد و آمال قد وصلا للتو الى الحديقة، و يحدث هذا اثناء زيارتهم لمهرجان كان لعرض فيلم ابن النيل في المسابقة، و يجري بينهما هذا الحوار : 

يحي شكري مراد : الكلام إلي حأولهولك دلوأتي مايلزمكيش بأي حاجة…

آمال : (تقاطعه) يحي تتجوزني؟

يحي : يخرب بيتك…سرأت الكلمة من بوئي؟!

يحي : كمبارس أنا بآه ماتسيـبـيـلـيـش حوار أأولو…بس لازم تعملي حسابك…أنا معـئـد و عصبي و تفكيري زي العيال…و أموت في الناس تدلعني…

آمال : و اتخاف من إلي يحبك…

يحي : عندك حق…بس دلوقتي بالزات مش خايف…قلبي بدق بدق…بس مش من الخوف… (نهاية المشهد)

حيثيات عامة عن الفيلم : عند قلب يوسف شاهين (مع حفظ الالقاب) المُرْهَقْ من المُرْ الذي ذاقه في طفولته و شبابه و اثناء عمله في اولى ايامه كفنان و مخرج في السينما، و وسط عنفوان و وجدان مشبع بحب الأدب و السينما و المسرح و الدراما تبدأ قصة فيلم حدوته مصرية ثاني رباعيته التي تروي بصورة مميزة و مبدعة جدا قصة حياته، أولها هو فيلم “اسكندريه ليه” الذي جسد من خلال مشاهده المثيرة نشأته في الإسكندريه … و التي كانت قد فقدت بهائها و مجدها الذي أحبه بسبب الحرب العالمية الثانية و إلتحام جيوش ألمانيا و بريطانيا فيها و عواقب هذه الحروب العملاقة عليها، و كنت قد نشرت مقالة ثلاثية الأجزاء بإسم “خواطر عن فيلم إسكندريه ليه للراحل يوسف شاهين” و عالجت عدة جوانب لهذا الفيلم الكبير الذي أسرتني أحداثه الشيقة كثيرا، و في هذه المقالة التي سأتناول فيها فيلم حدوته مصرية سأسبر عمق مشاهده لنرى ما هي حقيقة الرسالة التي اراد هذا المارد الكبير اخبارها للجمهور…بل في التاريخ القديم في الميثيولوجيا الإغريقية يحتل زيوس منزلة كبير الآلهة حيث سكن جبل أولمبوس الخيالي و تحكم بالطبيعة و عناصرها الجبارة كما تروي الاساطير عنه…فإذا كان زيوس هو كبير الآلهة عند القدماء في اوروبا يحتل يوسف شاهين بإمتياز منزلة إله الإبداع في عالم السينما و الدراما العربية في ميثيولوجيا التشبيه و المقارنه في منطقة الشرق الاوسط…فحتى بعد مرور ثلاثة عقود و نصف طويلة على إنتاج فيلم حدوته مصرية يبقى هذا العمل السينمائي المتكامل الكبير و الذي يُصَنًفْ ضمن الفانتازيا – السيرة الذاتية من أروع ما صنع هذا الإله المبدع في عالم السينما و الدراما المصرية بيديه…

في حقيقة الأمر يروي يوسف شاهين بلسانه و في مقابلاته بأنه اثناء تصويره لفيلم العصفور الذي عرض على شاشة سينما رمسيس لأول مرة في القاهرة في عام 1974 حدثت له أزمة قلبية حادة، و قد سافر على اثرها الى لندن حيث اجرى فحوصات طبية شاملة لقلبه، و أشرف على علاجه الجراح المصري العالمي مجدي يعقوب، و بينت حينها هذه الفحوصات بأنه يعاني من انسداد في ثلاثة شرايين رئيسية مما حَتًمَ عليه اجراء عملية قلب مفتوح لتغير الشرايين المغلقة، فقد كان الراحل الكبير يدخن بشراهة كبيرة حيث كان يدخن مائة و عشرين سيجارة يوميا؟! و كانت هذه السجائر كفيلة لتسبب له أزمات صحية كادت أن تقتله لولا كانت هذه العمليات ممكنة في عصره، و تسمى باللغة الإنجليزية By Pass Surgery، و كانت اولى هذه العمليات قد جرت في عام 1960 فقط على يد فريق طبي محترف في أمريكا مما فتح عهدا طبيا جديدا لمرضى القلب و إنسداد الشرايين و الحمدلله، و اجراءات هذه العملية الدقيقة و الحساسة في غرفة العمليات تتضمن (هذه شروحات عامة عن العملية فقط) فتح قلب المريض و أخذ شرايين بحالة ممتازة من ساق المريض أو يده او من الصدر إذا أمكن الأمر، و يتم ايضا في هذه العملية خفض درجة حرارة جسد المريض و قلبه الى 18 مئوي لأن في هذه الحرارة أنشطة الجسد تتم ببطئ أكبر، كما أن هذه الحرارة تمكن الفريق الطبي من العمل على القلب لفترة أطول لأن القلب لا يحتاج الى اوكسيجين كثيرا في هذه الحرارة، كما ان هذه الحرارة تحمي القلب و الدماغ من التلف بسبب قلة الأوكسيجين، و يتم خفض درجة حرارة القلب بمساعدة أجهزة “القلب و التنفس الإصطناعي” و تسمى بالإنجليزية “heart/lung machines” و عن طريق وضع القلب بماء بارد و مالح ،و تسحب هذه الآلة ايضا الدماء المشبعة بثاني أوكسيد الكربون من جسد المريض اثناء العملية و تفرغ منها هذه المادة ثم تشبع الدماء من جديد بالأوكسيجين؟! و تعاود ضخ الدماء من جديد الى الجسد، و في هذه العملية ايضا يتم ايقاف القلب لساعتين ريثما تتم الإجراءات الطبية المطلوبة ثم يعاد تشغيل القلب من جديد…و سبحان الله؟! و آلات القلب و التنفس الإصطناعي ضرورية جدا ايضا لأن في هذه العملية تكون الرئة ايضا متوقفة لفترة مؤقتة، بعد أن يتم استبدال الشرايين التي تعاني من الإنسداد و الإنتهاء من الإجراءات الطبية المطلوبة يغلق الجرح عن طريق الغُرَزْ و ينقل المريض الى غرفة العناية المركزة…

في عام 1974 كانت هذه العمليات ناجحة جدا و لكن الثورة الطبية كانت ماتزال في بدايتها لذلك كانت لها هيبتها، و كان على الراحل أخذ قراره خلال 24 ساعة لأن حالته لم تمهله أكثر من ذلك، و في هذه الحالة اختار يوسف شاهين الجراح المصري الكبير مجدي يعقوب لأنه شعر بإرتياح نفسي كبير معه…لأنه من نفس موطنه، ففي هذه العملية كما أسلفت سيوقف الجراح قلب المريض لفترة وجيزة من الوقت لذلك سيكون المريض فعليا راقدا بين يدي الله سبحانه ثم بعدها سيكون رهن خبرة الجراح و قدرته الطبية…لذلك شعر الراحل بأنه مع الجراح مجدي سيكون مرتاح نفسيا أكثر لإجراء هذه العملية الحساسة، و انتهت العملية بنجاح كبير و تعافى يوسف بعدها و عاد الى موطنه و عمله من جديد،

ذكرت ما تتضمن هذه العملية الكبيرة لأنها كانت علامة فارقة بحياة يوسف شاهين، فلولاها لَمَا قرر البدء برباعيته الشهيرة التي روى فيها مشواره الشخصي و المهني…لبقيا يوسف شاهين كتاب مغلق على العالم العربي و ما تعرفنا عليه و على ظروف حياته أكثر، فأدرك بأنه كان يقف خطوة واحدة فقط بعيدا عن الموت المحقق و هو يخضع لهذه العملية الحساسة…و قلبه متوقف ينتظر الصيانة اللازمة لشرايين جسده…ليعيد الجراح له النبض من جديد و أمل بالحياة بعد ان ينتهي من الجراحة، و أدرك ايضا بأنه لم يروي قصته للناس و العالم بعد و لم يفتح قلبه ليروي مكنوناته و ما يخفيه من مشاعر و احاسيس…مواجهته مع الموت خلقت بداخله عزيمة قوية ليشارك الرأي العام و الجمهور بالوطن العربي بما لم يكن قادرا على البوح به قبل العملية…ليقوم بعد هذا القرار المصيري بخطوة تعد الأجرء بعالم السير الذاتية بالوطن العربي…بل من الممكن على مستوى عالمي ايضا…فكسر يوسف شاهين “تابو” المحظورات في هذه الفئة الأدبية و قدم بعد اسكندريه ليه حدوته مصرية، ففي فيلم اسكندريه ليه قدم أسرته و المحيطين به كأسرة تحاول النجاة مع أهل الإسكندريه من ويلات الحرب العالمية الثانية و قدم شخصيته عن طريق بطلها يحي و روى الكثير حول اختباره هو و أسرته و هم في قلب معارك الحرب العالمية و ما نتج عنها…و كيف كافح و هو يحمل الكثير من الطموح في قلبه ليدخل عالم السينما و الدراما، فانتهت الرواية بسفره الى هوليود في أمريكا…و لكن في حدوته مصرية خلق عالم فانتزيا كامل و وضع اسرته تحت المجهر أكثر مما قبل…

يقدم دور يوسف شاهين في فترة المراهقة و ايامه المدرسية في فيلم اسكندرية ليه و في فيلم حدوته مصرية محسن محي الدين و يتم تجسيد دور يوسف عن طريق شخصية يحي شكري مراد في هذه الافلام، و يقدم دور يحي في اولى ايامه المهنية في فيلم حدوته مصرية الراحل نور الشريف، و يقدم طفولته في فيلم حدوته مصرية أسامة ندير، و يعود هذا التنوع في الفنانين في تقديم شخصية يوسف شاهين الى عدة أسباب منها أنه غطى مراحل عمرية مختلفة في هذه الأفلام…فهنالك يحي الشاب المراهق المفعم يالحيوية و النشاط و الطموح للمسقبل و لبلوغ أمريكا ليكمل دراسته الجامعية، و هنالك الطفل المجروح الذي يسكن في داخله و الذي يسبب له المشقات على صعيد صراع داخلي لمسناه كمشاهدين في حدوته مصرية، و سنناقشه بقسم لاحق بهذه المقالة بإستفاضة كبيرة، و هنالك الرجل البالغ الذي يعمل بالسينما و الذي يناضل ليصنع مستقبله بعالم السينما و في المهرجانات العالمية المليئة بالشللية و العنصرية تجاه قوميته العربية…لذلك كان لا بد من الإستعانة بأكثر من ممثل لتغطية هذه المراحل المختلفة مما اضفى جرئة حلوة على الفيلم و غنى راقي بتنوع الممثلين و قدراتهم التمثيلية بتقديم ادوارهم…و خصوصا وقت احتدام الصراع بالمحكمة بين يحي الرجل الناضج و الطفل…فكل كانت له خاصيته الفريدة…فالطفل الشرس قدم يحي الناقم على اسرته بسبب التجريح الذي تعرض له من اقرب المقربين اليه و الصدمات التي اثرت به و بقيت تطحن بسلامه حتى خلال مرحلة الشباب و النضوج…و يحي الرجل البالغ الذي يشعر بهذا الطفل المجروح يصارع السلام الذي ينشده…الطفل الذي يرفض ان يتركه و السبب المباشر في ربما بعض مشاكله الأسرية مع زوجته و أهله و أصدقائه و المحيطين به… 

الفيلم : 

المشهد التمهيدي في مقدمة الفلم، Prelude Scene : 

يخبرنا مشهد يحي في افتتاحية الفيلم مع علاء أحد مساعديه كم كان مُتْعَبْ و هو يصور مشهد كبير من فيلم العصفور حيث كان يضم ثلاثمائة كُمبْرس، فنراه يطلب كرسي لكي يجلس و يرتاح و هو يضع يده على صدره بالرغم من طلب علاء منه إلغاء التصوير، فنراه يعترض كثيرا و يلوم علاء بعصبية و غضب بأنه يريد الهرب من العمل…و نراه يحلف بتصميم رغم تعبه بأنه سيكمل تصوير المشهد، و يلفت انتباهنا هنا جملة مميزة قالها علاء ليحي و هي “أول مرة تطلب كرسي من عشرين ساعة؟”، فمن الواضح أن يحي كان مدمن عمل، او ما يسمى باللغة الإنجليزية workaholic، و كان إنسان عصبي المزاج وقت تصوير افلامه و هذا بَيِنْ من لهجته مع مساعديه ليس فقط في هذا المشهد و لكن في العديد من مشاهد الفيلم، كان مُتَفَانٍ في عمله بصورة كبيرة الى حد الإدمان لذلك كان من يعمل معه يشعر بجبروت طاقة العمل التي لديه، و لذلك استغرب مساعده علاء بأنه طلب كرسي ليجلس بعد عشرين ساعة لنشعر بكم كان لديه جَلَدٌ مهني و صبر و عنفوان في هذه المهنة المليئة بالتعب و المشقات. و لعل أَشْعَرَ هذا المشهد ايضا المشاهدين بأنه يُمَهِدْ لعواقب غير سارة ليحي…فنراه هنا يكابر على تعبه و يطلب من صديقه مهدي (محمد منير) ان يُسْمِعَهُ ما انتهت اليه اغنية الفيلم…و هنا يبدأ تتر الفيلم على صوت مهدي و هو يغني اغنية الفيلم التي تحمل روح العمل…حدوته مصرية…

حدوته الفيلم : 

انه فيلم روائي طويل مدته بحدود الساعتين من انتاج و توزيع افلام مصر العالمية، رؤية سينمائية و اخراج يوسف شاهين، فكرة يوسف ادريس، موسيقى جمال سلامه، ساعد في اخراجه احمد محرز و يسري نصرالله و ايمان بكر، و عرض لأول مرة في 27 سبتمبر عام 1982 في سينما مترو في القاهرة، و هو من تمثيل الراحل نور الشريف و يسرا و ماجدة الخطيب و سهير البابلي و محسن محي الدين و ليلى حماده و أحمد محرز مع فريق لامع كبير من الفنانين، نرى يحي شكري مراد في اول مشاهد الفيلم بعد تتر البداية يكمل تصوير مشاهد فيلم العصفور، و بعد أن اوقف التصوير بغضب شديد جدا كالمعتاد بسبب خطا في توقيت دخول الكُمبرس مع بطلة الفيلم في اثناء المشهد يامر بإعادة تصويره…و لكن لينهار و هو بجانب الكاميرا على السقالة المرتفعة…ينقله العاملون معه الى غرفة قريبة من مكان التصوير حيث نرى مهدي و نـبـئـى يتهافتون للعناية به و للإطمئنان عليه، ثم يدخل الطبيب كمال قريبه ليفحصه. و لكن نرى هنا ايضا صديقه عبدالهادي بموقف الغير محب له بعكس ماضي كانت العلاقة بينهم فيه متينة جدا، فنرى عتب شديد بينه و بين مهدي لإيقاف عبدالهادي فيلم العصفور و يحي يقوم بتصويره بعد، و هنا نرى احداث كانت علامات فارقة بحياة يحي، فبعد أن يكمل فحصه الطبيب يحذره بأن قلبه لن يحتمل ايًةْ ضغوطات اضافية، و يخبره بأن زيارته الى لندن حيث يعمل كطبيب ضرورية ليجري له الفحوصات الضرورية لتقيم وضعه الصحي…و هنا ايضا نتعرف على كمية الدخان الكبيرة التي يدخنها يحي و التي كانت عامل اساسي بازماته القلبية المتكررة، و ايضا نبدا بالدخول الى حياته الخاصة رويدا رويدا لنتعرف على بُعْد غير سار فيها كليا، فندخل معه الى حيثيات أسرته الباردة…فنرى كم علاقته مع زوجته آمال (يسرا) فاترة و خالية من اية روابط زوجيه …فحتى لم يخبرها بموضوع سفره لإجراء فحوصاته الطبية…حتى لا نراه يخبر شقيقته و والدته و لا حتى أولاده بالرغم من حبه لهم…فمن الواضح أنه كان يُـبْـقـي على مسافة بينه و بينهم ليدل هذا الأمر على وحدة قاتلة و غربة شديده عن محيط أسرته؟؟؟؟ و ان بدى مبتسما و ضاحكاً مع اصدقائه و اقربائه فكان ما يخفيه في قلبه عالم مخيف من العزلة الذاتية عن افراد اثروا في منشأه بصورة مباشرة…مواجهته لزوجته و هو يُعِدُ حقيبة سفره بعد أن قبلته و ذِكْرُهْ اثناء حواره معها جملة من مسرحية هاملت الشهيرة: “اهكذا تنتهي الأمور؟…لم يمضي على موته شهران…لا بل اقل من شهرين…” ثم يُكْمِلْ بمرارة “دول عشرين سنة…” يحوي هذا على أتهام ناري و لاذع لها…و كأنه يقول لها حتى و إن قبلتيني…فأنت إنسانة منافقة…

يسافر يحي الى لندن و نعيش معه لحظات حرجة و هو يجري فحوصات طبية لقلبه..فنراه برفقة الدكتور روسْ البريطاني راقدا في سرير في مشفى، حيث يقوم الدكتور بتمرير انبوب دقيق في شريان الذراع بإتجاه قلب يحي..و من ثم يقوم بضخ سائل ملون داخل شبكية الدم ليكشف الشرايين المسدودة…ثم بعدهاعملية تقييم الفحوصات الطبية من قبل الدكتور المصري مجدي يعقوب الذي سيجري له العملية و الدكتور كمال حيث يتبين بأن الإنسدادات التي يعاني منها يحي خطيره و تتطلب عملية قلب مفتوحة، نرى الخوف يسيطر على يحي و الطبيبان يخبرانه عن حاجته للعملية…و نرى الإرتباك و القلق بين ثنايا ردوده عليهم …حتى رؤية أندرو مكفرسن في المشفى و هو يسير بعد عملية القلب المفتوح التي اجراها و بالرغم من تأكيده له بأنه لم يشعر بأية آلآم وقت العملية لا ينجح بتبديد الخوف الذي سكن في داخله فجأة…فتارة نراه يحاول تغطية خوفه امام ماري (رجاء الجداوي) في مطبخ منزلها في المشهد الذي يلي حواره مع الأطباء مباشرة…و كأنه يطمئن نفسه بأنه تصرف الصواب بطلبه من الدكتور المصري إجراء له العملية…و نشاهد ايضا صرخة منه مغموسة بعتب شديد على اسرته و زوجته بأنهم بعيدون عنه كل البعد..بأنهم لا يعرفون عنه شيئا و عن ما يدور في نفسه، و تارة يظهر الطفل الذي يعيش بداخله حينما يجلس مع لوسي و يبدأ بمشاكستها بالكلام و المزح الثقيل…لحظات من الرعب قبل عملية خطيرة تختلط بها أشجان يحي التي عاشت في داخله لعقود طويلة مع خوفه من مشتقبل قريب مجهول…و طفل جامح يعيش في داخله لم يجد سبيلا لترويضه بعد…يظهر فجأة في داخله ليعاكس أصدقاءه المقريبن من عائلة كمال صديق عمره…و فجأة نرى هذا القلق الكبير يدفعه للحظات من الصراحة و لوسي تقله بسيارتها الى المنزل…فيصارحها بخوفه…كما يواصل اصراره بعدم اخبار عائلته…و الأَمَرْ و الأدهى من هذا كله ما تدفعه ظروفه لفعله…لطلب من سائق لوسي العشاء معه في بار للمشروب؟!

يحي في دوامه كبيرة قبل العملية، و هو وحيد في لندن ليواجه هذه العملية من دون عَوْن من أسرته أو زوجته، تتصارع في داخله شتى مشاعره تجاه اسرته و جراحات الماضي حيث نشعر بها من خلال تصريحاته و تصرفاته و ساعات قليلة تفصله عن العملية…و لكن مع دخوله المشفى نرى المقرب الوحيد له و هو طالب في لندن يهم مسرعا ليخبر أهله بالقاهرة بقراره المصيري بالرغم من ارادته…و مع اشتداد مفعول المسكنات الضرورية و هو على سرير العملية…و الفريق الجراحي يقوم بشق قفصه الصدري ليكشفوا قلبه و شبكيته المريضة يكشف لنا المخرج يوسف شاهين ما في قلبه من مشاكل و مشاعر و احسيس و جراح كبيرة في ماضيه بكل شفافية…من خلال جلسة محاكمة لذاته و لأسرته…

المحكمة : في قلب القفص الصدري و في قلب يوسف شاهين تتأجج صراعات كثيرة تتلخص في ثلاثة أبعاد، لا اقصد تعقيد الأمور إطلاقا و لكن إذا وضعنا هذه المحكمة في نصابها الصحيح و قمنا بتحليل ما يحدث فيها بصورة دقيقة سنصل الى هذا الإستنتاج…البعد الأول هو صراع ذاتي بين يحي الناضج و الطفل…و الذي يمثله بثلاثة مراحل…1) مرحلة الطفولة 2) مرحلة المراهقة 3) مرحلة النضوج و العمل المهني، أما البُعْد الثاني فهو صراعه الذاتي بما يختص بعلاقته بأسرته و زوجته و أولاده و الذي ايضا يقدمه من خلال ذكريات تتصل بالثلاثة مراحل العمرية التي أسلفت ذكرها، و البُعد الثالث فهو مرحلة النضوج و الكفاح الهني و كيف يقدم صراعاته المهنية مع محيطه المهني و تاثيره على اسرته و نظرته عن الدولة المصرية في عهد الفيلم، و فجأة تأخذ العملية الجراحية منخى خيالي جميل جدا، فنرى طلاب طب مع استاذهم يتجمهورن حول تلفاز ينقل مراحل العملية لهم عن طريق كاميرا تصوير في غرفة العمليات، و يلاحظ طالب أجنبي بأن هنالك شيئ يحاول اعاقة شرايين القلب ليهدد سير العملية…و فجأة نرى شيئا يتحرك في داخل أحد شرايين جسد يحي، و بعد برهة من الزمن نلاحظ بأنه طفل صغير ينهض في داخل شريان و يجري…يعترض قريب يحي الذي يكون مع طلاب الطب و يقول للإستاذ الجراح بأنه يجب ان يحذر الطاقم الطبي الذي يقوم بالعملية…و لكن يقول له المحاضر بأن الفريق الطبي أَمَرَ بإغلاق غرفة العملية…يعترض قريبه و يقول بأنها جريمة لتنقلنا بعدها مشاهد هذا الفيلم المثير الى عناوين صحف تنذر بأمر جريمة قتل، ثم نرى حشود جماهيرية تتوافد على قاعة محكمة داخل مجسم لقفص صدري، و يرمز المجسم الى قفص صدر يوسف شاهين، و يكون هنالك صحفيين يغطون الحدث…و فجأة تقف هيئة القضاء لتعلن بداية المحكمة…و تأمر بجلب المتهم الى قفص الإتهام، و فجاة تحضر الشرطة نفس الطفل الذي كان يحاول اعاقة الحركة بشريان يوسف شاهين، تسأل هيئة القضاء الطفل عن اسمه…فتكتشف بأنه يحمل اسم بطل الفيلم يحي شكري مراد، و عند سؤاله عن السبب يقول الطفل بأنه هو يحي في صغره لتبدا عملية محاكمة يحي، و هنا عندما يقول له القاضي بانه متهم بمحاولة قتل يحي شكري مراد يحيبه الطفل بانه يحاول قتله بصورة متكرره من دون ندم…لأن يحي يحاول قتله بالمقابل…و هذه أول إشارة واضحة في الفيلم الى الصراع الذاتي الكبير في داخل يوسف شاهين…و الإشارة بأن في داخله طفولة تُـعَـذِبـُه…و بأنها جزءا من ضغوطات أدت الى تعب قلبه و ارهاقه و الذي شاهدناه في أول الفيلم…لذلك يُـقًـدِمْ هذه الطفولة بأنها تقف في شريانه و تحاول اعاقة الحياة فيه…بل تحاول اعاقة عمل الجراحين اثناء العملية…انها طفولة تؤرقه و تقتله لأنها تعيش في داخله من دون اية مصالحة حقيقية…لذلك ايضا اشار الطفل بأن يحي يحاول قتله…اي التخلص منه…و هذا مستحيل إذ لا ينجح يحي إلا بالإستمرار بهذا الصراع الذاتي مع طفولته…

يكمل القاضي سؤال يحي الطفل إذا كان هنالك معه شركاء في عملية القتل هذه، فيجيب بأن هنالك شركاء كُثْرٌ معه…

الشريك الأول في القتل : الاستاذ جبرائيل، و هو أستاذ في الصفوف الإبتدائية عمل بهذه المهنة لخمسة و ثلاثين سنة، و يقول عن نفسه بأنه محروم و معقد إذ ينصب نفسه بأنه المسؤل عن الأخلاقيات، و ليحي الطفل قصة محزنة جدا مع هذا الاستاذ إذ تبين بحادثة بأنه كان يعنفه و يضربه بغير حق، ففي مرة أثناء صلاة القداس الإلهي في الكنيسة و هو مع الطلاب قام يحي بالغناء بصوت عالي منفردا، فلم يعجب هذا التصرف الاستاذ جبرائيل…فبعد هذه الحادثة رأى الاستاذ يحي يسير في طابور الطلاب…فناداه الى حصته و وبخه بقوة لفعلته اثناء الصلاة و صفعة علة وجهه قائلا “انت فاكر انو ربنا داعيك لوحدك؟؟؟”

يصور يوسف شاهين هذه الحادثة بتميز و ذكاء كبير، إذ يبدو ان هذا الأستاذ كان تقليديا بتعامله مع الطلاب حيث يتميز أسلوبه بالشدة و الحزم و عدم مراعاة برائة تصرفاتهم و عفويتها و صِغَرْ سنهم…فلذلك يصور يوسف شاهين طفولته بأنها قد صُلِبَتْ على يد هذا الأستاذ القاسي…فقد تركت الصفعة اثرا سلبيا في داخله وقد حمل في قلبه الكثير منها و من شدت الاستاذ الذي لم يكن لها داعي إطلاقا، و نرى هذا المشهد موصول مع حدث في المنزل سأتوقف عند حيثياته بصورة مستفيضة مرتين لأوضح حقائق كثيرة عنه..مرة في هذه الفقرة و مرة في مقالة لي لاحقة اكمل نقاش المحكمة فيها…حيث أنه لا تنتهي رواية الطفل عند الاستاذ جبرائيل و قسوته فقط..بل يحمل الطفل جرحه و الألم الذي شعر به من معاملة الاستاذ و يحاول اخبار والدته (سهير البابلي) عنه في المنزل…و لكنه اصطدم بحقيقة مُرًة عن والدته لم يكن يتوقعها إطلاقا…و لي تحفظات على ما كُـتِـبَ من تحليلات بالإعلام العربي و المصري عن هذا المشهد الذي يخص والدته و كيف تصرفت بالحفل مع رجل من المدعوين، فهنالك عدد من نقاد السينما و الاقلام التي تكتب عن الدراما أساءه فهم هذا المشهد كليا لتتحول الى أقلام وقحة و هي تفسر على ذوقها الشخصي تصرفات والدة يحي و دوافع يوسف شاهين من وضع هذا المشهد في الفيلم…فمما لا شك به بأن يوسف شاهين راى في طفولته تصرف لوالدته جرحه و ترك مرارة كبيرة في قلبه…فرآها تحاول اغراء رجل بحركات لها مدلولات جنسية في حفل العائلة…و بكلمات ادق رأها تخون والده…و صُدِمْتُ جدا بما كُتِبْ من تحليلات تشتهد بأن يوسف شاهين اراد اظهار والدته بأنها إمرأة غير صالحة…و ذكروا كم اثارت هذه المشاهد سخط والدته حين عُرِضَ الفيلم في عام 1982 حيث تجاسر فيما قدم من حقائق خاصة و لم يلتزم الخطوط الحمراء فيها….عفوا ايها السادة…لتخرس كل الأقلام عند سمعة والدته الفاضلة…و سمعت يوسف شاهين الفاضل…فلا يُـجْـتَـَزءُ هذا المشهد إطلاقا عن مشاهد مرافعتها و دفاعها عن نفسها في المحكمة…فلا يَصِحُ أن يُـنْـتَـزَعُ مشهد من الفيلم و يتم تحليله بمفرده إطلاقا…بل يجب تحليل هذا المشهد ضمن أحداث الفيلم و يجب أن تؤخذ المادة الروائية بالكامل في الحسبان في عملية التحليل الدرامي… فحينها سيوضع المشهد بمعناه الصحيح و سَيُفْهَمْ بصورة أدق و افضل…اما ما حصل فهو خطأ كبير لا يجب أن يتكرر في اي مقالات تحليل عن هذا الفيلم إطلاقا… فقد دافعت والدة يوسف شاهين عن نفسها خير دفاع في الفيلم…و قالت الكثير و القليل عن نفسها و كيف و هي مراهقة و صغيرة ابنة 16 سنة ارغمها أهلها بالزواج من رجل يكبرها بثلاثين سنة…اي بأن عمره وقت الزفاف كان 46 سنة ؟؟؟؟ و اشتكت كثيرا في مشاهد المحكمة من علاقة غير طبيعية بينهما حيث كانت تعيش مع ما اشارت الى أنه والدها…و بأن العلاقة الزوجية انتهت بعد فترة بسيطة لتبقى هي و حاجاتها كإمرأة و عواطفها و مشاعرها من دون اية مراعاة إطلاقا بهذه الزواج…اي أن علاقتها الزوجية انتهت و هي إمرأة شابة بعد؟؟؟ و أشارت والدته بأنه في ليلة الزفاف تعرضت لعلاقة خشنة من قبل زوجها تركت اثارا سلبية في نفسها؟؟؟ فهل هذا منطق و مقبول في اعرافنا كبشر؟؟؟ هل هذه الإمرأة جماد من دون عواطف و احاسيس؟ ان تعيش كإمرأة شابة على ذمة رجل لا يلبي حاجاتها كإمرأة؟؟؟ هل من المنطق أن تعيش مع زوجها بعلاقة أشبه بعلاقة رجل بإبنته؟؟؟ هذه إنسان…بَشَرْ لحم و دم لها مشاعر مثل سائر النساء و تشتهي أن تبادلها مع شاب من نفس سنها…و لها طاقة تحمل قد تنهار في اي لحظة امام امتحان الرغبة الطبيعية في داخلها كإمرأة و بوجود علاقة عقيمة بينها و بين زوجها…فهي تشتهي كسائر النساء أن تكون في احضان رجل شاب…فمن الممكن جدا بأنها كانت في مرحلة انهيار كُلي حينما رأها ابنها الطفل في هذا الموقف…و بنهاية المطاف…ترك هذا الحادث اثرا كبيرا في حياة الراحل يوسف و جُرْحْ عميق كان كفيل بأن يطحن بسلامه طوال فترة طفولته و مراهقته و حياته المهنية الى ان أطلق مشاهد هذا الفيلم التي كانت بمثابة صرخة متألمة من اعماقه…و بالرغم من أن الطفل الذي يرويها في الفيلم يريد الإنتقام منه و من افراد اسرته…ألتمس يوسف شاهين العذر لوالدته و اعطاها مساحة كافية في الفيلم لتدافع عن نفسها…و أقول جملة ذكرت بالإنجيل عن لسان السيد المسيح بالنيابة عن يوسف شاهين و عن والدته…من منكم بلا خطيئة فاليكون أول من يرجمها بحجر… يـتـبـع…