صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

“النضج الإقتصادي” للأردن: النموذج وخارطة الطريق

عند مقارنة نموذج "النضج الاقتصادي للدول" مع "وصفات" المنظمات والمؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي من استراتيجيات وسياسات مالية ونقدية وغيرها، يتبين بأن "نموذج النضج الاقتصادي للدول" يراعي خصوصية كل دولة على حدة

قام مركز التنمية الدولية التابع لكلية جون ف. كنيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد باعداد خارطة عالمية للنضج الاقتصادي للدول (أطلس النضج الإقتصاديAtlas of Economic Complexity-). تقيس هذه الخارطة (الأطلس) مستوى النضج الاقتصادي في كل دولة من دول العالم استنادا إلى معايير ثلاثة رئيسة وهي عدد وتنوع المنتجات التي تصنعها وتصدرها الدولة (Diversity) ومستوى تعقيد هذه المنتجات مقاسا من خلال عدد الدول في العالم التي تصنع كل منتج منها (Ubiquity). فكلما زاد عدد المنتجات التي تنتجها وتصدرها الدولة وتنوع هذه المنتجات، وكلما زاد تعقيد هذه المنتجات من حيث قلة عدد الدول الأخرى في العالم التي تنتج هكذا منتجات، كلما زاد مستوى نضج الدولة إقتصاديا.

ألأسس الاقتصادية والفلسفية التي تم الاستناد عليها عند تصميم هذه الخارطة (ألأطلس) ارتكزت على أن المعرفة الفردية لأفراد أي مجتمع، ومهما زادت، لا يمكن أن تتحول إلى “معرفة منتجة” إلا من خلال تنوعها وتجميعها من خلال منظومة متكاملة موجهة لانتاج منتجات معينة. فتقدم المجتمعات عن بعضها البعض ليس مرَدُّه ما يتمتع به أفراد المجتمعات المتقدمة من مستويات عالية من المعرفة والذكاء على المستوى الفردي، بحيث تميزهم هذه المعارف والذكاء عن أقرانهم في المجتمعات الأقل تقدما، بقدر ما هو تنوع هذه المعارف الفردية وعدم اقتصارها على مجالات محددة، بالإضافة إلى القدرة على تجميعها وتوجيهها بشكل تكاملي نحو العملية الانتاجية، أو ما يعرف ب “التجميع المجتمعي للمعرفة الانتاجية”، وهذه القدرة الوطنية هي ما يميز الدول المتقدمة ذات النضج الاقتصادي العالي عن الدول النامية غير القادرة على إيجاد منظومة وطنية تضمن تنوع معارف أفرادها وتجميع هذه المعارف وتوجيهها لانتاج منتجات متنوعة ذات مستويات عالية من التعقيد. وعليه أوجد هذا الاختلاف في قدرة الدول على تجميع وتوجيه معارف أفراد مجتمعاتها المتنوعة نحو العملية الانتاجية دولا متقدمة تحقق مستويات عالية من الرفاه لشعوبها، ودولا نامية تعود بهذه المستويات لعقود أو حتى قرون مضت في بعض الأحيان.

يستعرض “أطلس النضج الاقتصادي” كافة المنتجات التي تنتجها كل دولة في العالم مقارنة مع كافة المنتجات الأخرى المنتجة في كل دول العالم (مصنفة لأربعة أرقام وفق التصنيف الدولي للمنتجات -ISIC)، ويوضح القدرات والمعارف الوطنية (رأس المال البشري، موارد طبيعية، تكنولوجيا …إلخ) التي تحتاجها الدولة لانتاج كل منها. كما يوضح “الأطلس” ارتباط كل منتج بالعالم مع المنتجات الأخرى الأكثر تعقيدا، بحيث يُمَكِّن الأطلس أيّة شركة في العالم (أو ما يفضل الأطلس أن يطلق عليها وصف “السناجب”) من البحث عن المنتجات الأكثر تعقيدا (أو ما يطلق عليه الأطلس وصف “الشجر”) والمسافة بين هذه المنتجات (الشجر) من حبث مدى تقارب أو تباعد القدرات التي تحتاجها كل “شجرة” (منتج)، وهذا بالتالي يمكن “السناجب” (الشركات) من تحديد “الشجرات”  القريبة والأكثر طولا (تعقيدا) والتي يمكن أن تقفز إليها في المستقبل والقدرات الإضافية التي تحتاجها “السناجب” لتتمكن من القيام ذلك. وبالتالي تتمكن الدول والشركات في إطار شراكة واضح ومحكم من رسم خرائط طريق خاصة بكل واحدة منها (دولا وشركات) توضح وتحدد “الشجرات” الأكثر تعقيدا والتي يمكن “لسناجبها” القفز إليها والاطار الزمني لذلك. تتمكن من فعل ذلك داخليا ودون أي تدخل خارجي وبما يعكس خصوصية كل دولة. وعليه، وكلما زادت “الشجرات” (عددا وطولا/ تشعبا) التي تقفز إليها “سناجب” الدولة زاد مستوى “النضج الاقتصادي” لها.

وعند مقارنة نموذج “النضج الاقتصادي للدول” مع “وصفات” المنظمات والمؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي من استراتيجيات وسياسات مالية ونقدية وغيرها، يتبين بأن “نموذج النضج الاقتصادي للدول” يراعي خصوصية كل دولة على حدة. فهو نموذج يستند إلى بناء القدرات الوطنية والمؤسسية داخليا (دون تدخل خارجي) من خلال وضع وتنفيذ خرائط طريق واضحة ومحددة وعملية لتحقيق النمو والرخاء الاقتصادي ورفاه الشعوب. تختلف هذه الخرائط شكلا ومضمونا وإطارا زمنيا من دولة لأخرى بما يعكس خصوصيتها واستنادا للمستوى الحالي للنضج الاقتصادي لكل دولة، ومدى ارتباط المنتجات التي تنتجها الدولة حاليا مع منتجات أخرى أكثر تعقيدا ومدى قرب المنتجات الجديدة للمنتجات الحالية فيها وحجم التجارة الدولية لكل منتج. وعند تحليل العلاقة بين مستوى “النضج الاقتصادي” لكافة دول العالم مع كافة المؤشرات الاقتصادية ذات الأهمية يتبين وجود علاقة إيجابية طردية وتبادلية بين مؤشر “النضج الاقتصادي”  وبين مؤشرات الناتج المحلي الاجمالي ومستويات النمو في هذا الناتج وزيادة الصادرات وانخفاض معدلات البطالة والفقر وزيادة التنافسية وغيرها من ألمؤشرات الدالة على تقدم المجتمعات ورفاهية الشعوب.

بينما أثبتت الدراسات التي أجراها مركز التنمية الاقتصادية لجامعة هارفارد بأنه وفي حين تساهم السياسات والاستراتيجيات المالية والنقدية التي تفرضها المؤسسات والمنظمات الدولية (كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي) بتعزيز الاستقرار المالي والنقدي للدول وتعزيز مستويات الصادرات الوطنية لبعضها، إلا أنه لم يتبين مدى وجود أثر وارتباط  واضح  لتطبيق هذه السياسات على زيادة معدلات النمو والرفاه الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة والفقر، وهي الأهداف والمؤشرات ذات الأهمية الكبرى للدول وعلى الأخص النامية منها. ف”الوصفات الجاهزة” ذات “المقياس الواحد للجميع” والتي تروجها هذه المنظمات الدولية ترجع تاريخيا لما يعرف ب”إجماع واشنطن” (ًWashington Consensus). عشرة إستراتيجيات وسياسات حددتها حكومة الولايات المتحدة أواخر الثمانينات من القرن الماضي للتعامل مع الأزمات المالية التي واجهتها دول أمريكا الجنوبية في ذلك الوقت، ففرضتها على تلك الدول أولا ومنثم تبنتها المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ك”وصفات جاهزة” و”معدة مسبقا” تفرضها على كل دولة في العالم تواجه تحديات ومصاعب اقتصادية دون النظر لخصوصية تلك الدولة أو مدى موائمة “وصفاتها الحاهزة” للمشكلات الحقيقية التي تواجهها. تضمنت تلك الاستراتيجيات والسياسات العشرة على: ألسياسة النقدية المنضبطة وتخفيض التفقات، إعادة هيكلة (رفع) الضرائب، ألتقنين (Deregulation) (إعادة هيكلة القوانين وتخفيض الضوابط القانونية)، تحرير التجارة، تخفيض قيمة العملة وتبني أسعار صرف مرنة للعملة الوطنية، الخصخصة، رفع القيود والضوابط أمام الاستثمارات الاجنبية، “ألإصلاحات” المالية، حماية حقوق الملكية الفكرية، إنسحاب القطاع العام من الاستثمار المباشر في معظم القطاعات باستثناء التعليم والصحة والبنية التحتية. سياسات ذات طبيعة مالية ونقدية في معظمها تساهم يشكل مباشر في تعزيز الاستقرار المالي والنقدي للدول ولكنها لا تساهم بالضرورة في تحفيز النمو الاقتصادي لها ومعالجة مشكلتي الفقر والبطالة وتحقيق رفاه الشعوب.

خلال مشاركتي في برنامجي “القيادات التنفيذية العليا” و “قيادة النمو الاقتصادي” والذين عقدتهما كليتي الأعمال والإدارة الحكومية في جامعة هارفارد خلال الأشهر الأخيرة، سنحت لي الفرصة للقاء البروفيسور ريكاردو هاوسمان، مدير مركز التنمية الاقتصادية التابع للجامعة وأستاذ الأقتصاد فيها، وهو ألعقل المفكر وصانع نموذج “أطلس النضج الاقتصادي”. والبروفيسور هاوسمان كان يشغل سابقا منصب وزير التخطيط في فنزويلا قبل انضمامه لجامعة هارفارد وهو من أشد المعارضين لتبني “الوصفات الجاهزة” الدولية التي تركز على الاستقرار المالي والنقدي قصير المدى على حساب التنمية الاقتصادية المستدامة.  تحدثت معه مطولا عن نموذجه “للنضج الاقتصادي للدول” ومدى اختلافه عن النماذج الدولية الأخرى المتعارف عليها عالميا من حيث تركيزه على إحداث التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال خارطة طريق وطنية صرفة، تصوغها شراكة حقيقية متينة بين حكومات الدول وشركاتها الانتاجية في القطاع الخاص ودون تدخل خارجي، وتعتمد زيادة النضج (التعقيد) في الانتاج الصناعي أساسا وركيزة لهكذا تنمية، من خلال تبني نموذج “خارطة/ أطلس النضج الاقتصادي”. فأخبرني بأنه سيقوم بزيارة المملكة ليبحث مع القيادة والمعنيين في الديوان الملكي الهاشمي العامر و الحكومة والقطاع الخاص إمكانية تبني “الخارطة/ الأطلس” كخارطة طريق لتحقيق التنمية الاقتصادية في المملكة بما يعكس خصوصيتها ويتواءم مع قدراتها الانتاجية الحالية والمستقبلية. وطلب مني القيام بمحاكاة نموذج “أطلس النضج الإقتصادي” على الحالة الأردنية، كجزء من متطلبات برنامج “قيادة النمو الاقتصادي”، وذلك للتعرف على مدى مواءمته وصلاحيته كأداة استراتيجية وطنية رئيسية لتحفيز النمو الاقتصادي في الأردن، وهذا ما قمت به بكل سرور وزودته بنتائجه وتوصياته التي جاء أبرزها كما يلي:

أولا: إلتزم الأردن طوال العقود الثلاثة الماضية التزاما تاما بتطبيق كافة اتفاقياته مع المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي استندت أصلا في مضمونها على النقاط العشرة ل”إجماع واشنطن”، وضَمّن هذه الالتزامات في خططه التنموية قصيرة وطويلة المدى، فتبنى سياسة مالية ونقدية محافظة وخصخص كافة مؤسساته التصنيعية والخدمية المملوكة من قبل الحكومة وحرر تجارته وانضم لمنظمة التجارة العالمية ووقع اتفاقيات التجارة الحرة الإقليمية والثنائية وأعاد هيكلة الضرائب وعدل قوانينه الوطنية لتعكس كل ما سبق.

ثانيا: بالرغم من مساهمة هذه الاستراتيجيات والسياسات في تعزيز الاستقرار المالي والنقدي للمملكة وزيادة الصادرات الوطنية (من 1.4 مليار دولار عام 1996 إلى حوالي 9 مليارات عام 2014 لتعاود الانخفاض بعدها لحولي 7.6 مليار دولار عام 2016) وزيادة حجم الودائع في البنوك إلى ما يقارب من 40 مليار دولار عام 2017، إلا أنها لم تساهم بشكل أيجابي في تحقيق النمو في الناتج المحلي الاجمالي للمملكة، حيث انخفض هذا الناتج من 8% عام 2003 إلى حوالي 2.3% عام 2017 وارتفعت نسبة البطالة إلى ما يزيد عن 18% عام 2017 وفق ألأرقام الرسمية (و27% وفق مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الاردنية) وقبع ثلث السكان تحت خط الفقر (والمقدر بحوالي 800 دينار شهريا للشخص الواحد)، وزاد العجز في الميزان التجاري بشكل متسارع ومتزايد من 300 مليون دولار عام 2003 إلى 1.3 مليار دولارعام 2016 وانخفض موقع الأردن في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال من 76 عام 2006 إلى 105 عام 2017.

ثالثا: خلال العقدين الأخرين حدثت تغيرات هيكلية جذرية في هيكلة الصادرات الأردنية كان من أبرزها انخفاض نسبة صادرات الصناعات الاستخراجية (ألإسمنت والفوسفات والبوتاس) (أللون البني في الخارطة) من 15.85% من اجمالي الصادرات الوطنية عام 1996 إلى 6.85% فقط عام 2016. وعدم قدرة المملكة لغاية الآن على البدء بالاستخراج التجاري للعديد من المصادر الطبيعية والتي أثبتت الدراسات توفرها بمخزون كبير جدا في باطنها، ومن أبرزها الصخر الزيتي والسيليكا والنحاس واليورانيوم  (بالرغم من قيام المملكة بتوقيع العديد من إتفاقيات الشراكة مع بعض الشركات الدولية للاستكشاف والبدء بالاستخراج التجريبي لبعضها). هذه المصادر الطبيعية الثمينة والممكن أن تشكل “نفط الأردن” خلال العقود الخمسة القادمة على الأقل في حال طور قدراته  وامكاناته الوطنية لاستخراجها بكميات تجارية، مما سيمكنه من تحقيق التنمية المستدامة ورفاه شعبه المنشودة.

 

1996

DCIM100GOPRO

 

2016 

 

 

 

 

 

 

 

 

تطور الصادرات الوطنية الأردنية (قطاعيا) 1996-2016. ألمصدر: أطلس النضج الإقتصادي

 

 

توزيع الصادرات الوطنية الأردنية (قطاعيا ودول مستوردة) 1996-2016 . ألمصدر: أطلس النضج الإقتصادي

رابعا: شهدت الصناعات التحويلية أيضا تغيرات جذرية بحيث زاد تركز وتوسع بعض القطاعات فيها مثل قطاعات الألبسة والصناعات الغذائية والصناعات الكيماوية والبلاستيكية والدوائية وزادت طاقتها التصديرية بشكل كبير بين الأعوام 2000 و2016. فمثلا ارتفعت نسية صادرات صناعة الألبسة إرتفاعا كبيرا من 4.91% فقط من إجمالي الصادرات الأردنية عام 1996 إلى 20.61% عام 2016.  كما تغير هيكل الدول المستقبلة للصادرات الأردنية. ففي حين حافظت الدول العربية (وعلى الأخص المملكة العربية السعودية والعراق ودولة الامارات العربية المتحدة والكويت) على صدارة الدول المستوردة للصادرات الأردنية (وعلى الأخص الصناعات الغذائية)، زادت حصة الولايات المتحدة في استقبال صادرات المملكة من 1.16% فقط عام 1998 لتصبح المستورد الأول للصادرات الأردنية بنسبة 20.15% عام 2016. تحققت هذه النتيجة الايجابية في زيادة الصادرات الأردنية للولايات المتحدة بفضل توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين عام 2000. وبالرغم من ذلك، فقد تركزت هذه الصادرات في منتجات صناعة الألبسة، حيث تصدرت الاستثمارات الصينية في المملكة في هذا القطاع بهدف الاستغلال الأمثل للإتفاقية وجاء معظم العاملين في هذه الصناعات من الصينين (بالرغم من جهود وزارة العمل الأردنية لتصويب الوضع لصالح العمالة الأردنية الكفؤة وتهيئة مراكز التدريب المهني المتخصصة في هذا القطاع). وعلية لم تساهم هذه الاتفاقية وما رافقها من زيادة كبيرة في الصادرات للولايات المتحدة في دفع عجلة النمو الاقتصادي ومعالجة مشكلة البطالة في الأردن بشكل واضح وملموس.

 

تطور الصادرات الوطنية الأردنية (قطاعيا) 1996-2016. المصدر: أطلس النضج الإقتصادي

خامسا: يمثل “فضاء المنتجات” (Product Space)  كافة المنتجات المنتجة في كافة دول العالم، من الأقل تعقيدا وحتى أكثرها، بحيث يمثّل كل منتج بدائرة منفصلة في “الفضاء”. المنتجات (الدوائر) مصنفة قطاعيا بحيث يتم الدلالة على كل قطاع انتاجي بلون مختلف، بينما تعكس مساحة كل دائرة حجم التجارة الدولية لهذا المنتج، كما تعكس المسافة بينها مدى ارتباط كل منتج بالمنتجات الأخرى.  بتفحص تطور “فضاء المنتجات” للأردن والذي يمثل كافة المنتجات التي تنتجها المملكة مقارنة بكافة المنتجات المنتجة في كافة دول العالم بين الأعوام 1996-2016، يتبين مدى تطور وتركز الصناعات الأردنية خلال العقدين الأخيرين في ثلاثة قطاعات رئيسة وهي قطاع الألبسة (باللون الأخضرفي الخارطة) وقطاع الصناعات الغذائية (باللون البرتقالي) والصناعات الكيماوية والدوائية والبلاستيكية (باللون البنفسجي). بينما يظهر “الفضاء” ضعفا واضحا في النمو في قطاعات الصناعات الاستخراجية (باللون البني) والصناعات الهندسية (باللون الأزرق) وصناعة المركبات (باللون الكحلي) والصناعات الإلكترونية (باللون الأزرق الفاتح) بالرغم من الجهود الحثيثة المبذولة من قبل القطاع الخاص للولوج في هكذا قطاعات خلال العقد الأخير (بعض الدوائر ذات اللون الأزرق بدرجاته المختلفة “صناعات إلكترونية/هندسية/مركبات” تظهر ومنثم تختفي خلال العقد الأخير دلالة على جهود القطاع الخاص للاستثمار في هكذا قطاعات ولكن لم يكتب لها الاستمرارية والاستدامة).

 

فضاء المنتجات (Product Space) للأردن 1996-2016

المصدر: خارطة النضج الإقتصادي

سادسا: بالإضافة إلى الفرصة الرئيسة بقدرة المملكة على التوسع في الصناعات الاستخراجية للمصادر الطبيعية الثمينة غير المستخرجة والمستغلة لغاية الآن كالصخر الزيتي والنحاس والسيلكا واليورانيوم التي تم التطرق لها سابقا، يظهر “فضاء المنتجات” للأردن ارتباط المنتجات الأردنية التصنيعية بمنتجات أكثر تعقيدا ولكنها قريبة منها مما يمكن شركاتها الاردنية المصنعة من التوسع في انتاجها مع إضافة حزمة “مقدور عليها” من القدرات (تكنولوجيا، مهارات، عمليات،… الخ). ومن أمثلة ذلك قيام الصناعة الدوائية الأردنية بالتوسع في انتاج منتجات دوائية “أصيلة” (Generic/ Original Drugs) لمعالجة كافة أنواع الأمراض. ولعل من أبرز الأمثلة الدالة على قدرة الصناعة الدوائية الأردنية على التوسع في هذا المجال هو قيام شركة “أدوية الحكمة” الأردنية بشراء شركة الأدوية الألمانية/ الأمريكية العملاقة روكسان (ROXANE) عام 2015 مقابل 2.65 مليار دولار. وكذلك قدرة الصناعات الغذائية الأردنية في التوسع بانتاج الأغذية الطبيعية (Organic Foods) والخاصة (مثل الأغذية الخالية من الجلوتين والأغذية الخاصة بمرضى السكري). كما يمكن لصناعة الألبسة الأردنية أن تتوسع في مجال صناعة الألبسة الخاصة كألبسة الرياضات الإحترافية بكافة أنواعها (ومن ضمنها الألبسة الفسفورية المضاءة) والألبسة المدمجة بمجسات الكترونية لغايات قياس المؤشرات الصحية واللياقة. ويمكن لقطاع الصناعات الكيماوية ومستحضرات التجميل ومستحضرات البحر الميت التوسع في انتاجها لتشمل منتجات ووسائل وطرق تغليف ذات نوعية عالية تضاهي وتتفوق على أبرزالمنتجات العالمية الشبيهة. ويمكن إجراء قفزات أوسع لمنتجات أكثر تعقيدا في قطاعات أخرى بإضافة مزيد من القدرات. فمثلا يمكن لصناعة الحافلات والمركبات العسكرية الأردنية وصيانة الطائرات التوسع في انتاج السيارات المدنية (أو على الأقل بعض أجزائها الرئيسة) او حتى النظرة المستقبلية للبدء في تجميع /تصنيع المركبات الهجينة (Hybrid) أو السيارات الكهربائية وأجزائها أو حتى بعض أجزاء الطائرات بترخيص من الشركات المصنعة العالمية. ويمكن للصناعة الالكترونية الأردنية أيضا التعاون مع كبريات الشركات العالمية لتجميع وانتاج الأجهزة الالكترونية كالتلفزيونات وأجهزة الحاسوب والهواتف المتنقلة بترخيص من تلك الشركات. ويمكن للصناعات الهندسية الأردنية التوسع في انتاج القوالب وماكينات التصنيع بأنواعها، وانتاج الأجهزة الكهربائية (ثلاجات، غسالات، مكيفات، أجهزة الأمن والحماية…إلخ) مدمجة بمجسات وتقنيات حديثة للتشغيل والعرض والتواصل ضمن مفهوم “إنترنت الأشياء”. هذه بعض الأمثلة التي يظهر “فضاء المنتجات” في أطلس النضج الاقتصادي إمكانية الشركات الأردنية من إجراء قفزات نوعية لانتاج منتجات جديدة أكثر تعقيدا من تلك التي تنتجها حاليا بمسافات متفاوتة (قريبة أو متوسطة البعد) وبإضافة حزمة مقبولة و”مقدور عليها” من القدرات. وبذلك يزداد “تعقيد” و”نضج” المنتجات التي تنتجها هذه الشركات الأردنية مما يؤدي بالتالي لزيادة “مستوى النضج الاقتصادي” للمملكة.

إلتزمت الحكومات الأردنية المتعاقبة طوال العقود الثلاثة الماضية التزاما تاما بتطبيق كافة التزاماتها مع المنظمات الدولية ،كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وضَمّنت هذه الالتزامات في خططها التنموية قصيرة وطويلة المدى. بالرغم من مساهمة هذه الاستراتيجيات والسياسات في تعزيز الاستقرار المالي والنقدي للمملكة وزيادة الصادرات الوطنية وزيادة حجم الودائع في البنوك، إلا أنها لم تساهم بشكل أيجابي في تحقيق الأهداف الوطنية العليا الرئيسة المتمثلة في تحقيق النمو المستدام في الناتج المحلي الاجمالي للمملكة وتخفيض نسب البطالة والفقر وسد العجز في الميزان التجاري. ألسبب الرئيس في ذلك كان بأن هكذا سياسات واستراتيجيات كانت تمثل “وصفات جاهزة” ومن نوع “القياس الواحد للجميع” واستندت أصلا في مضمونها على النقاط العشرة ل”إجماع واشنطن” الذي وضع لزمان ومكان مختلفين، فلم تأخذ بذلك خصوصية الأردن وأهدافه التنموية الرئيسية بعين الاعتبار.

“أطلس النضج الاقتصادي” هو إطار تحليلي وتخطيطي شامل وتفصيلي ودقيق ، قامت بتطويره مؤسسة تعليمية (وليست تمويلية) تعتبر الأعرق والأفضل في العالم. يمكن “الأطلس” أية دولة ، ومن خلال شراكة حقيقية بين حكومتها وقطاعها الخاص، من تحديد وتحليل قطاعاتها الانتاجية بالتفصيل. هو إطار مفتوح ويمكن للمخططين في الحكومة أو في أية شركة أردنية من القطاع الخاص أو باحث من الولوج في منصته المفتوحة (atlas.cid.harvard.edu) والإستفادة من المعلومات القيمة والتفصيلية التي يحويها عن كافة الدول والمنتجات في العالم وحجم تجارتها الدولية وحركاتها التجارية استيرادا وتصديرا ومدى ارتباط كل منتج بالمنتجات الأخرى الأكثر تعقيدا والقدرات المطلوبة لإجراء هكذا توسع. وبذلك يمكن “الأطلس” كل دولة وشركة من رسم خارطة طريق واضحة لها، تعكس خصوصية الدولة وقطاعاتها الانتاجية، لتوسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية للشركات من خلال الانتقال بها لإنتاج منتجات أكثر تعقيدا من المنتجات التي تصنعها حاليا ولكنها قريبة منها. وبذلك يزداد مستوى “النضج/ التعقيد”  في هذه المنتجات وبالتالي يزداد مستوى “النضج الاقتصادي” للمملكة. فريق “الأطلس” بدأ خطواته الأولى بالتواصل مع قيادات الحكومة والقطاع الخاص، والمؤمل بأن تنتهز كل منهما هذه الفرصة، للإلتزام والانخراط الكامل بهذه المبادرة الإستراتيجية المميزة بهدف وضع خارطة طريق وطنية، لزيادة “النضج الاقتصادي” للمملكة، فتتحقق بذلك الأهداف الوطنية العليا بتحقيق التنمية المستدامة وبما يحقق رؤية قائد الوطن وطموحات وإمال شعبه الطيب بالعيش الكريم.

حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا… وحماه شعبا وأرضا وقيادة…