صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

علاج الأمراض الاقتصادية

تُصاب الاقتصادات بأمراض معدية وغير معدية بين فترة وأخرى، نتيجة تعرضها لتيارات خارجية أو موجات إقليمية أو تدفقات نقدية غير متوقعة، أو أزمات مزمنة في عصب الجهاز المالي أو في مفاصل الإنفاق النقدي.

وفي كل الأحوال فإنَّ الأمراض التي يتعرض لها الاقتصاد تحتاج إلى نوعين من العلاج؛ أحدهما يأتي ضمن بند المسكنات، وهو علاج آنيٌّ قد يخفِّف المرض ولكنه لا يعالجه تماماً ولا يقضي عليه، والآخر علاج مفصلي، أو هيكلي، ينطوي على تغيرات ومراقبة حثيثة تؤدي في النهاية إلى علاج التشوهات المزمنة أو التشوهات الهيكلية وتخرجُ بالاقتصاد إلى آفاق جديدة.

وقد تحتاج بعض الدول إلى جراحة موضعية تؤدي إلى التخلُّص من كتل زائدة أو تطهير لسياسات فاسدة أو إنعاش تام للحالة الكلية للاقتصاد.

وفي جميع الحالات فإنَّ نهاية العلاج يجب أن يُؤدِّي إلى شعور القائمين على الاقتصاد والقاطنين فيه بتحسُّنٍ تامٍّ وتعافٍ من الأمراض السابقة، ويكون التعافي غالباً في شكلٍ تدريجيٍّ إلى أن يصل إلى تحسُّنٍ ملموسٍ يشعر العامة بعده أنَّ تجرُّعَ مرارة دواء العلاج كانت بفائدة لهم وللأجيال القادمة.

ويندرج تحت الأعراض الرئيسة للأمراض الاقتصادية حالات من السخونة العالية في العجز المالي، بدرجة تزيد على 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاعٌ متوالٍ في المديونية العامة بنسب تفوق 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وتراجع في إنزيمات الاحتياطيات الأجنبية بأقل من خمسة أشهر من إمكانات الاستيراد، وزيادة في مكونات البطالة الهيكلية بمعدلٍ يفوق 5% سنويًّا، وهبوط مستمر ومضطرد في دورة التجارة الخارجية.

وفي كلِّ الأحوال فإنَّ الأسباب المؤدية إلى ذلك كله تكاد تنحصر في سوء إدارة المريض لموراده وطاقته الاقتصادية، وركونه إلى الحلول السهلة البسيطة واتكاله على الظروف المحيطة به دون البحث عن آفاق أرحب لعلاج حالته أو دون تكبُّد عناء القفز فوق المألوف لتجاوز حالات الإرهاق التي تسببها الظروف الخارجية والإقليمية.

وتزداد حالة المريض سوءاً حينما تركن الدول إلى العلاج السهل البسيط المتمثل في المسكنات المعروفة التي تستسهل الجلوس والراحة دون العمل والجهد لمكافحة المرض، وتكاد تكون تلك المُسكنات وصفة دائمة يلجأ إليها المريض لسهولة الحصول عليها وبساطة مكوناتها، وهي في العادة تجعله يشعر بتحسُّنٍ مؤقَّتٍ وسكونٍ آنيٍّ لحالته العامة.

ومن أهم مسكنات الألم الاقتصادي أقراص الضرائب والرسوم بأنواعها، ومحلول رفع الدعم، ومرهم تخفيض النفقات. وجميعها أدوية معترف بها، وتؤدي إلى تحسُّنٍ آنيٍّ في الحالة العامة للاقتصادات، إلا أنها لا تعالج الخلل ولا تشفي من الداء.

وهي أدوية يصفها في العادة مختصون في مشافي اقتصادية دولية قبل منح المريض شهادة بأنه يتعافى، وأنَّ بإمكانه الإنتاج والعمل، وبالتالي يمكن للغير أن يتعامل معه من خلال الإقراض أو المساعدة المالية أو المنح المُيسرة. بيد أنَّ تلك المشافي، وهي مؤسَّسات دولية ذات سمعة عالمية، تترك للمريض الحقَّ في اتخاذ طريق أطول في العلاج دون أن تجبره على اللجوء إلى ذلك الطريق، ذلك أنَّ القيام بإصلاحات هيكلية جوهرية نافعة سيعني ألَّا يعود المريض إلى تلك المشافي، وألَّا يحتاج إلى خدمات تلك المؤسَّسات، وبالتالي خسارة ما يتأتي من ذلك المريض من منافع مالية ومادية وسياسية واجتماعية.

الاقتصادات الراشدة العاقلة هي تلك التي إذا أصابها المرض لا تركن إلى علاجات مُسكنة، وإن كان من الممكن أن تلجأ إليها كعلاج مساند مكملٍ أحياناً، بل هي تبدأ بالعلاج الهيكلي فوراً؛ فتحسِّن هيكلَ اقتصادها وتقوِّي صحته، وتُحسِّن مستوى إنتاجيته وترفع من مستوى خدماتها الاقتصادية، وتلجأ إلى نشاطات اقتصادية تقلِّل خلالها من ترهل الجسم الاقتصادي وتخفف من عدم قابليته لجذب الاستثمارات، وترفع من قدرته الذاتية على توليد الوظائف، وتقترض بعض من المال لتحسين مستويات البنية التحتية، ولا تهدر طاقتها ومالها في نشاطات غير منتجة، وتلجأ إلى تحسين البيئة التي تعمل فيها حتى لا تصاب بالمزيد من أمراض الترهل والانحدار والضعف العام في الجسد الاقتصادي، بل وتعمل على جعل بيئتها الاقتصادية أكثر جاذبية لمن يرغب في التعامل معها من داخلها أو خارجها. العلاج السليم يأخذ وقتاً ولكنه ينتج جسداً سليماً متعافياً وقويًّا.

أمَّا العلاج بالمسكنات فهو داءٌ يلجأ إليه كلُّ من يعتريه قُصر نظر لما يجب عمله لبناء جسدٍ اقتصاديٍّ قويٍّ، وهي علاجات لا تخدم الأوطان ولكن تخدم مصلحة من يديرها في الأجل القصير، ليظهر أنَّ الجسد تعافى وتحرَّك، في حين أن النزيف الداخلي ما زال قائماً ولن يشعر به الناس إلا بعد فوات الأوان.

الضرائب هي أكبر مسكنات قد تلجأ إليها الدول لمعالجة عوراتها، ولكنها علاج يسكن الألم ويبقي المرض في الجسد، بل ويؤدي أحياناً إلى تدهور حالة المريض، فمسكنات الضرائب تعالج ظاهريًّا، ولكن تعاطيها يولد سمعةً سيئةً، رائحتها تُنفر الاستثمار، وطعمها مُرٌ على المقيمين، والإدمان عليها يهدم مكونات الجسد الاقتصادي للدول.

ورمضان كريم،،،،

[email protected]