صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

المسار البديل

أي سياسة تقشفية زائدة اليوم هي بمثابة سياسة تثبيط اقتصادي ليس له مبرر في ظل التباطؤ الاقتصادي القائم

لا شكَّ أنَّ النزوع إلى إنجاز قانون للضرائب والسرعة في إرساله إلى مجلس الأمة، لكي يأخذ مساره الدستوري ينطوي على قائمة التزامات حتَّمت مثل ذلك الإجراء طمعاً في الحصول على موافقة صندوق النقد الدولي وشهادته بأنَّ الاقتصاد الأردني يمكنه استلام منحة أو الحصول على قرض جديد من المجتمع الدولي، وحسب ما رشح من معلومات فإن القضية تتعلق بأحد مشروطات الاتفاق الأخير مع الصندوق، والتي قضت بأن توفِّر الحكومة مبلغاً مالياً يصل إلى نحو 300 مليون دينار من مصادر محلية مستدامة، وكان اقتراح الحكومة آنذاك أن يتم توفير ذلك المبلغ من خلال تعديل قانون ضريبة الدخل، بحيث يتم الحصول على ذلك المبلغ مع بعض الزيادة التي يمكن استخدامها في أمور أخرى. وهنا علينا أن نقف أمام معطيات الحدث، الذي أفضى إلى حراك شعبي، ورفضٍ تامٍّ من مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، لا لشيء إلَّا لعدم توافر الممكنات المالية أو الاقتصادية أو المناخ المناسب لطرح مزيد من الضرائب أو جمع أي مبلغ إضافي عبر رسوم أو ضرائب أخرى. ويمكن القول إن الحكمة جانبت من فاوض الصندوق ووضع مقترحاً يتعلَّق بضريبة الدخل في ظروف التباطؤ الاقتصادي الذي تعيشه البلاد منذ فترة تزيد على خمس سنين.

وكان من المفترض أن يتمَّ دراسة متطلب توليد المبلغ المطلوب، 300 مليون، عبر جلسات مع مختصين وخبراء وعبر شراكة حقيقية مع القطاع الخاص بما يسهم بالخروج ببدائل خلافاً لبديل الضريبة التي تعدُّ الحل الأسهل، ولكنها لا تعدُّ الحل الأمثل لا من حيث الظروف القائمة ولا من حيث ضمان الحصول على المطلوب، فقد يتعدل قانون الضرائب وترتفع معدلات الضريبة دون أن يضمن ذلك زيادة الإيرادات المحلية للدولة، وهو أمر ممكن وحدث قبل ذلك في ضرائب الاتصالات وغيرها من الضرائب التي ارتفعت معدلاتها ولم ترتفع حصيلتها، فاضطرت الحكومة إلى التراجع عنها. إذن كان من المطلوب أن نُقدِّم للصندوق بدائل عدة يتم الحصول من خلالها على المبلغ المُقترح، واعتقادي أنَّ الصندوق سيقبل بالمقترحات المنطقية، ذلك لأنَّ لديه من المختصين ما يحترمون علمهم ومنطقية الأمور.
المسار البديل هو الوفاء بالالتزامات دون النزوع إلى قوانين وإجراءات تضيف أعباءً على المواطن وعلى الاقتصاد، وتُنفر الاستثمار وتثبط النشاط الاقتصادي المُتباطئ أصلاً. ودراسة سريعة من فريق من المختصين حول موارد الإيرادات العامة كانت ستصل بنا إلى حلول ناجعة، بل وحلول تزيد الإيرادات العامة وتؤدي إلى زيادة الحركة الاقتصادية في آنٍ واحدٍ.

وفي ظل ذلك كله علينا اليوم أن نعترف أنَّ الاقتصاد الأردني خضع لسياسات وبرامج تصحيح اقتصادي منذ العام 1990 بالتعاون مع الصندوق والبنك الدوليين، وتخرج من تلك البرامج في منتصف العام 2004 بتحقيق بعض النتائج الإيجابية، ثمَّ عاد الأمر إلى ما كان عليه في أعقاب الأزمة المالية العالمية بفعل سياسات خاطئة متعددة، ولكن المهم أن نسأل أنفسنا اليوم ما هو المسار المناسب للاقتصاد بعد كل هذه الجهود. وبداية نقول إنَّ سياسات التصحيح الاقتصادي منقسمة إلى قسمين: الأول هو ما يسمَّى التثبيت الاقتصادي؛ أي التخلص من التشوهات المرتبطة بالمالية العامة، والثاني هو التصحيح الهيكلي وهي السياسات المرتبطة بتوجيه الاقتصاد نحو الاستدامة والاستقرار.

أمَّا سياسات التثبيت الاقتصادي فيمكن القول إن الأردن قد أنجزها بالكامل وزيادة، فلم يبقَ دعم حتى على المواد الغذائية، وتحوَّل الدعم الموجَّه إلى المشتقات النفطية من تشوُّهٍ اقتصاديٍّ يُحمِّل الحكومة أعباءً تتجاوز 250 مليون دينار سنويا إلى مصدر إيراد عام سنوي يتجاوز 700 مليون دينار، وانتهت كافة أشكال الإسراف غير المبرَّر تقريباً، وتمَّ بشكل نسبي ضبط أوجه الإنفاق العام.

وعليه فإن أي سياسة تقشفية زائدة اليوم هي بمثابة سياسة تثبيط اقتصادي ليس له مبرر في ظل التباطؤ الاقتصادي القائم. ومن هنا فإنَّ السياسات المطلوبة والمسار البديل الحقيقي اليوم يكمن في التصويب والتصحيح الهيكلي القائم على ثلاثة أعمدة؛ الأول، تحسين البيئة الاستثمارية لجذب مزيد من الاستثمار، والثاني، تجاوز أزمة الجوار وجفاف الأسواق التقليدية بالنسبة للتجارة الخارجية عبر إيجاد أسواق بديلة للصادرات الأردنية لتوليد المزيد من الدخل محليًّا ولتوليد المزيد من مصادر العملات الأجنبية من مصادر مستدامة، والثالث تصويب وتحسين مستوى الخدمات العامة والتحوُّل نحو اقتصاد المعرفة واقتصاد التطبيقات الذكية ضماناً لتحسين وتجويد ورفع كفاءة الإنجاز العام الحكومي والخاص، بماس يساعد على جذبا المزيد من الاستثمارات ويحقق موارد مستدامة إضافية من الاحتياطيات الأجنبية.

والمحصلة من المسارات الثلاثة هو نموّ أكبر، وتخفيف أو حل لمشكلة البطالة، ومكافحة للفقر، وحصول على المزيد من الإيرادات العامة عبر وسائل توسعية لا تثبيطيه. النمو سيضمن زيادة الإيرادات العامة للدولة، أمَّا مسار رفع معدلات الضرائب فقد لا يضمن ذلك، بل قد يؤدي إلى تراجع تلك الإيرادات.

ورمضان كريم،

[email protected]