صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

ما الجديد في النهج الاقتصادي الجديد؟

هذا المقال هو امتداد طبيعي للسؤال المركزي نفسه (كيف نحقق النمو والتنمية التشاركية والمستدامة في المرحلة القادمة؟)

تناول مقال الكاتب في الاسبوع الماضي سؤال تحفيز النمو المستدام والتشاركي في المملكة وخيارات تحقيقه رغم الصدمات الخارجية المتكررة ودون التأثير سلباً على الاستدامة المالية ممثلة في عجز الموازنة والمديونية العامة. التركيز كان على أبرز الخيارات الفنية المتاحة للحكومة لانعاش الطلب المحلي والخارجي من خلال السياسات الاقتصادية الكلية والتصديرية، وأيضاً الخيارات المتاحة لتحسين انتاجية وطاقة شركاتنا الوطنية (أو جانب العرض في الاقتصاد) في المرحلة القادمة من خلال السياسات الاقتصادية الجزئية والقطاعية (السياسات الهيكلية).

هذا المقال هو امتداد طبيعي للسؤال المركزي نفسه (كيف نحقق النمو والتنمية التشاركية والمستدامة في المرحلة القادمة؟) لكن هذه المرة من منظور قيمي أوسع وأرحب وليس من منظور سياساتي وفني بحت. فعند الاصلاحات الطموحة، لا خيار سوى مواجهة أسئلة الأختيار الكبرى. 

وعلى صعيد المستجدات المالية الايجابية التي طرأت خلال هذا الاسبوع، ستساهم المنحة الخليجية الجديدة في اعطاء الموازنة العامة الأردنية فسحة مالية Fiscal Space ينبغي استغلالها بفعالية مع غيرها من المساعدات الخارجية لتعزيز “النهج الاقتصادي الجديد” بدلاً من السعي “للعمل كالمعتاد” الذي يتضمن مخاطر مستقبلية أعلى. لكن يبقى السؤال: ما هو هذا “النهج الجديد” المتوقع؟ وما هي مواصفاته ومتطلباته ؟

بداية، لابد من التنويه بأننا هنا -قبل بيان الحكومة الجديدة وطروحاتها- أمام منصة أكثر صعوبة وتعقيداً: فهل الجديد في “النهج الاقتصادي الجديد” سيتركز في اختيار الأهداف التنموية كمكافحة البطالة وتوسيع الطبقة الوسطى؟ أم في الآليات والوسائل كاعطاء دور أكبر للشراكة مع القطاع الخاص في الاستثمارات والسياسات والابتعاد عن نهج السياسات المالية المفروضة من أعلى الى أسفل؟ بكلمات أخرى، هل التغيير سيكون في الأولويات والأجندة الوطنية، أم في تفعيل وابتكار السياسات الاقتصادية؟ أم كلاهما؟ وهل يمكن فصل الأجندة الاصلاحية الاقتصادية عن الأجندة الاصلاحية غير الاقتصادية؟

وهل الجديد سيكون في توسيع دور الدولة أم الأسواق؟ وهل المقصود بدور الدولة هنا (في ضوء تحدي عجز الموازنة) حجم الدولة أم فعاليتها؟ وكيف نحقق فعالية أفضل لمؤسسات الدولة في ظل ضعف نهج الموازنة الموجهة بالنتائجResults-oriented Budgeting وفي ظل ضعف الماكنة التشريعية في أحيان كثيرة؟ وما دور القطاعات المدنية غير الحكومية ورأس المال الاجتماعي في تحقيق الطموحات الجديدة؟ السؤال الأخير هام جداً في نظري في ضوء تساؤل جامس بوكانان الحرج: “اذا فشلت كل من الأسواق والحكومات، ما هو البديل التنظيمي؟” بعد تقدم علم الاقتصاد وادراكه لجوانب اخفاق مزمنة في كل من الأسواق الحرة والتدخلات الحكومية.

وهل الجديد سيكون في اعطاء القطاع الخاص أدواراً جديدة في اطار النموذج الاقتصادي الليبرالي الجديد؟ أم الجديد سيكون في تحقيق انضباط الأسواق التي تشوهت أسعارها بالحرية الاقتصادية وبالحزمات المالية المتتابعة، الى درجة جعلت من عمان العاصمة من بين العواصم العربية الأكثر غلاء في المنطقة، ان لم تكن أغلاها مقارنة بمستوى الدخل الشخصي المتاح للأنفاق. 

مهما كانت الاجابة التفصيلية، فان المطلوب بنظر الكاتب هو نقلة نوعية من خلال خطوات متدرجة ومتسقة ومستدامة تبعدنا عن الاعتماد على المسار التاريخي غير الكفؤ Path Dependence وتقترب من نموذج ارشادي جديد في السياسات الاقتصادية والاجتماعية يكون أكثر تشاركية وكفاءة، وأكثر مراعاة للعدالة التوزيعية ومبادرات الفرد، وأقل اعتماداً على السوق الحرة الفجة، وأكثر اعتماداً على اقتصاد السوق الاجتماعي. 

وأعتقد بأن القليل من المفكرين والاقتصاديين في بلدنا يعتقد الآن بأن المطلوب الجديد هو “اعادة اختراع العجلة”، والمقصود بالعجلة هنا هي “النموذج الليبرالي الجديد” ووصفات مؤسسات بريتون وودز وسياسات “اجماع واشنطن”. كما ان الحال ذاته ينطبق على نموذج التخطيط المركزي الاشتراكي في ضوء تجربة انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن ناحية أخرى، ودون الدخول في التفاصيل، فان “الجديد” يتطلب اصلاحات في مجال الحوكمة الاقتصادية، واعادة هيكلة جزء من القطاع العام ويتطلب ابداعات مؤسسية وتشريعية استراتيجية وبعيدة المدى ويتطلب تشريعات ومشاركة من الجميع.

هذه القضايا ليست سهلة في تفاصيلها، وتتطلب الآن وبالحاح أن يتأهب المستشارون والخبراء الحكوميين ويعلنوا حالة الطوارئ الفكرية، وأن تصبح وحدات الدراسات في وزاراتنا ودوائر ومراكز الأبحاث في مؤسساتنا الحكومية المستقلة خلية نحل نشطة لاستكشاف النموذج الارشادي الاقتصادي الجديد، وبالشراكة مع القطاعات الأكاديمية (الجامعات خصوصاً أقسام الاقتصاد والتخطيط ودراسات التنمية) ومنظمات القطاع الخاص (بما فيها مراكز ومنتديات الفكر). ويمكن التعاون أيضاً مع منظمات دولية لا ترى في وصفات “النهج الاقتصادي الليبرالي الصرف” الحل الشافي للتحديات المتراكمة في الدول النامية والعربية.