صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

التحفيز الاقتصادي لجانب العرض

أنَّ التجارب العملية حول العالم خالفت ذلك تماماً، واتضح أنَّ الخلل دوماً في القصور في منح الحوافز من جهة، أو في منحها دون دراسة ودون تمحيص وإلى وجهات خاطئة، من جهة أخرى

يستغرب بعض الناس حينما يتم الحديث عن ضرورة تحريك جانب العرض في الاقتصاد للحصول على نتائج اقتصادية أفضل في زمن قصير، ويعتقد بعضهم أن إعطاء حوافز اقتصادية يعدُّ تنازلاً عن حقوق وإيرادات عامة، وبالتالي يؤدي إلى تراجعٍ اقتصادي وزيادةٍ في المديونية والعجز المالي. الحقيقة أنَّ التجارب العملية حول العالم خالفت ذلك تماماً، واتضح أنَّ الخلل دوماً في القصور في منح الحوافز من جهة، أو في منحها دون دراسة ودون تمحيص وإلى وجهات خاطئة، من جهة أخرى، بل إنَّ الواقع الاقتصادي أثبت بلا شك أنَّ منح الحوافز بشكلٍ سليمٍشفَّاف ومدروس يؤدي في الحقيقة إلى تحريك عجلة الاقتصاد، بما يحقِّق نمواً اقتصادياً حقيقياً أكبر من المتوقع، ويوفّر إيرادات للخزنية، أي أنه يعالج العجز المالي بوسائل مستدامة وليس عبر الاقتراض والمساعدات، ويؤدي في النهاية إلى تنمية حقيقية تجعل القطاع المحفّزِ راغباً في الوصول إلى كافة مناطق الدولة، لتحقيق مزيد من العوائد والانتشار السليم في الدولة. والتحفيز الاقتصادي لجانب العرض، أي منح الحوافز للقطاع الاقتصادية الواعدة، ومنحها التسهيلات، في الإجراءات قبل الضرائب أو الحوافز المالية، يقوم أساساً على معرفة الدولة وصانع القرار بالقطاعات الواعدة وبمستوى الموارد المتاحة، وبما يكتنزه الاقتصاد من إمكانات مادية وبشرية في كافة مناطقه، أي أننا نتحدَّث عن صانع قرار وعن اقتصاد يعي ما لديه من خارطة استثمارية وطاقات كامنة وإمكانات اقتصادية، وهو على وعي بالأسواق القائمة والمستهدفة، ويستطيع أن يضع الأسس والحوافز التي تتوجه إلى تلك القطاعات التي تستغل طاقاته الكامنة، وتستهدفه الأسواق الواعدة، وتفتح أسواقاً جديدة، بل وتسعى إلى كشف إمكانات الاقتصاد المستقبلية، عبر الاستثمار في قدرات وطاقات الإنسان والأرض. في مقابل ذلك كله، هناك من يستسهل الحلول، ويسعى إلى الأرقام، دون أن يهتم بالتخطيط الاقتصادي، وهو بطبعه يمسك بالآلة الحاسبة أكثر مما يلجأ إلى التفكير الاقتصادي الناجع، أو إلى أصحاب الاختصاص والعصف الفكري أو الذهني. هؤلاء مرتادو مدرسة ضبط جانب الطلب عبر سياسات التكميش، وفرض الضرائب، وزيادة الرسوم، وهي أمور تغلفها حقيقة استخدام الآلة الحاسبة، بحيث تضرب نسبة الزيادة في الضرائب إلى نسبة الاستهلاك الحالي من سلعة أو خدمة معينة؛ فيأتيك رقمٌ تعتقد أنك ستحققه بمجرد أن تتخذ سياسة ضبط الطلب التي يوصي بها أصحاب الحسابات والآلات الحاسبة، وهم بعيدون كلَّالبعد عن العمل الاقتصادي والتحليل الرشيد، مع كل احترام لمن يلجأ لهذه السياسة الحسابية، التي أوصلتنا في نهاية سنوات طويلة من العمل بها إلى نمو لم يصل حتى إلىحاجز 2%، وبطالة تجاوزت 19%، ومديونية قفزت على حاجز الناتج المحلي الإجمالي وقانون الدين العام، وإدمانِ على مديونية داخلية وخارجية لغايات تسديد الديون، وليس حتى لدفع فواتير جديدة أو تحقيق نمو أو خلق وظائف. قناعتي الشخصية أنَّ القائمين على سياسات ضبط جانب الطلب قد فشلوا، وعليهم الاعتراف بذلك وعليهم إعطاء فرصة لسنوات ثلاث، بعد أن حصلوا فرصاً دامت قرابة السنوات الثماني، وقد واجهت هذه الحكومة نتاج عملهم، وباتت أحياناً غير قادرة على الخروج من عنق الزجاجة التي وضعوه لها، أو وضعوها فيه. اليوم سياسات تحفيز جانب العرض، أي تحفيز القطاعات الاقتصادية على العمل، عبر سياسات وإجراءات، وعبر حوافز مادية وإجرائية، أكثر منها حوافز مالية، وعبر سياسات البعد عن المزيد من الضرائب والرسوم، ولا نقول تخفيضها بل البعد عن المزيد منها، كلُّذلك قادرٌ على إعطاء زخم للتحرك إلى الأمام. وقد يشكك البعض في ذلك، ويقول إنَّ سياسات التحفيز، بل سياسات جانب العرض جميعها، هي سياسات ذات أثر بعيد المدى، ولا تعطي أكلها في الوقت المناسب، ولا يشعر بها العامة والاقتصاد في وقت قصير. والحقيقة أنَّ هذه ادعاءات تمَّضحضها، وثَبُتَ عدم صحتها على أرض الواقع. ولعلَّ من المفيد إعطاء مثال عملي على أرض الواقع اليوم. ففي بداية هذا العام، لجأت حكومة دبي إلى حُزمة متكاملة من سياسات تحفيز جانب العرض، وفي قطاعات متعددة ومستهدفة، فقدمت باقة من الحوافز لقطاع السياحة والفنادق، وقامت بمجموعة متكاملة من الإجراءات والحوافز لدعم قطاع الصناعة، وقدمت العديد من التسهيلات في الإجراءات وفي التسجيل، وفي استقطاب الابتكارات، بل وقدمت حوافز للأفراد المبتكرين، ناهيك عن حوافز الشركات والمؤسَّسات المُبتَكِرَة. والنتيجة اليوم، بالأرقام لا الأقوال. استفاد ما يزيد على 25 ألف شركة من الحوافز المُقدمة. وأظهرت التقارير الدولية لمؤسَّسات مستقلة أنَّ دبي حقَّقت خلال النصف الأول من العام الحالي زيادة في تدفقات الاستثمار الأجنبي وصل نموها إلى نحو 26% عن العام المنصرم، ليبلغ تدفع الاستثمارات الخارجية الحقيقية حتى منتصف العام 2018 نحو 5 مليارات دولار، وارتفع عدد المشاريع المسجلة خلال نفس الفترة بنسبة 40% لتصل الى 248 مشروع جديد، كما حققت دبي أعلى معدلات إشغال فندقي وأعلى متوسط سعر غرف فندقية وأعلى إيرادات للغرفة الواحدة متجاوزة جميع أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما يعني أنَّ قطاع السياحة استفاد بشكل كبير من التسهيلات والإجراءات التي تمَّ اتخاذها، والتي منها بعض الإجراءات والحوافز المالية، ولكن أكثرها يتعلّق بتسهيلات الفيزا وتسهيلات الإقامة، وتوفير المرافق السياحية وتشجيع السياحة الثقافية، والعلاجية، والتراثية، والترفيهية. أمّا على صعيد القطاعات الأخرى؛ الصناعية، والزراعية، وقطاعات الإبداع والابتكار، فقد أثبتت الأرقام الرسمية والدولية أنَّ الحركة الاقتصادية حقّقت قفزات حقيقية في النمو، وفي التوظيف، وفي تحقيق النتائج المطلوبة، وقد أدّى ذلك إلى قيام صندوق النقد الدولي بتعديل توقعاته للنمو في دولة الإمارات بشكل إيجابي، كما يشير إلى تجاوز النمو المتوقع للدولة خلال الفترة االماضية. الشاهد ممّا تقدّم، أنَّسياسات ضبط الطلب، وسياسات الآلة الحاسبة، قد تعمل في اقتصادات مزدهرة تحتاج إلى تخفيض مستوى حرارة الاقتصاد واندفاعه، فيتم اللجوء إليها لتقوم بما يُسمى “تبريد الاقتصاد”. بيد أنها عاجزة تماماً في حالات الاقتصاد الذي يعاني الضعف والوهن ويواجه تحديات في سوقه وفي إنتاجه وفي حركة نموه. نحن بحاجة إلى اللجوء لسياسات تحرّك عجلة الاقتصاد، سياسات تستهدف المزيد من الاستثمارات، وسياسات تستغل الموارد، وجميعها سياسات وإجراءات، أكثر منها حوافز مالية وإعفاءات، وبهذا فقط يمكن لنا أن نحقّق موارد مالية أفضل للخزينة، ونحقّق فرص عمل مناسبة للشباب، ونوفّر تنمية متوازنة تغزو المحافظات جميعها، وننطلق إلى آفاق جديدة تتناسب وولوج الأردن المئوية الثانية لتأسيسه بعد العام 2020. ما يتطلبه ذلك هو فريق عمل يقوم بوضع السياسات المطلوبة والإجراءات اللازمة، وبعض الحوافز المالية المنطقية المعقولة، وهي قضية يمكن الانتهاء منها  في أقل من شهرين، وستؤتي أكلها ونتائجها في أقل من ستة أشهر إن تمَّ العمل عليها بشكل حثيث، ولم توضع على الرفوف، كما حدث للأجندات والبرامج والمشاريع السابقة.

[email protected]l.com