صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

أزمة ديون عالمية منتظرة ومصيرنا وفلسطين

يدور الحديث في الوقت الراهن عن إمكانية تفجرّ أزمة ديون عالمية قد تعصف بالمكتسبات التنموية التي حققتها دول ناشئة وأخرى كبرى على امتداد العقود الأخيرة.

ويُتوقّع أن تمتد تداعيات هذه الأزمة على نطاق أكبر ورقعة أوسع من تلك التي حصلت مع دول نمور آسيا خلال العام 1997 ومن بعدها في 2008 بالولايات المتحدة والتي كانت قد واجهت أيضا الكساد العظيم سنة 1929 قبل أن تخرج منه بفضل نتائج الحرب العالمية الثانية التي أصبحت بموجبها واشنطن صاحبة المرجعية الإقتصادية الأولى بالعالم، بفعل ربط تقييم السلع والعملات الأخرى بالدولار الأميركي كبديل عن الذهب.

وعلى الرغم من مساعي الدول المختلفة لتقليص أعباء مديونياتها الخارجية، غير أن المؤسسات المالية والنقدية التي وُلدت من رحِمِ الحرب العالمية الثانية (البنك الدولي، صندوق النقد، ومن بعدهما بنك التسويات) ، حرصت دون كللٍ أو ملل على إغراق تلك البلدان بالديون وذلك لقيادتها طوعا أو كرها نحو بيع مؤسساتها الوطنية بحجة تمكينها من سداد قروضها (الأردن، اليونان وغيرهما) أو إجبار بلدان أخرى على التنازل عن جزء من سيادتها ملوّحة باستعمال سياسة الصرف للإضرار بعملاتها المحلية، وبالتالي خفض تصنيفها السيادي وما يعنيه الأمر من ارتفاع كلفة سداد الديون وتراكمها مع مرور الوقت (تركيا والأرجنتين وفنزويلا حالياً).

والثلاثي الأخير يعاني راهناً بشكل جليّ من تلك التوجهات التي التقت فيها مصالح أصحاب رأس المال المُقرضين بذوي النفوذ على الساحتيّن النفطية والسياسية (فنزويلا مثلا تمتلك أكبر إحتياطي نفطي بالعالم لكن شعبها يئن تحت وطأة الجوع والفاقة، حيث أن ممانعة كاركاس للشركات النفطية الأميركية من الحصول على إمتيازات للتنقيب في أراضيها، دفع اللوبي النفطي -الذي تتزعمه أسرة روكفيلر للتكاتف مع نظيره المالي المصرفي، وذلك لبذل أقصى ما يمكن من جهد للإطاحة بعملة فنزويلا المحلية، بغية إذكاء حالة اليأس والسخط الشعبية في هذا البلد اللاتيني تجاه النظام الإشتراكي وصولا للثورة عليه مستقبلا).

ويجدر الإشارة هنا إلى دوّر هذه الأسرة الصهيونية (روكفيلر) في اكتشاف النفط بالولايات المتحدة قبل 150 عاماً، وما تبع ذلك من هيمنتها على حقوق الامتيازات النفطية بالمشرق العربي عبر شركة ستاندرد أويل التي أنجبت لاحقاً اكسون موبيل وشقيقاتها وذلك تحت غطاء النفوذ الأنجلو-أميركي المتمثل بالاستعمار الإنجليزي المباشر أولاً، ومن ثمَّ سطوة الولايات المُتّحدة لاحقا، ضمن مشروع متصل لم تنفصم عراه، بدأ برسم جغرافية سياسية مصطنعة يُمكن إعادة النظر فيها مع مرور الوقت، بهدف الإمعان في إضعافالكيانات العربية القائمة من جهة؛ والإطباق على مقدراتها من جهة ثانية، وذلك للحيلولة دون تمكنها من الاكتفاء بذاتها والنأي بنفسها عن السقوط في مستنقع الديون، لتضحي غير قادرة على سداد قيمة خدمة هذه الديون فضلاً عن أصل تلك القروض.

ولم يكن المواطنون الإنجليز والأميركيون بمنأى عن تداعيات هذه السياسات التي أقنعتهم بضرورة دفع الضرائب التي وجدت طريقها الى مصارف النخبة العالمية باعتبارها أموالا مُستحقة لسداد مديونيات حكومات بلدانهم التي تُستجرّ دوماً إلى ساحات الحروب والتدخلات الخارجية التي تستلزم أموالا طائلة يقدمها المُقرضون مقابل مصالح مُتفق عليها.

وهنا يمكن إجراء ذات القياس، فدافع الضرائب العربي لخزينة حكومته، لا يُقدم على هكذا خطوة في سبيل الحصول على خدمات ومرافق نظيرا لما بذله، بل أن ثمرة كدّه تذهب لسداد فوائد قروض بلاده المتنامية لصالح المؤسسات الماليّة الدولية، هذا مع بقاء أصل الديّن الوطني ثابتا.

أمّا شمس روتشيلد وأسرته، فإنها أيضا لم تغب عن سماء العالم العربي منذ انتزاعهم وعد بلفور، فقد لجأنا إليهم باعتبارهم مستشارين ماليين لتقييم أصول شركات وطنية أُضطرت حكوماتنا لبيعها لهم بحجة عدم وفرة الأموال اللازمة لسداد المديونية المستحقة.

وهنا لابد من العودة لنحو قرن من الزمن وذلك حينما منحت حكومة بريطانيا العظمى وعداً مشؤوماً لشخص ساهم في إغراق لندن في الديون، فأرادت مكافأته وأسرته الربوية فاحشة الثراء نظير منحها بعض الأموال لتمويل حروبها، وذلك من خلال استصدارها وعد بلفور للورد الصهيوني روتشيلد والذي كان مهيمنا على بنك إنجلترا المركزي ومن ثمّ بنك الاحتياط الفدرالي الأميركي، كما  كان صاحب اليد الطولى -إلى جانب روكفيلر – في بناء المؤسسات المالية الدولية التي أغرقت دول العالم بالديون وقايضتها على سيادتها على أراضيها.

ولم يُذع الإعلام الغربي سراً في الآونة الأخيرة حينما بدأت بعض مؤسساته المستقلة بالربط بين ما جرى في الساحة العربية خلال العقديّن الأخيريّن وما بين مصالح ذوي النفوذ المصرفي والمالي في العالم الغربي، ممن سعوا عبر مؤسساتهم الربوية ومن تحت ستار الدول الكبرى التي يحكمون اقتصاداتها؛ إلى جرّ دول عربية تجاه مؤسسات الإقراض الدولية بعد أن ظلّت لسنوات طوال متمنعة عن التعامل معها نظرا لكفايتها (العراق، ليبيا، سوريا، وأخيرا السعودية صاحبة أكبر قدر من الصادرات النفطيةضمن مشروع يرمي للإجهاز على مقدرات المنطقة والذي تجلّت مظاهره بافتعال حروب و نزاعات طائفية أو حتى ثورات شعبية كانت بمثابة حقٍّ أُريد به باطل، وصولا إلى تصفية القضية الفلسطينية بسهولة مردّها عدم وجود قوة عربية رادعة أو قادرة على الوقوف في وجه هذا المشروع الذي يوشك أن يكون أمرا نافذا.

أزمة الديون المتوقع حدوثها في أي وقت؛ تحمل في طياتها تداعيات عالمية لا يُمكن حصرها، لكنها ستسهم حتما في توسعة المرابين وأباطرة المال والنفط من نطاق هيمنتهم لتبلغ مناطق جديدة لم يسبق لهم النجاح سابقا في اختراقها.

أما عربياً، فإن الأزمة -التي قد تكون مفتعلة ومفاجئة- فستكون بمثابة حصان طروادة والذي من خلاله تسعى أُسرتا روتشيلد وروكفيلر وأشباههما إلى وأد القضية الفلسطينيّة من جهة؛ وإعادة رسمّ جغرافية المنطقة التي أنهكتها الحروب والنزاعات الخلافية والفقر والبطالة والديون المتراكمة وغير المنتهية من جهة ثانية.

ولم يأت الحديث الإعلامي اليوميّ الراهن عن “صفقة القرن”، إلّا بعد أن استحكمت حالة الوهن الذي يعانيه الجسد العربي بفعل خطة حُبكت خيوطها ونسجت على مدار سنوات بيّن ذوي المصالح الاقتصادية ونظرائهم أصحاب التوجهات السياسية والأيديولوجيّة ممن يريدون أن تُضحي فلسطين التاريخية كمنصة دائمة لهم يعبثون من خلالها بما تبقى من إطلال وحطام المنطقة.    

“وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”… صدق الله العظيم