صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

قانون الضريبة … والعدالة

أين نجحت الحكومة؟ وأين أخفقت؟ في التعامل مع هذا الملف الشائك.

تشتبك الحكومة، بأعضائها وأجهزتها كافة، في حوار موسع مع الفعاليات الشعبية على امتداد مساحة الوطن، وجاهياً ومباشرة أحياناً، والكترونياً وعبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أحياناً أخرى، وذلك في محاولة لإقناع المواطنين في مختلف مواقعهم بالنسخة المعدلة من مسودة مشروع قانون الضريبة المُعدل لقانون رقم (34) لسنة 2014. فهل ستنجح الحكومة في تأمين توافق وطني على هذه النسخة؟ أم ستجري تعديلاً عليها في ربع الساعة الأخير قبل دفعها إلى مجلس الأمة؟ 

الإجابة على سؤال كهذا لن يكون سهلاً، ولا حتى متاحاً، وربما ليس وارداً في ذهن الحكومة. فأين نجحت الحكومة؟ وأين أخفقت؟ في التعامل مع هذا الملف الشائك.

ربما يكمن الاخفاق الأساسي في فشل الحكومة في الالتزام بالتوجيه الملكي في كتاب التكليف السامي الذي وجه الحكومة إلى ضرورة أن: “تحمي الضعيف في ظل بيئة ضريبية عادلة”، وفشلت في وضع تصورها “لإطلاق مشروع نهضة وطني شامل” ولم تلتزم “بجملة الأولويات والثوابت” التي نص عليها كتاب التكليف الذي حدد بوضوح أن “التحدي الرئيس الذي يقف في وجه تحقيق أحلام وطموحات الشباب الأردني هو تباطؤ النمو الاقتصادي، وما نجم عنه من تراجع في فرص العمل خاصة لدى الشباب”.

صحيح ان مسودة القانون تحمل بعض التطوير الإيجابي مثل موضوع الفوترة، ولكنها لا تقدم حوافز للمواطنين للمطالبة بفواتيرهم لأن مشروع القانون شطب من الإعفاءات مبلغ الأربعة آلاف دينار التي كانت مخصصة لفواتير التعليم والصحة للأسر الأردنية، وهو ما من شأنه إجهاض ايجابيات الفوترة فلا يعود المواطن حريصاً على المطالبة بفاتورة السلعة او الخدمة التي يحصل عليها، ومن ناحية أخرى لا تعود الفوترة حاسمة في مكافحة التهرب الضريبي، أو جزء مهم منه، وهو ما قُصِدَ منها في الأصل.

صحيح أيضاً أن ثمة متطلبات مالية يتوجب الالتزام بتحقيقها للحصول على مباركة صندوق النقد الدولي، وهي مهمة أيضاً؛ لكن الصندوق يترك للحكومة مجالاً واسعاً للتحرك من خلاله لتحقيق ذلك. وهنا أيضاً اخفقت الحكومة بتحقيق مبدأ عدالة التصاعد الضريبي، وتجرأت على مداخيل الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، في حين تساهلت مع مداخيل الطبقة المرتفعة الدخل، وفي ذلك إهمال واضح، ولا أريد أن اقول مقصوداً، لمتطلب أساسي من متطلبات العدالة الضريبية وهو “مراعاة المقدرة على الدفع” نسبة إلى الدخل والاحتياجات الحياتية للمكلفين. أما نسبة الواحد في المائة المفروضة كضريبة تكافل اجتماعي والتي لم ترد في القانون الأصلي ولا في مشروع قانون حكومة الملقي، فإنها ترفع معدل الضريبة مباشرة على كافة الشرائح، ومع وجاهة الفكرة، كان يمكن اقتصارها على شرائح الدخل المرتفعة، وبذلك تحقق الهدف منها، وهو التكافل الاجتماعي، ولمن يحاجج في ذلك نقول أن عدالة الضرائب تتطلب أحياناً تحيزاً ايجابياً لصالح الطبقات الرقيقة الحال.

صحيحٌ كذلك أن المغالاة في الضرائب على القطاعات التجارية والصناعية والمالية قد يكون مفعولها عكسياً، ولكن يجب أيضا أن تساهم الفوائض والأرباح المتحققة لهذه القطاعات في المشروع النهضوي الوطني المشار إليه في كتاب التكليف. ففي قطاع المصارف مثلاً، كيف يمكن أن نبرر لفقراء المواطنين إبقاء نسبة الضريبة على حالها، وهم يتابعون يومياً عبر وسائل الإعلام الحملات الدعائية المحمومة لاجتذاب ودائعهم من خلال الجوائز السخية المختلفة؟ ومن يحتج بأن البنوك سوف ترفع أسعار الفائدة وكلفة الاقتراض على المواطنين لو تم رفع نسبة الضريبة عليها، فإنه يتناسى الدور الأساسي للبنك المركزي وسياساته النقدية، وهو من يقود قطاع البنوك في مجال أسعار الفائدة وليس العكس؛ كما أن سياسته النقدية يجب أن تتناغم مع السياسة المالية للدولة، وبخلاف ذلك فإن ما تحققه احداهما تلغيه الأخرى، وهذا من أبسط مبادئ الاقتصاد الكلي (Macroeconomics). ويبقى البنك المركزي هو بنك البنوك وسيد السياسة النقدية في الدولة بلا منازع، والمحافظ على استقرار سعر الصرف والاحتياطيات.

أما القطاع الزراعي فإنه يبقى مغبوناً ويتلقى الصدمة تلو الأخرى. ففي حين يحاجج بعض المحاورين من مسؤولي الحكومة بأن الاحداث الإقليمية تفرض على المملكة وضعاً صعباً من حيث إغلاق الحدود في وجه التجارة مع الدول المجاورة، وعبرها إلى الدول الأخرى، فإنهم ينسون تماماً بأن أول متضرر من هذه الإغلاقات هو القطاع الزراعي، ولا داعي للدخول في التفاصيل هنا. وعندما تقول الحكومة بأنها سوف تلغي ضريبة المبيعات على العديد من المنتجات الزراعية كالفواكه الخضروات يبدو أنها تنسى بأن هذه المنتجات لا تخضع لضريبة المبيعات أصلاً!! وما يطالب به القطاع الزراعي هو تخفيض الضرائب على مدخلات الانتاج والتي طالما عانى منها القطاع الزراعي.

وقبل الختام، قرأت خبراً مثيراً يشير إلى أن الضريبة لن تطال رواتب معلمي المدارس الحكومية و/أو زوجاتهم، وأن عدداً لا يتجاوز أصابع اليد هم ممن تزيد رواتبهم عن مستوى الإعفاء الأساسي!! فهل تفخر الحكومة بأن معلمي الأجيال ومن شابههم هم من الطبقة الرقيقة الحال، أم كان الأجدر بها أن تضع الخطط للنهوض بمستوى دخولهم ورفع مستوى معيشتهم! 

أود أن أذكر الدكتور الرزاز ورفاقه في منتدى الاستراتيجيات الأردني بأنهم كانوا يُصْدِرون أوراقا وابحاثاً تتعلق بالشأن الاقتصادي غاية في الرصانة والتحليل المنهجي والصدقية، فكيف له أن يغفل عن ذلك وهو في سدة المسوؤلية الآن، والأهم من ذلك، كيف يغفل توجيهات كتاب التكليف ويدخل حكومته في جدل غير مفيد مع الفعاليات الوطنية بمسودة مشروع قانون للضريبة لايختلف كثيراً عن سابقه الذي أسقطه الحراك الوطني.