صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

دردشه دراميه عن فيلم الحريف – الجزء الأول

عرض هذا الفيلم في السادس من اغسطس في عام 1984 في القاهرة، و هو من انتاج افلام الصحبة الذي كان الراحل محمد خان شريك فيها… و هو من بطولة مراد كبار في عالم الدراما و الفن في القاهرة) مع حفط الالقاب( عادل امام، فردوس عبدالحميد، عبدالله فرغلي، نجاح الموجي زيزي مصطفى، و غيرهم من اصحاب القدرة الدرامية الممزة، و هو من الافلام التي اثارت جدلا واسعا في القاهرة حين عرضها، فكان دور البطولة به للراحل الكبير احمد زكي رحمه الله… و لم يكن الفلم الاوحد بينه و بين محمد خان اذ راى هذا الثنائي نجاح ساحق مع بعض في عدة افلام دسمة حققت ارادات كبيرة جدا… الا انه اثناء التحضير لهذا الفيلم قرر محمد خان ان يعدل باختياره عن زكي و يعطي دور البطولة لعادم امام، ففجأة ظهر في موقع التصوير باطلالة و مظهر لادور لم يوافق عليه الراحل خان… فاختلفا برؤيتهم لتقديم شخصية فارس مما دفع خان بعرض الدور على عادل امام الذي كان يعيش شهرة عارمة في القاهرة و المنطقة العربية عموما بسبب نجاحاته الساحقة في ادواره الكوميديا في افلامه، فحاول خان على ضوء ما حصل بينه و بين زكي استغلال نجومية عادل في الفيلم، فقبل بالدور و كان ما كان بين هاؤلاء الكبار… فحتى كلمات الشعر العامي في مقدمة الفيلم هي بصوت الراحل زكي… و لكن حدثت الكارثة الغير متوقعة… فحينما عرض هذا الفيلم في القاهرة عام 84 لم يتقبل الجمهور الفيلم اطلاقا… فكانوا الناس يخرجون من منتصف الاحداث و قبل ان ينتهي الفيلم… بينما حينما رفض خان زكي لدور فارس شارك الأخير في بطولة فيلم شادر السمك و حقق ايرادات اكبر و اقبال جماهيري اقوى مما حقفه الحريف؟!… و الذنب ليس ذنب زكي او عادل… الاقدار كانت تلعب دورها بينهما…لم يأخذ هذا الفيلم حقه الا حينما انشهرت كاميرا محمد خان و فهم الجمهور العربي اسلوبه الفني من خلال تكرار تجربته الاخراجية و نجاحاته عقب هذه النكسه… فحينها فهم الجمهور بعد فترة طويلة ماذا كان يريدان خان و فارس بطل الفيلم منهما…

يا لسخرية الاقدار…سأطرح تسائلا هنا ارجو ان يسامحني الجميع عليه لان هنالك هدف سامي من ورائه…و سابرهن ان خطئ عدم تقبل الجمهور في بادئ الأمر لفيلم الحريف سببه الراحل خان رحمه الله. فلم يحسب حسابات الفيلم جيدا، فسبب نجاحات عادل امام في عالم الفن تكمن في ادوار الكوميديا التي كان يقدمها بصورة ناجحة جدا في اعماله الدرامية، لذلك اعتاد الجمهور على عادل ككوميديان لدرجة ان اسمه على افيش اي فيلم جديد وقت الاعلان عنه كان سيوحي للجمهور مسبقا من دون مشاهدته للمادة بانه فيلم كوميدي… قالب فرضته موهبة عادل امام الدسمة في عالم الفن الذي اصبح هو من اكبر الفنانين به بل من اكثر من اثر به و شكل اوجه عديده به في تاريخه المعاصر… و لكن مع الاسف لكل جواد كبوته… و هذه كانت كبوة الراحل خان فغابت هذه الحقيقة عنه… و اذا شاء القدر انعمى البصر فعرض هذا الدور على مارد الكوميديا عادل امام… و كان ما كان… لذلك التساؤل الجدلي هنا سيكون كالآتي… لو حل الراحل خان خلافه مع الراحل زكي حين الاعداد للفيلم هل كان سينجح وقت العرض في سنة 84؟ …الجواب هو بانني متاكد بانه كان سيكون نجاحا ساحقا للثنائي خان و زكي… بل ربما كان سيحقق لزكي نجاح اكبر مما حققه فيلم شادر السمك لان زكي لم يكن محصورا مثل عادل امام في قالب درامي معين فكان الجمهور سيقبل زكي بدور فارس اكثر من عادل امام… فالذي حصل في صالات العرض عام 84 هو ليس فشل لعادل امام و لا للراحل خان الذي قدم اخراجا دسما في الفيلم…بل خطئ في التقدير و غلطة تقنية من خان… فلم يتقبل الجمهور عادل امام في دور درامي مثل فارس من شدة حبهم و تعلقهم به في ما كان يقدم من ادوار كوميديا… لذلك كانت الكارثة في الفيلم… وكناقد فني اقول من باب تقني ان عادل امام نجح نجاحا باهرا في تقديم دور فارس… و نفور الجمهور من الدور هو بسبب تكرار الادوار الكوميديا لعادل امام مما جعل الناس تتوقع دائما منه هذا القالب المهني و تعتاد عليه… و ليس لاخفاق عادل امام في تقديم شخصية فارس… اي بتعابير ادق نفر الناس من رؤية عادل بقالب درامي جديد و شخصية جدية لم يعتادوا عليها…

تعملق عدسة خان في الفيلم : فهو الذي ابى الا و ان يقول كلمته عن القهر الذي يمر به طبقه من الناس في مصر… فراشهم يبس الارض و وسائدهم حجارتها المؤلمة و غطائهم سماءا رحبة ببردها في الشتاء و حرها في الصيف…طبقة تعيش فقر مهلك و حياة خالية من الامل، حتي التفاؤل بان هنالك غد احسن من اليوم ينتظرها غير موجود في حياتها…هذه هي الطبقة التي ينحدر منها ابطال هذه الرواية فارس بكر و دلال ) فردوس عبدالحميد( و رزق ) عبدالله فرغلي( سمسار مباريات كورة الشراب و عبدالله) نجاح الموجي(، طبقة مقهورة لا عون لها الا الحظ ان حالفها…و اغلب الظن لا يحالفها الا ما ندر… و من هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه اتعس طبقات المجتمع المصري نتعرف على فارس. و هو شاب يسكن فوق سطح عمارة قديمة مترهلة في غرفة هزيلة مع جاره عبدالله، و جاره يعاني من الاحوال المادية المترهلة حيث نراه في شجار مستمر مع زوجته و نراه يضربها باكثر من مناسبة حينما يتشاجرا على المصروف و دخلهم المتدني… و عبدالله يعيش في غرفة قديمة على السطح ايضا مع اولاده و زوجته مما يجعل قصته مفجعة بصورة كبيرة…الملفت للانتباه في هذا الموضوع ان الفيلم تم تصويره في منتصف حي فقير و في بيئة فقيرة و مواقع ذات بنية تحتية مترهلة جدا اعطت للفيلم واقعية لا مثيل لها… البناية القديمة بمصعدها و شققها العتيقة…و السطح الذي يؤي الغرف العتيقة و الحقيرة فهي نفسها التي توضح الحالة المزرية التي يعيشها سكانها… و الاحياء الشعبية القديمة التي يسير بها فارس و هو يذهب الى عمله و عربيات الفول و الشطائر التي يشتري منها وجباته من و الى العمل…كلها مواقع تعكس كفاح ابطال هذا الفيلم ليس لكسب لقمة العيش فقط… بل للبقاء على قيد الحياة؟! فعدسة خان زارت هذه المواقع الفقيرة و غرزت الابطال بحرفية عالية وسط هذا الجحيم لتضفي على الفيلم واقعية عالية ليكون مقنع للناس و المشاهدين… حتى المصنع الذي يعمل به فارس و مهنته المتواضعة في صناعة الاحذية التي تقتضي وقوفه خلف الماكنة تخبر عيشته التعيسة و دخله المالي المتواضع… احببت هذه المعادلة في الفيلم كثيرا لانها اساسا عن شخصية تعيسة في حياتها نكاد لا نفهما بوضوح الا من خلال ظروفها القهرية التي تعيشها و المشاكل التي تمر فيها مع ابطال هذه الرواية… المونولوغ طوال مشاهد الفيلم معها معدوم ليضفي هذا الامر غموض ايجابي حولها فلا نعلم ما يفكر به طيلة هذا الفيلم… ففارس انسان غامض قليل الكلام جدي الملامح عابس الوجه منسحق القوة يكاد لا يضحك تقريبا الا في مواقف محددة…و هو عدواني الطبيعة اذ نعلم من خلال الفيلم عن السبب في طلاقه من دلال… فعلى اثر مشاجرة كبيرة ضربها ضربا مبرحا مما دفعها لتقديم شكوى للنيابة به… فارس انسان متمرد على واقعه كثيرا فلا نراه يحاول الاستقرار بوظيفته في مصنع الاحذية بالرغم من انه ياخذ دخله بناءا على كمية الاحذية التي ينجزها بالمكنه… امر كان من المفروض ان يغريه لينتج للمصنع اكبر كمية ممكنه… و لكن لا نراه يحاول اطلاقا الانتظام بعمله… فبدلا من هذا الامر نراه تائها تارة في مباريات لعبة كرة الشراب التي كان يتقنها تماما و تارة في فراش بنات الليل في الحارة التي يسكن فيها… و هنا قد يساء فهم فارس المعروف بحريف كورة الشراب بالحارات الشعبية…

مما لا شك به ان مشاكل فارس الماديه و اليأس من اوضاعه و مشاكله الاجتماعية كانت تدفعه الى الهروب لفترات من الوقت من هذه الضغوطات… فكانت كرة الشراب ملاذا له لينسى تعاسته و فرصة ايضا ليكسب منها بعض المال… و ربما فوزه المتكرر في مبارياته كان يعطيه بعض الثقة بالنفس حيث انه المعروف بالحريف من شطارته و حرفيته العالية باللعب… كان يطلب بالاسم ليشارك بالدوريات التي كانت تقام فيها… فنراه يلهث للعب فيها فربما تكون الواقع الوحيد الذي يستطيع السيطرة عليه… و ربما تكون ملاذ له من الألم و اليأس الذي يشعر بهما على مدار الساعة… لفترة من الوقت يهرب فيها من الفقر المهلك الى واقع يكون به هو البطل و الفائز بأمر في حياته…هذه المعادلة واردة جدا بالنسبة لفارس لذلك كان متمسك بكرة الشراب لدرجة انه ضحى بمهنته بمصنع الاحذية و ضرب انتقادات زوجته المتكررة له بانه تائه و صائع بالشوارع غير قادر على صنع شيئ مقنع لها و انجازات صلبة في حياته… ولكن رغم تأيدي شخصيا لانتقادات دلال الا انها فشلت في رؤية كم كانت تشحن كورة الشراب زوجها بالروح المعنوية التي كانت تمده بالطاقة ليستمر بالحياة… تمده بلحظات كان بحاجتها ليكسر بها المرار الذي كانت تجرعه اياها ظروفه بالحياة…دلال كانت تجلد زوجها بكلمات قاسية غالبا كانت تتراكم بداخله الى حين خرج عن طبيعته في ذات مرة و ضربها ضربا مبرحا… و في واقع الحال انا لا أؤيد عملية ضرب فارس لزوجته اطلاقا، و لكن للذي يمر بظروفه القاسية و انتقادات زوجته بالصورة المتكررة التي رايناها بالفيلم ستكون هذه النتيجة الحتمية لزواجه حيث ان من الطبيعي ان تتاثر معنويات اي شخص سلبا بهذه الظروف و من طبيعي ان يمر بفترات اكتئاب نفسي و يأس…و هذه كلها ستمتحن قدرة احتماله الى درجات كبيرة…

على ضوء اليأس و الشعور بالضياع الذي كان يسيطر على فارس في هذا الفيلم الكبير تتوضح اكثر زياراته الى بعض نساء الليل التي كان يقابلها في حياته…فانا على يقين انها كانت فترات لتفريغ الشحنات السلبية التي كانت لديه و التي كانت ممزوجه بشعوره بان ليس هنالك نفيس او غالي بحياته… انظروا ماذا فعل به خبر وفاة والدته حينما زاره محسن عبدالحكم) حمدي الوزير( من البلد و اخبره بعدها بفترة بسيطة بانها توفيت و اقيم لها عزاء و هو في مصر لا يعلم شيئ و لا حول له و لا قوة… حتى نراه لا يعلم الكثير عنن امر مرضها… اخبار حطمت فؤاده الى المنتهى… و ما كان به الا ان اشتكى للامراة المومس بعمارته و الدمع يكاد ان يطير من عينيه… ثم لحق بها الى شقته حينما دعته لذلك و هو تحت تأثير الصدمة…فمما لا شك به اننا كبشر لنا طاقات تحمل امتحانها قد يدفعنا الى التفاعل مع الضغوطات و المشاكل باشكال مختلفة… فمن البشر ما يستطيع التغلب على ظروفه و منهم ما تدفعه ظروفه نحو التهلكة و انحرافات كثيرة كتناول المشروبات الكحولية للنسيان و المخدرات و متاع النساء… و صدقا التدخين ابسط هذه الامور… ففارس بكر كان في بئر منها لا يحمد عقباه…فكان يعاشر جارته و زميلته بالعمل و يشرب الكحول… و الامور لا تتوقف عند هذا الحد… بل نراه يقبل بعرض شعبان ) فاروق يوسف( بالرغم من طبيعته المريبة…فشعبان كان مثل فارس من حارة شعبية و كان مغرم بلعب الكرة و لكنه ادرك حقيقة مرة عن هذه اللعبة… فاللاعب اما فوق او اما تحت بغياهب النسيان كما يعبر عنها في الفيلم… و من الواضح انه لم يبلغ هذه الشهرة الثمينة… لذلك قرر ترك المهنة و العمل بتجارة السيارات… فنراه يعرض على فارس اغراءات السيارات و السفر و الاقامات الفاخرة في بلاد الخارج و متاع النساء ليعمل معه بتجارته المريبة… و رغم احساس فارس بأن تجارة شعبان مريبة الا انه يقبل بهذا الامر… فهي فرصة لن تتكرر ليخرج من الدوامة التي هو فيها…

قد يطول النقاش حول فارس، فهو شخصية مثيرة للجدل اختاره خان عن قصد ليمثل نخبة واسعة من المهمشين في المجتمع المصري، فهو مخرج ينتمي الى مخرجين الواقعية بامتياز و سيحسن اختيار من سيمثل القضية التي تعالج فيلمه… خان ابن تيار يؤمن بان لا بد ان يكون الفيلم ذو هدف لذلك من يحضر رائعة الحريف سيشعر و كأنه امام مشاهد انطلقت من واقع الشارع المصري ببشاعة هذا الواقع اذ لا يعمل على تخفيفه او تجميله و هذا جمال المدرسة التي ينتمي اليها الراحل الكبير… و اذكر هنا فيلم زوجة رجل مهم و مهارة احاكة شخصية هشام و زوجته منى في صلب احداث شهدتها القاهرة بتاريخها المعاصر ليشعر المشاهد بأنه يشاهد قطعة من التاريخ بالرغم من ان شخصية هشام مستلهمة من الواقع؟! انها تيارات امتعتنا باسلوبها الراقي في تجسيد معانات الناس و كفاحهم في هذه الحياة لذلك لا بد لنا ان نقف ليس فقط عند شخصية فارس بكر بل عند بعض شخصيات اختار خان ان يضعهم تحت الضوء مع فارس… و هم من الطبقة المكافحة… و احب ان اثني على الطريقة التي اختارها خان لنتعرف على حارة و بيئة فارس… فلا بد للراوي الماهر ان يمتع القارئ ببعض المعلومات حول بيئة ابطال روايته التي ينحدروا منها و تفاصيل هامة حول نشئتهم و بعض من الحيثيات حول ظروف حياتهم… فبهذه التقنية سيشعر المطالعين بانهم اقرب الى ابطال الرواية و سيستطيعوا التفاعل معهم اكثر… بعد بضعة دقائق من بداية الفيلم تزور الكاميرا مقهى شعبي يجلس به بصورة دورية ابناء الحي… و عبر جولة سريعة في هذه القهوة العتيقة بجدرانها البالية تتوقف الكاميرا عند طاولة يجلس عليها فارس مع اثنين من الشبان يلعبون القمار) بالكوتشينه(…و بعد تذمر خصم فارس اذ يخسر ثلاثة جنيهات باللعب يتبرع خصم آخر لينازله… اجواء ايضا تؤكد مدى استهتار فارس بظروفه الحياتيه عن طريق لعبه للمحرمات… ثم تنتقل الكاميرا الى طاولة عليها رجل يرتدي بدلة غير متناسقة الالوان لتعكس بساطة شخصية صاحبها ، و يجلس معه ما يتوضح من الحوار بأنهم مواطنون يتحاورون معه على فيزا سفر الى الخارج للعمل و لكسب لقمة العيش… و في طاولة آخرى شباب يتشاجرون حول ما يبدو انه مال…و في طاولة آخرى مجموعة من الرجال نرى فجأة احد كبار السن فيها يسأل صبي الطلبات اذا اتصل به احدهم على القهوة، فيجيبه الصبي بالنفي و يكمل معلقا عن من سيسأل عنه، فيجيب الرجل بانه اعطى التلفزيون رقم القهوة ليتصلوا عليه…شعرت بأن اجابة صبي القهوة ليست كلمة عابرة في هذا المشهد…بل تعني بان هذا الرجل البسيط بالمجتمع لن يسال عنه التلفزيون اطلاقا… و كأن صبي القهوة يقول للمسن من انت ليسال عنك التلفزيون او غيره بمضمونها المباشر المحدد… و لكن لهذه الكلمة بعدا آخر و مغزى آخر عن الحي… بأن الحي بسكانه من المهمشين فمن سيسال عنهم…كلمة تحمل بطياتها حيثيات كثيرة اذا دققنا بمضمونها على ضوء رسالة الفيلم و مشاهده المثيرة…

الشخصيات المؤثرة في حياة فارس بكر :

دلال زوجته : انها امراة جميلة في ريعان شبابها، و هي من عائلة فقيرة تعمل على ماكنة خياطة تريكو في احد المصانع، دلال شخصية موزونة و ربة اسرة حسنة السيرة و السلوك حيث لا نراها في الفيلم الا في عملها و في بيتها تسهر على راحة ابنها، و لعلها تحاول المضي قدما في حياتها بعد انفصالها عن زوجها فارس اذ نراها تزور طليقها في بداية الفيلم في العمل، و اثناء حديثها معه عن زيادة مصروف ابنهما المقرر من المحكمة تخبره بانه تقدم لها من يطلب يدها للزواج و بانها عازمه على الزواج، هذه المعادلة لم يتوقعها فارس اطلاقا فنراه بعدة مشاهد من الفيلم يعبر عن غضبه من هذه الانباء… فبعد ان تخبره دلال بهذا الامر نراه يرفض قرار ارتباطها كليا، بل يهددها بهذا المشهد في بداية الفيلم بانها لن ترى ابنها ثانية مدى الحياة اذا قبلت بعرض الزواج…في واقع الأمر و بالرغم من موقف دلال منه بسبب حادثة ضربها في الماضي تستاء من رفضه لفكرة ارتباطها… ففي قرارة نفسها لا تعلم بانه مازال يحبها… فالرسائل التي تتلقاها منه في جزء كبير من الفيلم هي رسائل عدوانية و تهجم عليها بسبب مواقفها منه و كلامها الجاف معه بسبب سلوكه الطائش… دلال بشخصيتها الموزونة هي صوت ضميره الذي غيبه عنه الفقر و الاهمال بحياته… بل هي جلاده الذي يسعى لتقويمه و تصويبه ليعود الى بر الآمان… لذلك حتى بأكثر من مناسبة نراه يلحق بها ليضربها حينما توبخه على اسلوبه المستهتر تجاه حياته و عدم امكانيته توفير حياة كريمة لابنه… و هنا نرى عملقة من نوع ثاني من خان و كاتب السيناريو و الحوار… فتباين شخصيات فارس و دلال في هذا الفيلم هو جزء لا يتجزء من الكمياء التي كانت وراء نجاحه…نحن لسنا امام ثنائي متزوج يتمتع بتفاهم على الاطلاق… فإن كان احدهم في جانب السالب من معادلة الزواج هذه فالآخر بالجانب الموجب… واحد منهم يقدس الحياة الزوجية و يتفاني بالعمل و تربية الطفل الوحيد الذي يجمعه مع شريك حياته و الآخر يضرب بعرض الحائط مسؤليته بالزواج… انها معادلة مخيفة ان تدخل بها اي امراة على الاطلاق فكيف بدلال التي تربي طفل بمفرها و زوجها لا يستطيع تقديم ربع ما تعطيه كربة اسرة… و لا يملك المال ليسند بيت اتلفه الزمن و الفقر و لا يملك ذهن قد اصابه الشلل من هموم الحياه… و لا يكف على ما يفعله بسبب كبرياءه لانه مارد كورة الشراب و الدوريات الغير رسمية بالحارات و الملاعب المحلية… الا حينما اتته صفعة معنوية من دلال… فقرارها بالارتباط ايقظ به ناقوس خطر لم يشعر به لمدة طويلة… فدلال امراة اقوى منه بكثير و قد فهم هذا الامر اخيرا قبل ان يخسرها و يخسر بيته و ابنه الى الابد…فحتى و ان كان يضربها هذا لم يعني بانها ضعيفة قد هزمت او كسر ظهرها من معاملته لها… بل استطاعت توجيه صفعة معنوية له كانت اقوى من الف صفعة على وجهه… فوصل هذا الخوف الى ذروته بل حتى الى مستويات لم يحتملها حينما كان يزورها في بيتها … و قد وصلت للتو من عملها… فجلس معها على مائدة الطعام و ابتدا يخبرها بأن شعبان صديقه الذي التقى به بالصدفه بعد طوال غياب عرض عليه العمل مقابل مرتب مغري في تجارة السيارات… كان يحاول اشعارها بانه يحاول التغير ليرى ردة فعلها… فما كاخ بها الا و قللت من شأن عرض شعبان و اخبرته عن سمعته السيئة… واخبرته بان خطيبها سيزورها في منزلها… نرى هنا نفس ردة الفعل منه…تهجم ليحاول ضربها… و لكن مما لا شك به بانها نجحت بخلق انسان آخر في داخله… فيقرر بنهاية المطاف اخذ عرض شعبان… و بناءا على هذا القبول نرى شعبان يسلم فارس سيارة جديدة و يقوم بالاتفاق معه على امور السفر… و يشعر فارس هنا بأن هنالك امور مريبة بتجارة شعبان ولكنه مع الاسف يتجاهل هذا الواقع… فالصح يقول بان يبلغ عنه الشرطة… و لكن فارس ضحية فقر مهلك و ليس هذه الشخصية التي تسعى للعيش بصواب بحياته… هو ليس قديس و قد نتفاعل و نتعاطف مع ظرفه و فقره و قد يرق قلبنا على مايراه بحياته… و لكن معادلة الهلاك الحياتي الذي يشهده من ناحية و خوفه من فقدان زوجته التي يحب و ابنه دفعته للزج بنفسه في تجارة شعبان المريبة… لذا هنا يكمن ركن رائع من ما فعله خان بعدسته الواقعية فقدم لنا معاناة الطبقة الفقيرة من خلال شخص فارس باختياراته الصائبة و الخاطئة بالحياة… بقلة مثاليته و بحياته على طبيعتها فلم يجمل واقعه نهائيا… فنحن لسنا امام فيلم ينتهي مثل افلام الابيض و الاسود بكلمة النهاية بعد ان يقوم البطل بضرب الشرير بالرواية و انقاذ حبيبته الجميلة من براثنه القوية… و لسنا امام حدودته مصرية روائية من نسيج الخيال البحت… نحن امام فيلم روائي طويل التفاصيل فيه كثيرة و لكن في محلها و الحياة به صادمة لان احداثه لا تكذب علينا اطلاقا…

رزق : هو سمسار مباريات للدوريات الغير رسمية في الحارات الشعبية في القاهرة، و هو اعرج ذو ساق واحده و عكاز فقير الحال يعيش فقط على ريع مباريات كورة الشراب الذي يكسبه، ، رزق معروف باسم رزق الاسكندراني و هو صاحب شخصية لئيمة و خبيثة حيث يجند اللاعبين المحترفين في فريق حارته ليلعبوا ضد الحارات الثانية… و من اللاعبين الذي يقصدهم كثيرا فارس بكر صاحب السمعه الكبيره و الملقب بالحريف، و لكنه لا يعطيه الى الاجر الزهيد على اتعابه مقابل ما يجنيه من الجمهور مع سماسرة المباريات…ففارس بالنسبة اليه هو منجم ذهب الملاعب الذي يسعى دائما ليكون في صفه ليكسب المال الوفير بسببه و ليكسب الرهانات بين الجمهور عليه…المميز بهذه العلاقة بانها علاقة مصالح… ففارس يعلم جيدا ما يريده رزق الاسكندراني منه بالرغم من محاولاته من حين لآخر لاقناعه بانه صديقه… بل في مرات عديدة في الفيلم يواجه رزق بانه يكسب المال الوفير منه و لا يعطيه حقه بالكامل… فحتى وجبات الطعام لا يدفعها عنه و لا حتى في سبيل المجاملة و يتركه يغطيها من ارباح المباراة… و لا حتى يقدر العيش و الملح بينهما و بان القرش صديقه اولا و اخير ، و رزق بالمقابل يعلم جيدا انه ورقة مكشوفة لفارس فلن يشتري صداقته اطلاقا بسبب جشعه المادي…تميزت علاقتهما بالتوتر من حين لآخر الى ان آتى يوم اخطئ فارس بتقدير رزق و بشاعة الانسان الذي خلقه به الفقر…ففي يوم من الايام شعر بعوز مادي به فاضطر الى خيانة ثقة رزق و “الملاليم” الذي يدفعهم له… و اشترى ولاء خصمه بالمباراة حينما وعده بان يخسرعمدا لصالح فريقه… و كان مالك محل ازياء… فتفاجئ رزق بخسارة فريق فارس و شعر بالغيظ الشديد منه خصوصا عندما تبعه و رآه يقبض ثمن اتفاقه مع فريق الخصم، لم يكترث فارس بأن رزق علم بالأمر و اجابه حينما عاتبه بانهم اصحاب محلات ازياء ببعض فلما نتدخل بشأنهما بمحاولة لتشتيت رزق عن الامعان بالتفكير بكيف باع ولاءه للمال…اجابه رزق بان ساقه قطعت بعد حركة شقية كالتي اقترفها فارس كتهديد له… ثم ارسل اربعة رجال اعترضوا طريقه و قاموا بضربه على ساقه كتحذير له لكي لا يكرر هذا الخطئ معه…

رزق صاحبه القرش و هذا ما علمه اياه الفقر و التعب بتنظيم المباريات في الحارات الشعبية…فهو رجل غير مثقف تربى في الحارات و الازقة بين الطبقات المكافحة من الناس فلم يجني قرشه بالساهل… و من شدة طمعه و بالرغم من خطئ فارس الكبير معه نسي كل المباريات التي جنى من ورائها الارباح منه و غضب من خسارته الآنية من هذه المباراة و ارسل رجاله ليضربوه…عمل لا يقترفه سوى اصحاب القلوب السوداء الذي ادماها الفقر و حب المال…

بالرغم من هذه الواقعة التي تمت بينهم نرى الظروف تدفع فارس للطلب منه اللعب في مباراة جديدة… ولكن في اثنائها هذه المرة يتعرف على دماء شابة جديده وجد من الصعب هزيمتها… و هنا لي وقفة مع هذه النقطة الفارقة ايضا بحياة فارس…فحينما خسر المباراة واجه واقع ربما لم يكن يعتقد بانه سيواجهه بهذه السرعة… بان زمانه شارف على الانتهاء و بأنه حان الآوان للجيل الصاعد ان يأخذ وضعه بملاعب كورة الشراب… و علم بان رزق سيجد شاب جديد بدلا منه ليتعامل معه… بالرغم من انه تحلى بالروح الرياضية العالية بالمباراة الا ان الحزن خيم على قلبه من الداخل لانه احب هذه الرياضه كثيرا فحتى بالوقت الذي تركها زملاء له مثل شعبان ليتوجهوا لعالم الاعمال و القرش و المال رأينا كم ان حبها تملكه… فكانت صفعة ثانية اجبرته لكي يترك عالم الكرة و يتوجه نحو قبول الوظيفة التي عرضهة عليه زميله العزيز…

و قبل ان اكمل هذه الدردشة حول الشخصيات التي اثرت بفارس بكر بهذا الفيلم للمارد الكبير خان…بل لا نستطيع ان نكمل هذه الاسطر قبل ان نتوقف مع اسلوب تقني استخدمه خان لبلورة سخصية فارس اكثر بالفيلم… فكما اسلفت بان الحوار كان معتدلا بهذا الفيلم و بالذات المونولوغ غير موجود…ففي الكثير من الاحيان مثلا نكاد لا نعلم ما يدور في ذهن فارس على المستوى الشخصي الا من خلال تفاعله مع باقي شخصيات الفيلم…هنا ياتي دور الموسيقى الحزينة التي زينة المشاهد المختلفة في الفيلم لتكون بديلة هذا المونولوغ…انها موضوعة في الفيلم بحرفية عالية كضربة ريشة رسام ماهر في لوحة مبدعة لتجمل المشهد العام اكثر… لتعبر عن كمية الشجون الموجودة في صدر فارس عندما كانت ترافقه في الحي او حتى مع باقي شخصيات الفيلم… لاضرورة للكلام مع انغامها الهادئة و الناعمة لكن الحزينة في وسط حي ابتلاه الزمان بشتى انواع الذل و العوز المادي و النسيان… عالم من الألم يدفع ابطال هذه الرواية الى حافة الغير معقول للخروج من طاحونة هلاك تهددهم في كل يوم و ساعة و دقيقة من حياتهم… تكتمل لوحة الحريف بصورة راقية بهذه الجمل الموسيقية التي تفوح بمعاني الشجن… و كأنها تعاتب الزمن على ما ابتلى ابطال هذه الرواية و تحكي ما لا يبوح به فارس و ابناء الحي الذي يسكنه و تنقل لنا مشاعرهم و احاسيسهم و حزنهم على اوضاعهم