صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

متى تتسهّل الأعمال وتتحسّن التنافسية؟!

في النسخة الجديدة لتقرير سهولة بدء الأعمال الصادر سنوياً عن البنك الدولي، أظهرت الأرقام والمؤشرات أنَّ الاقتصاد الأردني تراجع بمرتبة واحدة ليحل في المرتبة 103 بين 190 دولة، وهو أمر يدلُّ على أنَّ الاقتصاد الأردني في حالة تراجع مستمر منذ العام 2008 حينما حلَّ الاقتصاد آنذاك في المرتبة 80، ثمَّ أخذ في الانحدار المستمر معلقاً ذلك على شماعة الأزمة المالية، ثمَّ أزمة المنطقة، ثمَّ التراجع الاقتصادي العالمي. بيد أنَّ التراجع المستمر أسبابه داخلية بحتة، ولا علاقة معنوية أبداً بما يحدث في المنطقة أو في العالم، بل إنَّ بعض ما يحدث في المنطقة كان سيشكِّل فرصة لنمو الاستثمارات الخارجية، في حال أحسنت الحكومات تجويد وترتيب بيتها الداخلي في مؤشرات التنافسية وفي مؤشرات سهولة بدء الأعمال. الشاهد في ذلك أنَّ مؤشرات سهولة بدء الأعمال هي مؤشرات تُعنى في الأساس بمعايير أداء تتعلّق بالبيئة الاستثمارية الداخلية للدولة، وبالإجراءات الداخلية لتسهيل حياة المستثمر، وتسيير حركة استثماراته، وهي في معظمها سياسات وإجراءات عمل وآليات تنفيذ. أي أنها مجموعة من المؤشرات ومعايير القياس التي لا تحتاج أساساً إلى تعديل قوانين بقدر ما تحتاج إلى جدية في تبسيط الإجراء، وحسن الوصول إلى المستثمر، وتخصيص وقته في الإشراف على استثماراته، وفتح أسواق جديدة لها، وحسن الوصول بها إلى الجهات المستهدفة. الحكومات يجب أن تركّز بشكل كامل على وسائل البنية التحتية من طرق ومواصلات وخدمات لوجستية من ناحية، وهو ما سبق الإشارة إليه في المقال السابق، ومن ناحية فإنها مطالبة بشكل كبير بالتركيز على البنية الفوقية، والتي تعني القوانين والإجراءات النافذة، ومستوى تبسيط تلك الإجراءات وحوسبتها، بل ومستوى التحوُّل إلى تطبيقات ذكية لتجعل المستثمر ينجز معاملاته حتى دون أن يغادر مكتبه. معايير سهولة البدء بالأعمال، كما يشير التقرير الدولي، هي في الأساس مؤشرات تقيس سهولة بدء النشاط التجاري، واستخراج تراخيص البناء، والحصول على الكهرباء، وتسجيل الملكية، والحصول على الائتمان، وحماية المستثمرين، ودفع الضرائب، والتجارة عبر الحدود، وإنفاذ العقود، وتسوية حالات الإعسار. وعليه يستطيع المرء أن يقول إنَّ أكثر من 90 في المئة من تلك المعايير هي إجراءات داخلية لا علاقة لها بما يحدث في العالم أو في المنطقة. فباستثناء مؤشر التجارة عبر الحدود، جميع مؤشرات ومعايير سهولة البدء بالأعمال تتعلّق بسياسات داخلية بحتة، أي تتعلّق بجدية الحكومات نحو التعامل مع المستثمرين وقضاياهم. فهل لنا أن نقول إنَّ هناك تقصيراً مستداماً ومضطرداً على مدى أعوام في معالجة ذلك؟ وإذا عرفنا أنَّ دولة الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، كانت في المرتبة 68 عام 2008، وتتبوَّأ اليوم، وفق التقرير الأخير، المرتبة 17 عالمياً، فهل نستطيع القول إنهم كانوا جادين في تحسين معايير سهولة الأعمال إلى الدرجة التي جعلت الاقتصاد الأكثر نمواً في جذب الاسثتمارات الخارجية، وإلى الدرجة التي جعلتهم يحوزون ما يزيد على ثلث الاسثتمارات الخارجية الكلية في المنطقة ككل؟ وعندها هل نستطيع القول بأن هناك تقصيراً حقيقياً في البنية التحتية والفوقية لمعايير تسهيل الاستثمارات في الأردن؟

أليس من الألم القول بأنَّ صنّاع القرار الاستثماري في الأردن باتوا وكأنهم غيرَ معنيّين بتحسين مستوى تنافسيته منذ الأزمة المالية العالمية 2008، بل بات من الواضح أنَّ الحكومات المتعاقبة، وخاصة بعد العام 2010، أصبحت تنتظر تقارير التنافسية وتقارير سهولة بدء الأعمال لمعرفة مستوى التراجع الكلي في أداء الاقتصاد، لتتحقَّق أن مستوى التراجع الذي سبّبته أقل بكثير من المستوى الذي انحدرت به الحكومة السابقة!!!

 في مقال الأسبوع الماضي تمت الإشارة إلى أهمية البنية التحتية في تحسين تنافسية الاقتصاد، وهنا أصبحت متلازمة التراجع الاستثماري في الاقتصاد واضحة، هي بنية تحتية ضعيفة، وبنية فوقية، من سياسات وإجراءات، مُنفِّرة، بحسب التقارير الدولية. في الأردن موارد بشرية ومادية وإمكانات ضخمة للفوز بأفضل الاستثمارات والانطلاق نحو مستقبل أفضل، رؤية القيادة في الأردن تدعم الإبداع وتدعم تحسين مستوى المعيشة، وتدعم الاستثمار، بل وتسعى إليه عبر كافة الزيارات الملكية، ولكن الحكومات السابقة، وخاصة بعد العام 2010، لم تحقّق شيئاً يُذكر في الوصول إلى الرؤية الملكية. بيد أنَّ الحكومة الحالية أمامها فرصة نادرة في البدء بوقف الانحدار، والعمل على عكس المعادلة، وهي قادرة على ذلك، ويمكنها فعله. فهل تتحرّك على الفور بتشكيل فريق وطني، مفوض بالكامل وذي صلاحيات حقيقية، هدفه تحسين تنافسية الأردن خلال السنوات الثلاث القادمة، وتحقيق قفزة نوعية؟ فمعظم ما هو مطلوب يتعلّق بسياسات وإجراءات داخلية، ولكن ذلك يحتاج إلى أن ينفر منّا نفرٌ يؤمنون باقتصادنا وإمكاناتنا وقدرتنا على صناعة الفرق، وعندها ستتحقّق الرؤية الملكية ونجد أنفسنا على المسار الصحيح. هذا هو الحل المنطقي ومن دونه سيستمرُّ الانحدار.