صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

دعم البضائع المستوردة وإغراق السوق الأردني بالبضائع: المفهوم والحلول

طالعت عدة تصريحات صحفية صادرة عن جهات تمثل القطاع الصناعي المحلي تعلن أن 61% من الصناعات الوطنية الأردنية تعاني من حالة إغراق إقليمية وعالمية سببها دخول بضائع ومنتجات مستوردة تلقت دعما حكوميا من بلادها. وتتضمن التصريحات الصحفية تلك مطالبات لإجراء تحقيق في الموضوع واتخاذ الإجراءات المحددة في اتفاقية انضمام الأردن الى منظمة التجارة العالمية للتعامل مع ما وصفوه بالإغراق. 

في الواقع، يجب التفريق بين مفهوم الإغراق ومفهوم الدعم. فالإغراق هو ادخال بضائع في سوق ما بسعر اقل من سعر السوق او بسعر اقل من سعر التكلفة مما يؤدي الى ضرب البضاعة المحلية او اضعافها بشكل قوي كنتيجة مباشرة لفعل الإغراق، وعلى عكس المفهوم السائد فلا يوجد أي نص قانوني في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية يمنع قيام دولة بإغراق أسواق دولة أخرى ببضائعها. فنحن كغيرنا من دول العالم نعيش في ظل النظام التجاري العالمي الحر السائد حاليا والمستنبط من الفكر الرأسمالي والذي يقوم على تشجيع المنافسة بين المنتجين وترك تحديد الأسعار والأرباح وفقا لعوامل العرض والطلب دون تدخل حكومي، فمن يقوى على تقديم منتج معين بسعر أقل هو من يصمد في السوق، ويخرج من السوق من لا يستطيع انتاج نفس المنتج بالأسعار المنافسة. وهذه فكرة منطقية من حيث المبدأ لأنها تجبر المنتجين على تجويد بضائعهم وتخفيض اسعارهم مما ينعكس إيجابا على القدرة الشرائية للمستهلك الذي سيحصل على بضاعة أفضل بسعر اقل. الا انه ومع ذلك، فاتفاقيات منظمة التجارة العالمية (الاتفاقيات) تعطي الحق للدولة التي تعرضت للإغراق ان تدافع عن نفسها اذا شعرت ان الإغراق يؤثر على اقتصادها سلبا من خلال التأثير على الصناعة او الإنتاج المحلي وهذا الدفاع هو دفاع مشروع ومشروط.

أما الدعم التجاري، فهو قيام دولة بتقديم تسهيلات لمنتجيها المحليين للارتقاء بوضعهم التنافسي في مواجهة منتجي الدول الأخرى، كقيام الدولة بتوفير دعم ما لمنتجات شركاتها المعدة للتصدير بشكل يخل بالمنافسة تجاه البضائع الأخرى. وهذا الامر، أي الدعم التجاري، هو الممنوع في اتفاقية منظمة التجارة العالمية وبالأخص في “اتفاقية الدعم وإجراءات مواجهة الدعم.” والحكمة من ذلك هو ترك السوق لقوى السوق دون تدخل يجعل التنافس تنافسا غير عادل، و ذلك كله إعمالا لمبدأ المنافسة المذكور في الفقرة السابقة. وعليه، فاذا ثبت الدعم، فان للدولة المتضررة من التنافس غير العادل ان تواجه هذا الدعم بتفريغه من مفعوله كأن تقوم بفرض رسوم جمركية إضافية عليه لأن الدولة التي مارست الدعم تقوم بمخالفة اتفاقية منظمة التجارة العالمية وبالأخص “اتفاقية الدعم” . وهذا على عكس الإغراق الذي لا يعد تصرفا ممنوعا بماهيته الذاتية انما نتيجته تعطي الحق للدولة المتضررة بالقيام ما هو ضروري (و ضروري فقط) لوقف الإغراق دون الاخلال بحرية التجارة بين الدول.

و في الحالة الأردنية، فلا بد من التفريق بين حالات ثلاث: فالحالة الأولى تحديد فيما اذا كانت السوق الاردنية تتعرض للإغراق، والحالة الثانية فيما اذا كانت المستوردات الأردنية تحصل على دعم غير عادل في دولها، والحالة الثالثة هو فيما اذا كانت السوق الأردنية تتعرض لإغراق مدعوم. فبالنسبة للحالة الأولى، فلتحديد فيما إذا كانت اسواق الأردن تتعرض للإغراق فلا بد ان يتم اشعار السلطات المختصة وهنا نتكلم عن وزارة الصناعة و التجارة التي عليها ان تقوم بما يلي: أولا تحديد نوع البضاعة التي تتعرض للإغراق تحديدا دقيقا أي ان التحقيق في الإغراق يجب ان ينصب على منتج معين وليس على قطاع تجاري عموما. فعلى سبيل المثال، لا يجوز الادعاء ان قطاع الأغذية يتعرض للإغراق بل لا بد من تحديد المنتج الذي يتعرض للإغراق باستخدام الكود الموحد الخاص بالمنتج تحديدا نافيا للجهالة كأن نقول ان عصير البرتقال الخالي من اللب هو الذي يتم اغراقه. ولا يستقيم ان ندعي ان العصائر هي التي تتعرض للإغراق بل لا بد من تحديد نوع العصير ومواصفاته تحديدا دقيقا. ثانيا: لا بد من تحديد السعر الطبيعي لهذا المنتج وهل المنتج المورد الى السوق المحلي يباع باقل من سعره الحقيقي ام لا. ولتحديد السعر الطبيعي فإما يتم النظر كم يباع هذا المنتج في الأسواق الأخرى او في تكلفة المنتج الاجمالية ومن ثم تجري مقارنتها بالسعر الذي يباع به المنتج في الاسواق المحلية الأردنية، فاذا كان السعر اقل من الكلفة او اقل من السعر في الأسواق الأخرى فيكون الفرق هو ما يسمى هامش الإغراق أي مقدار الإغراق الذي تتعرض له الأردن. ثالثا: لا بد من ان يتم الإغراق في أسواق الاستهلاك المحلي في ظروف تجارية طبيعية أي ان يتم تصدير البضائع المغرقة بشكل بيع وشراء دوري وليس عرضي، فلا يكون، مثلا، تنفيذا لرهن بين الدائن المرتهن (الذي يكون المستورد) والمدين الراهن (الذي يكون المصدر). رابعا: لا بد من ان تكون البضائع المغرقة معدة للاستهلاك المحلي وليست للتصدير ، او تكون مدخلا من مدخلات الإنتاج. وخامسا، لا بد ان يؤدي بيع المنتج المغرق الى اضرار بالإنتاج المحلي من ذات البضاعة التي يتم اغراقها او الى اضرار بالقطاع الذي ينتجها كنتيجة مباشرة للإغراق ويجوز اعتبار الضرر المستقبلي المؤكد على القطاع ضررا واقعا لغايات مكافحة الإغراق. وفي جميع الأحوال لا يجوز ان تتجاوز عملية التحقيق الحكومية في الإغراق اكثر من 18 شهر كما نصت على ذلك المادة (5 ) من “اتفاقية مكافحة الإغراق.” فاذا توافرت هذه العوامل مجتمعة فيجوز للحكومة ان تفرض ضريبة على المستوردات المغرقة بما لا يتجاوز هامش الإغراق ويبدأ فرضها من تاريخ تقريرها و ليس بأثر رجعي. 

أما بالنسبة للحالة الثانية وهي تعرض الأردن للضرر بسبب دعم مستوردات محددة داخلة الى السوق المحلي من الخارج كانت قد تلقت دعما حكوميا غير مشروع يخل بقوانين المنافسة التي تقضي ان تكون الكلمة الفصل في الاستهلاك للجودة والسعر. فالسعر يحدد بناء على التكلفة والتي ستقل بسبب دعم المنتج (المستورد) وبالتالي سيتمكن المستورد من بيعها بكلفة اقل مما يؤدي الى الاضرار بالمنتج المحلي. و الدعم للمستوردات قد يكون مباشرا كالدعم النقدي او الاعفاء من الضرائب و الرسوم او غير مباشر كتقديم الدعم الفني والمالي لمستوردات عن طريق جهات غير حكومية. وفي هذه الحالة، فعلى الحكومة اجراء تحقيق عادل لمعرفة فيما إذا كانت المستوردات المستهدفة استهدافها دقيقا قد حصلت على دعم ام لا. فاذا كانت الإجابة بنعم فلا بد من تحديد نسبة الدعم (هامش الدعم) وهو السعر العادل للمنتج مطروحا منه السعر الذي يباع فيه في الاسواق المحلية فللحكومة الاردنية، والتي يدخل الى أسواقها مستوردات مدعومة، ان تتفاوض مع الدولة الموردة للوصول الى حل ودي لإزالة الدعم او في أسوأ الأحوال فرض ضرائب ورسوم على المستوردات بما لا يزيد عن هامش الدعم المذكور انفا لتحقيق واقع المنافسة العادلة بحيث ترتفع أسعار المستوردات الى السعر المعقول في السوق. وهذا كله مشروط بحدوث ضرر فعلي على المنتجات المحلية المنافسة للمستوردات.

اما بالنسبة للحالة الثالثة، فاذا كانت الأردن تتعرض لإغراق مدعوم فإننا نكون بصدد مكافحة الدعم الواقع على البضائع التي يتم اغراق الاسواق المحلية بها وليس مكافحة الإغراق بحد ذاته. فالدعم هنا هو قيام دولة ما بتقديم المساعدة لمنتجيها الذين يصدرون بضائعهم الى دول أخرى، ويقع هذا الدعم بشكل مباشر كتقديم دعم نقدي مباشر او قروض ميسرة، او غير مباشر كقيام مؤسسة رسمية من غير الحكومة بتقديم دعم ما لقطاع معين (ما عدا القطاع الزراعي) او تقديم مدخلات انتاج مجانا او بأسعار رمزية او الإعفاء من الضرائب.

وبالنتيجة، فالأصل ان ترقى الصناعات الأردنية بجودتها وتنخفض بأسعارها لتكون منافسة بماهيتها الذاتية. وهذا لا يحدث دون تنسيق القطاع العام مع القطاع الخاص لتوفير البيئة الخصبة للصناعات الأردنية حتى تزدهر بتوفير بيئة مشجعة للاستثمار ولكل الصناعات، بما في ذلك تقديم الإعفاءات الضريبية والمالية واللوجستية. كما انه من المهم توفير بيئة قانونية شفافة وممكن توقعها بوضع تشريعات عصرية و سهلة لا تتغير باستمرار. وكل هذا لا يتعارض واتفاقيات الأردن في منظمة التجارة العالمية كونها مصنفة دولة نامية تعامل بمرونة ودون إجراءات عقابية عند قيامها بدعم منتجاتها. وعندها يكون المنتج الأردني اقل سعرا و اكثر جودة واعلى تنافسية مما يصعب معه قيام الدول الأخرى باغراق الاسواق المحلية الأردنية او دعم مستورداتها على حساب منتجات الأردن. وبالمختصر فان المطلوب تغيير فلسلفة الاقتصاد الأردني من اعتبار خزائن الدولة جيوب رعاياها الى اعتبار خزائن الدولة قدرة رعاياها.