صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

دردشة درامية عن فيلم الحريف… الجزء الثاني…

نقاش بناء و موضوعي حول الشخصيات التي اثرت على حياة فارس بكر... بطل هذا العمل العملاق و المثير

عالجت بالجزء الاول من هذه المقالة المستفيضة حول فيلم الحريف عدة قضايا تحيط به من الاحداث التي احاطت باختيار بطل الفيلم الى بعض من عناصره التقنية التي استخدمها المخرج اثناء تصوير مشاهده المثيرة الى رأي المهني كناقد سينمائي و كاتب حول ابعاد استبعاد الفنان الراحل احمد زكي من بطولة الفيلم و اعطائها الى الفنان الكبيىر عادل امام… و ابتدات نقاش بناء و موضوعي حول الشخصيات التي اثرت على حياة فارس بكر… بطل هذا العمل العملاق و المثير فبعد ان ناقشت علاقة فارس بكر بطليقته دلال و الظروف التي مر بها زواجهما عالجت شخصية رزق سمسمار المباريات و كيف كان يتعامل مع
فارس بكر و المصلحة المهنية التي كانت تتحكم بعلاقتهما الغير مستقرة خلال احداث الفيلم… و لكن قبل ان انتقل الى شخصية عبدالله التي قدمها الراحل الكبير (نجاح الموجي)… و التي كان فيها ممثل مساعد لا بد لنا من التوقف عند حيثية هامة هنا…

الحريف و سعيد الحافي…
اثناء قيامي ببحث اكاديمي استعدادا لكتابت اجزاء مقالتي عن فيلم الحريف استوقفني تناقض شعرت بأنه لا يمكن العبور عنه من دون ان نتوقف عنده قليلا… ففي صحيفة الاهرام – الشباب الالكترونية بتاريخ 25 مارس/اذار من عام 2016 كتب الزميل الفاضل وليد فاروق محمد مقال باسم : انفراد..البطل الحقيقي لفيلم الحريف: فضلت الشارع وتركت الأهلي لأنه عرض عليّ 17جنيها شهريا فقط… و كان قد اجرى مقابلات مع الراحل الكبير محمد خان و مع سعيد الحافي حول فيلم الحريف حيث تخللت المقالة الحوار و التحليلات الفنية الرائعة و الشيقة حول الفيلم، حيث اعرب الراحل خان عن ان قصة الفيلم مستلهمة من اسطورة كورة الشراب سعيد الحافي. و سعيد هو اقوى لاعبي كرة القدم في الحارات الشعبية في القاهرة في الستينيات و السبعينيات من قرن العشرين، و اهالي الاسماعيلية يشهدون لحرفيته العالية بهذه الرياضة. و تميز بلعبه المباريات في الدوريات الشعبية حيث كان يكسب بالمباراة الواحدة عشرة جنيهات بينما كان راتب لاعب واحد في الاهلي سبعة عشرة جنيها بالشهر و الراتب الشهري لموظف الحكومة هو عشرين جنيها بالشهر فقط. و يشتهر بانه كان يلعب المبارايات و هو حافي القدمين بالرغم من انه لايؤكد هذا الامر في حواره بالمقاله…و بعد مطالعتي للمقالة شاهدت فيديو كليب على اليوتيوب على حساب محطة النبأ تيوب و هو عبارة عن مقابلة مع سعيد الحافي منشورة بتاريخ 16 اذار/مارس 2016 يروي فيها تجربته مع نجوم الكرة المصرية و مع كورة الشراب. و بعد سؤاله عن فيلم الحريف انكر بان يكون الفيلم عنه… لا اعلم لان مقالة الاستاذ وليد فاروق محمد يتخللها سؤال لسعيد الحافي عن علاقته ببشير الديك كاتب سيناريو فيلم الحريف حيث افاد بانه اجتمع معه عدة مرات و اعطاه اسرار تنظيمات الدوريات في الحارات الشعبية…. و لكن في مقابلته للقناة نراه ينكر بان الفيلم تطرق لحياته…سعيد الحافي شخصية رياضية كبيرة جدا في القاهرة و له انجازات مؤرخة في الاعلام المصري و لن تنسى في اذهان جيل من اجيال القاهرة مازال يعيش بيننا…و لكن اظن انه لم يحضر لدى سعيد الحافي بان تجربته بكورة الشراب ثرية جدا و تميزت جدا بين الناس لانها بقية محصورة في الحارات الشعبية فلذلك قد تلهم الكتاب و صانعوا الافلام لاستلهام شتى الشخصيات و الروايات عن تجربته في عالم الرياضة…

و لعل هذا الامر زاد فيلم الحريف واقعية و تميز بين مثيلاته من الافلام التي تروي سير رياضين… بانه لم يروي سيرة رياضي دخل نادي فريق كرة قدم منظم و تدرب على يد مدربين محترفين ثم تعرف عليه الناس بواسطة التلفاز حيث شاهدوه يلعب مع و ضد الفرق المنظمة… فارس كان رياضي مكافح تعلم هذه المهنة على يد مدربين ربما بارعين و لكن غير معروفين مثل المشاهير و ابدع بكورة الشراب لانه لاعب موهوب… و رغم عدم احترافه بنادي الا انه كان مشهور بالحارات الشعبية و الاندية الشعبية… مفارقة حياتية تجعلنا نفكر كم ان الفقر يقتل ابداعات بحياتنا و الطموحات الجميلة في داخلنا… و لكن لا بد لنا ان لا نستسلم لا للفقر و لا لليأس… مثل ما فعل عبدالله جار فارس فكانت نهايته مأسوية و تراجيدية…
عبدالله جار فارس… و هو رجل فقير الحال يعيش مع زوجته و اولاده في غرفة متواضعة الحال في سطح البناية التي يسكنها فارس. و نراه منذ بدايات مشاهد الفيلم يعيد لفارس دين قديم عليه و هو ينزل درج العمارة ليذهب الى مصنع الاحذية حيث يعمل. و تقنيا قصة عبدالله عبارة عن حبكة ثانوية في هذا الفيلم و تسمى بالانجليزية subplot حيث يتم تسليط الضوء عليها من حين لآخر لننكشف على واقع مرير و مهلك يعاني منه عبدالله و اسرته. فبالرغم من قلة المشاهد التي تغطي حكايته الا اننا نكاد لا نرى عبدالله الا و هو يتشاجر مع زوجته بخصوص مصروف اسرتهم… بل نراه يضربها ضربا مبرحا حينما يفقد صوابه من طلباتهم المتكررة التي يعجز عن تلبيتها. و نرى فارس في مشهد من المشاهد حاضر في غرفته و عبدالله يضرب زوجته و لكننا لا نراه يحاول التدخل بامرهم او حتى يكترث للحادثة… مما يدل على تكرار العنف بين عبدالله و زوجته فردة فعل فارس تدل على تعوده سماع هذه المشاكل عند جيرانه…لا نفهم سوى القليل عن بيت عبدالله الى ان تتقاطع دروبهم مع بعض و يحقق مع سكان البناية ضابط شديد اللهجة من الامن في قضية مقتل جارة لهم…و يقدم دور الضابط القدير (صبري عبدالمنعم) …و نرى هنا فارس و عبدالله في قبضة امن لا يعطي للفقراء اية اعتبارات او كرامات فمنذ اللحظة الاولى يفهم فارس مسار التحقيقات فيحاول التهرب من العسكري الذي ياتي الى مسكنه ليحضره الى مكتب الضابط للتحقيق…فاسلوب الضابط في التحقيق اكد لفارس بان من الممكن ان يلفق له تهمة القتل بسبب احواله المادية التعيسة… فلذلك نراه يتهرب من التحقيق في بعض الاوقات ليهرب من الضغط الذي يضعه الضابط عليه… و نرى هذا السيناريو يتكرر امام صديقه الزائر من البلد حيث يتهرب من العسكري الذي ياتي لاحضاره من الامن كي لا ينقل صديقه اخبار سلبية عنه للبلد… بالرغم من شدة الضابط مع فارس نراه يقاوم الضغوط التي يمارسها عليه خصوصا حينما يواجهه ببعض الحقائق التي خبئها عن سير التحقيقات… فيواجهه الضابط بماضيه العنيف مع زوجته و بحادثة ضربها حيث كادت هذه الحادثة ان تحث الضابط على الشك به بنسبة تسعين بالمئة بانه هو قاتل جارته… فميوله العنيفة و اخفائه هذا الامر عن الضابط كاد ان يتسبب له بكارثة محققة… و عند هذه النقطة الفيصلية من التحقيق و عبدالله و فارس بين براثن نيابة امن القاهرة بجريمة قتل تهدد بلف حبل المشنقة حول رقبتهم نرى فارس و عبدالله معا في سجن واحد… و في مشهد آخر نرى النيابة تفرج عنهم بخطوة يفهمها فارس. ففي نفس الليلة و هم يأكلون الطعام بمطعم يشعر فارس بانهم ملاحقون من قبل شرطة مدنية… فيفهم بان النيابة افرجت عنهم كي تلاحقهم بصورة خفية لكي يخطئا بامر ما ربما لينكشف من هو القاتل بينهم… و بعد هذا الواقع نرى الستار يسدل عن هذا الجريمة في بناية فارس و عبدالله… فيتفاجئ فارس و هو على وشك الصعود للبناية بعد بضعة ايام بالشرطة تحيط بها… فيبلغه الضابط بان عبدالله هو الذي قتل جارته…

ملعون ابو الفقر… بهذه العبارات القوية… و تعابير الصدمة تزلزل كيان فارس ينهى فارس ازمة عبدالله و تنتهي حياة جاره بالفاجعة الكبيرة… فانتدبت الشرطة فارس ليقنع عبدالله ليسلم نفسه…فكان يحتجز امرأته و اولاده في الغرفة لكي تتركه الشرطة…و سرعان ما اسرع فارس اليه و اقنعه بان الشرطة غادرت المكان… فيخرج بحذر و لكن ليدخل فارس بداله الى الغرفة لينقذ زوجته و اطفاله من تهوره… و على الفور شعر عبدالله بالخدعة التي نفذها فارس به فقفز من على سطح البناية و انتحر… و نرى فارس و هو بالغرفة مع عائلة عبدالله يقول… ملعون ابو الفقر…

مليون مرة يا فارس يا بكر ملعون ابو الفقر الذي دفع عبدالله جارك لارتكاب هذه الجريمة و سرقة جارته و الهروب من وجه العدالة…طبقة لقمتهم مسمومة بالغلب و العوز و القلق من غد لا يعلمون ما سيفعل بهم… اذا مرضوا فمن سيسأل بهم الا المستشفيات الحكومية و غالبا ما تعاني من نواقص و ضغط شديد… و اذا احتاج احدهم لعملية قد يموت قبل ان يجد له يد العون ليقوم بها…و الكل يعلم قصة المهية لهذه الطبقات ان وجدت فهي تنفذ من جيوبهم في اول عشرة ايام من الشهر…من يهتم بشأن هذه الطبقات المعوزة و الفقيرة من المجتمع في مصر؟ ربما تسمى هذه الحبكة بالحبكة الثانوية و لكنها تلقي الضوء على كارثة كبيرة و قد تحدث لاي عائلة من نفس طبقة عبدالله… و مما لا شك به بانها تزين ادبيا صراع فارس مع ظروفه بصورة جميلة جدا اذ تتلون قصص كل منهم لتشكل تنوع في الصراعات نوعي و جميل جدا… فالفقر و إن تتنوع قصصه عند الناس إلا ان نهايته مأسوية عند البعض الذي تستفزه الظروف نحو الجريمة لايجاد الحلول..

وضع فارس بكر ليس احسن من عبدالله فتتجه خاتمة الفيلم و هو ينوي التعامل مع صديقه في تجارة العربيات المريبة… ففارس خنقه توبيخ زوجته و ظروفه القهرية و ظروف ابيه فالمصروف كبير و المداخيل بسيطة لا تغطيه…فتتضمن المشاهد الختامية رسالة عن هذه الشخصية مؤثرة جدا و فيصلية للاحداث… بل حتى تتزين مشاهد الفيلم من اولها لآخرها بالرسائل النقضية لشخصيات كثيرة عبر عنها مرور الكرام و لكن ليس لأسباب عبثية. .. ففارس بكر بالرغم من تهوره بعض الشيئ الا انه مع شخصيات كثيرة بالفيلم عبارة عن رسالة لضمير الراي العام… و بقيا هذا عبر العصور لان قصته لم تحل بعد…يتبع