صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

الاقتصاد والتغيُّر المناخي

المنطقة العربية بشكل عام، والأردن بشكل خاص، يواجهان اليوم تحوّلات مناخية جوهرية بتنا نراها ونسمع بها، ونشهد نتائجها على أرض الواقع

بات من الواضح أنَّ التغيُّرات المناخية حول العالم تُحدِّد اليوم طبيعة الحياة التي يمكن للبشر أن يواجهوها، بل وتحدِّد أيضاً مستوى وإمكانات الاستفادة من الموارد الاقتصادية؛ الطبيعية منها والبشرية.

فتغيُّرات المناخ باتت محدداً رئيساً في مستوى التنمية التي يمكن أن تصل إليه الدولة في سعيها للتقدم والاستدامة، ومستوى النمو الاقتصادي الذي من خلاله يمكن للدولة أن تُخطّط لمستوى معيشة ورفاه المواطنين.

وعليه فلم يكُنْ مستغرباً هذا العام أن تُمْنَحَ جائزة نوبل في الاقتصاد إلى العالِميْن الأمريكييْن؛ ويليم نوردهاوس، ويول رومر، وذلك اعترافاً بجهودهما في مجال أثر التغير المناخي في الاقتصاد ورفاهية المجتمعات، عبر “تصميم أساليب لمعالجة القضايا الأكثر إلحاحاً: النمو المستدام الطويل الأمد في الاقتصاد العالمي ورفاهية العالم”.

وقد ركّز كلا العالمين على المعطيات التي يولدها تفاعل النشاط الاقتصادي واستغلال الموارد الطبيعية في التنصنيع والإنتاج على التغيُّرات المناخية، وما يعنيه ذلك من آثار بيئية مباشرة وغير مباشرة، وما يتركه ذلك من تبعات على الانبعاث الحراري وعلى طبقة الأوزون.

وقد أظهرت اليوم دراسات متعددة أنَّ التغيُّرات المناخية باتت تهدد حتى مستويات الأمن الغذائي في العالم؛ فلم تعد قضية الحد من الانحباس الحراري الناتج عن الانبعاثات الغازية نتيجة انتشار استخدام السيارات والآلات التي تعمل بالوقود، هي المؤرق الوحيد في عالم صحة وسلامة البشرية، بل إن الاستدامة الزراعية باتت، من جهة، مهددة صحياً وبيئياً، حول العالم، نتيجة التلوث البيئي الذي يتولّد عن الانبعاثات الغازية. وأصبحت، من جهة أخرى، مهددة كمّاً نتيجة حالات التصحُّر، والفياضانات، والحرائق، بل انخفاض الاهتمام بقطاع الزراعة كقطاع مولد لفرص العمل والإنتاج في الدولة، وخاصة الدول الأشد فقراً، والأقل نموّاً وتنمية.

يواجه العالم اليوم، وحسب أحدث البيانات، ما يقرب من 821 مليون إنسان يعانون الجوع، في الوقت الذي تُهدر به دول الفائض الغنية طعاماً يمكنه أن يغذي ما يزيد على 750 مليون شخص. وتشير ذات التقارير إلى الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الاستهلاك من المنتجات الحيوانية بنسبة 5% حتى نتمكّن من الاحتفاظ على استدامة مائية مناسبة من المياه العذبة حول العالم.

الشاهد ممّا سبق، أنَّ المنطقة العربية بشكل عام، والأردن بشكل خاص، يواجهان اليوم تحوّلات مناخية جوهرية بتنا نراها ونسمع بها، ونشهد نتائجها على أرض الواقع. كما أنَّ المنطقة العربية هي من أهم منتجي المواد الخام المرتبطة بالانبعاثات الحرارية الضارة، ولكنها في الوقت نفسه هي مورد ومصدر أهم المنتجات والأسمدة المحافظة على الثورة الزراعية والحيوانية في المنطقة والعالم.

الأردن محظي بالفوسفات والبوتاس وأملاح البحر الميت، وهي ميزة بدأت تشهد انتباه العديد من الدول العربية المنتجة للنفط، ولعل افتتاح أحد أهم مصانع الفوسفات في المنطقة في المملكة العربية السعودية، في المناطق الحدودية القريبة من الأردن، يشكّل نوعاً جديداً من الاهتمام بالتوجُّهات العالمية نحو مواجهة أثر التغيرات المناخية في الاقتصادات. لم تكن قضايا الاستثمار في الفوسفات مطروحة في السعودية بشكل كبير سابقاً، ولم تكن من الأولويات، ولكنها كذلك اليوم، وباستخدام أفضل التقنيات التي ستوفّر الكُلَف وتُحسِّنُ النوعية.

والأردن مطالب اليوم أن يحافظ على مكانته الإنتاجية والتصديرية في الفوسفات والبوتاس والصناعات المرتبطة بها، عبر سياسات توسع أفقياً المنتجات، أي تؤدي إلى دخول استثمارات جديدة في المجالات المرتبطة بالفوسفات والبوتاس، وأن يرتبط ذلك بشراكات استراتيجية ومالية عالمية، من الصين وروسيا والهند وكوريا الجنوبية وغيرها، شريطة توفير مناخ استثماري مناسب، وهو ما يحتاج إلى جدية في التعامل مع الملف الاستثماري وفي التحديات التي يواجهها المستثمر المحلي والأجنبي، كما أن على الأردن أن يُشجع الاستثمار الرأسي في كافة أوجه الصناعة، عبر تحسين المنتجات القائمة، وتوفير الدعم المناسب لها، وخاصة في مجال الطاقة، والانفتاح بشكل أفضل على القائمين على قطاع الصناعة.

وأخيراً، وليس آخراً، فإنَّ قطاع الزراعة يحتاج إلى استراتيجية وطنية تستشرف المستقبل، وتخرج خارج نطاق الصندوق الضيّق الذي تمَّ وضع القطاع فيه منذ زمن طويل، استراتيجية تشاركية تقوم على أساس البحث والتطوير والتعلم من التجارب العالمية من المنطقة والخارج، وتُقرّر بجدية أننا قادرون على أن نكون مثل أفضل التطبيقات، بل وقادرون على تجاوزها. استراتيجية يكون أحد أهم أبعادها دراسة أثر التغيُّرات المناخية على غذائنا، وعلى صادراتنا الغذائية، وعلى أسواقنا التقليدية، وعلى استدامة قطاعنا الزراعي ككل. علينا أن نخرج خارج الصندوق، وأن نفكّر بطريقة تستشرف المستقبل، وتضع المُسَرِّعات التي يمكن أن نتجاوز بها حتى ما يمكن أن نتوقّعه.

[email protected]