صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

خواطر و تحليل درامي عن فيلم في شقة مصر الجديدة الجزء الاول

مفتاح الصول الحقيقي ينبض في الصدر، و النوتات الموسيقية تجري مع دمائنا في شرايين اجسادنا…فليست هنالك موسيقى حقيقية من دون حب و مشاعر و احاسيس فهي وقود ما يتدفق الى اذهاننا من ابداعات فنية و طربية و موسيقية… فالملهم وراء ربما بيوت للشعر كتبها احدهم هي لحظات حب دق لها قلبه… و الدافع من وراء لحن حزين الفه احدهم هو ربما لحظات فراق دمعة لها عينيه… فتدفقت الجمل الموسيقية من قلبه الذي انفطر من الحزن لهذه اللحظات و ابتدات المقطوعة الموسيقية تتشكل في ذهنه ثم كتبها على الورق… الانسان كتلة من المشاعر و الاحاسيس يفرح و  يغضب للمواقف التي يتعرض لها و يحب و يعشق الحبيب فما من احد يستطيع العمل بالمجال الفني و الموسيقي من دون ان تكون عواطفه و مشاعره هي البوصلة لجزء يسير من الابداع الذي يقدمه للمجتمع… و حتى المغني او المطرب او الفنان الذي يؤدي دورا في مسرحية او فيلم لا يستطيع فعل هذا بابداع من دون عواطفه و احسيسه و مشاعره… و لا يسعنا و نحن نناقش هذا الموضوع الا و نذكر اكبر المواهب الموسيقية في تاريخ البشر على الاطلاق… لودفك فان بيتهوفن، فقام بيت هوفن بتأليف اكبر قطع موسيقية عرفها تاريخ الموسيقي و هو اصم لا يسمع شيئا… فلم يكن يسمع المقطوعات او صوت الببانو من حوله اذ ابتدا و هو مازال في عنفوان الشباب  يشكو من فقدان كبير في قدرته على السمع…و يوضح تاريخه المميز الذي بين ايدينا بانه بحلول عام 1801 فقد سمعه كليا حيث كان يبلغ من العمر بحدود الثلاثون عام … و شرح في بداية مرضه بمخطوط وجهه الى طبيب ليستشيره بحالته بانه فقد قدرته على سماع الفرقة الموسيقية و اصوات آلاتها عن بعد، فكان يجبره هذا الضعف على الاقتراب من الفرقة الموسيقية كثيرا لكي يسمع الآلات…و قد اخفى هذا الامر عن دائرة معارفه و اصدقائه خوفا من ان يفقد عمله و مهنته التي كان يحب كثيرا… و لكن مع مرور السنين حرم المرض هذا العملاق الموسيقي من السمع كليا… و لكن لم تحرمنا ابداعاته من القطع الموسيقية… فاستمر بتأليف السيمفونيات و القطع الموسيقية بكل اقتدار كالشلال المعطاء و هو اصم اذ كان يسمع النوتات و القطع التي كان يؤلفها في ذهنه؟؟؟؟ ؟؟ فكان يتخيل اصوات الالات و هي تعزف معا و تعزف الحانه في ذهنه…و سبحان الله حرم المرض هذا المارد الكبير من ان يسمع سمفونياته كالسيمفونية التاسعه التي ألفها في عهد مرضه على ارض الواقع ليسمعها جمهوره في عهده و لتسمعها الاجيال المتعاقبة من بعده …و لكن لتبقى هذه النوتات حبيسة مخيلته فقط حينما كان على قيد الحياة.

هنالك ما يجعلنا كبشر مميزين عن سائر خلق الله، و هو عواطفنا و احاسيسنا و مشاعرنا التي تجعل للحياة رونقا خاصا و تجعل لمشوارنا بعالمنا هذا لذة خاصة اذ كنزنا صفاتنا الآدمية و اكتسبناها من خالقنا تعالى… فهي عطايا تساعدنا بالشعور بالجمال اينما امكن التفاعل معه ايضا… فكيف لي ان اشعر بالجمال من حولي ان لم احب من خلال عواطفي و احاسيسي اولا… لافسر على مستوى شخصي و افهم ما هو الجمال… و على سبيل المثال لا الحصر. لا يمكن لنا ان نفهم ما هو الجمال ان لم نختبر الحب بحياتنا… ان لم يتحرك شعورنا بالحب و التقدير لجمال امراة تحرك لها الفؤاد من الداخل…او عند النساء ان لم يقعنا بحب من يجدنه وسيما باعينهن… و هذه المفاهيم تتخطى الاعجاب الجسدي لتشمل الطبيعة و حبنا لها فهي مفاهيم كونية و لحظات تمتزج المشاعر و الاحاسيس بمكونات الجمال بصفة عميقة جدا…و اذا تتبعنا مصدرها فهي الله لان الله يخلق بابداع كبير جدا و بجمال كبير جدا لذلك دائما كان ينظر لخليقته بالرضى و بتقدير لذا اعطانا هذه المشاعر و الاحاسيس العاقلة كي نقدر معه ما يخلق من حسن و طبيعة خلابة جميلة… نتذوق هذا الجمال مع الله لانه احبنا فاعطانا ان نختبر اروع اللحظات بخليقته و جمال صنيع يديه… فنشعر بعمق شديد بجمال الطبيعة من حولنا فنصل الى نشوات كبيرة من تقدير الجمال… وتتدفق هنا الابداعات من داخلنا حينما تمتزج ما تولد مع هذه المشاعر التي تصبو لتقدير كل جميل بعالمنا الانساني… فلا يمكن على وجه هذه الكرة الارضية ان تتعملق موهبة انسانية من داخلنا من دون ان تمتزج مع مشاعرنا البشرية التي تشحنها بالايجابية… التي تقدر الجمال… بل قد تولد كل ابداع جميل بداخلنا لانها تتغذا على جمال خلقه الله من حولنا…

حيثيات عن المشاهد الافتتاحية في الفيلم :

انها قصة محزنة بالفعل… ان يكون لدينا راهبات بهذا الجرم من روح القتل… فهن واقع بديانتنا المسيحية حيث اخترن تلك النسوة النسك و الترهب و العفة و الخدمة الانسانية و الصلاة طوال حياتهن في الاديرة و في ادارة المدارس و الحوزات العلمية في شتى بقاع الوطن العربي و العالم اجمع… و هن نساء صالحات في المسلك و خدمة المجتمع و في تربية الاجيال… و حيث ان جزء من طاعتهن الى الله هي الإماتة عن الحياة العلمانية و ملذات الحياة لذلك لا يتزوجن حيث ينذرن الاخلاص الى ثوب الرهبنة و البتولية في حياتهن… و لكن هنا تكمن الكارثة… بانهن يسعين في الكثير من الاحيان لنقل هذه الاماتة عن فرح الحياة الى طلاب المدرسة… فكما تمت تربيتهن بالاديرة وقت تهيئتهن لثوب الرهبنة كذلك يسعين لتطبيق و لو جزء من حياتهن في الرهبنة على الطلاب… فكلام الحب حرام و البحث به في الحصص خارج اي اطار تقليدي جدا غير مقبول، و هو كلام كبير حتى على طالب في سن المراهقة المبكرة…و لي هذه الكلمة لهن…فقد تعاملت مع راهبات بهذه الروح حيث يحاربن الفنون بصورة عشوائية و من دون بصيرة اطلاقا و ينظرن بحذر الى تطبيقها بالمدارس… بانه اذا اخترتم الاماتة و الترهبن في سبيل الرب فلا تعمموها على باقى طلاب المدرسة… فهم مازالوا براعم على استعداد للانطلاق نحو الحياة… فالله ليس موجود عندكم في الرهبانية فقط…فانتم تموتون عن العالم و لذاته و لكن الرب يسوع مات عن البشرية كاملة بالجسد ليحيا العالم من جديد… تقول الآية بإنجيل يوحنا بالاصحاح الثالث : لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية… الله الرب يعرف الفرح ايضا و يرعى المواهب التي زرعها بالبشر و تحمل الكثير من الآلام ليعطينا الحياة… انتم تبلغون الله عن طريق ثوب الرهبانية و البتولية و الخدمة الانسانية و الموسيقي من جهته يستخدم الموهبة في عمله التي اعطاه اياها الله ليبدع الالحان الجميلة و لكي يعلم طالب العلم عن تاريخها و على الآلة التي يرغب التعلم عليها… و اذ انتم اعتكفتم عن الزواج طلاب المدارس سيختارون الحب بحياتهم للزواج من شريك الحياة… الحب و العواطف و الاحاسيس تولد مع الانسان و تتفتح معه يوما بعد يوم لذلك لابد ان يدركها في داخله في سنة من السنين و هو يكبر في المدرسة لذلك لم تخطئ الآبلة ) المدرسة(  تهاني حينما كانت تعلم طلاب المدارس اغاني تحتوي على كلمات حب…فهل الحب مفهوم غير انساني لكي تقف مدرسة ضده؟

انا ألبي دليلي ألي حتحبي… من اجمل اغاني ليلى مراد…فيها مضامين جميلة عن الحب اذ تقول كلماتها :  انا قلبي دليلي قالى حـ تحبى

دايما يحكيلي وبصدق قلبي

انا قلبي دليلي .. قلبي دليلي

حبوبي معايا من قبل ما اشوفه

قلبي ده مرايا مرسوم فيها طيفه

شايفاه آه فى خيالي

سامعاه .. آه بيقولي

يا حياتي تعالي تعالي تعالي

يا حياتي تعالي تعالي

غنيلي تملي وقوليلي تملي

الحب ده غنوه

كلها احلام

انغامها الحلوه احلى انغام ..

انا قلبي دليلي قالى حـ تحبي

دايما يحكيلي وبصدق قلبي

انا قلبي دليلي .. قلبي دليلي

الدنيا جنينه واحنا ازهارها

فتحنا عنينا على همسة طيورها… الخ

فحتى الطريقة التي فسرت فيها الأبلة تهاني معاني الحب للطلاب كانت شفافه و مناسبة لعقلهم و لسنهم الصغير…لا غبار على ما اسلفت هذه المربية الفاضلة في الفيلم…فقدوم الراهبة المسؤلة مع امراة اخرى و النظر باستياء الى الحصة  بسبب ضحك التلاميذ في الفصل و الابلة تهاني تتفاعل بصورة جميلة مع طلابها و تفسر لهم معاني الحب بالاغنية اعطى تباين جميل للمشهد الدرامي، حيث راينا كمية التعصب لدى ادارة المدرسة من تهاني… و خصوصا ان هذه المدرسة في الصعيد في المنيا…فكمية التعصب مضاعفة بما ان هذه المناطقة من مصر عبارة عن مجتمعات بدائية تتمسك بالتقليد اب عن جد بصورة عمياء…قدوم مشهد طرد الأبلة تهاني من المدرسة كان منطقي في بيئة تقف ضد المعاني و العلوم الفنية التي تدرسها… و هنا كانت قصة الفيلم قد ابتدات فعليا و قطعة شوطا عن طريق العلاقة القوية و المتينة التي ربطة هذه المدرسة المميزة بتلميذاتها…فنرى بعد طرد تهاني الوقت يمر بالمدرسة و نرى لقطة لنجوى مع حفظ الالقاب ) غادة عادل(  و هي ناضجة و باطلالتها الجميلة في نفس غرفة الموسيقى التي كانت تأخذ فيها الحصص في الصغر… و هنا نرى منذ البداية  التأثير الكبير التي تركته الابلة بالطلاب فحتى بعد مرور ما يقارب عقد من الزمن نجحت تهاني بترسيخ الموسيقى في حياة طلابها…و لاحظت امر لا اظن ان محمد خان وضعه عن طريق الصدفة في الفيلم… فنجوى الطفلة كانت تنظر الى عملية طرد تهاني من نافذة غرفة الصف… و من وراء قضبان حديد اشبه بالسجن…و بعد مرور سنين طويلة نراها باللقطة التي اشرت اليها تنظر الى الخارج من وراء قضبان نفس الغرفة… و كأن المدرسة هي عبارة عن سجن من دون مدرسة موسيقى و من دون الأبلة تهاني… جسد من دون روح…

مفتاح الفا :

عمل رومنسي بامتياز، و هو من اخراج الراحل محمد خان و من تأليف وسام سليمان، و هو من انتاج و توزيع جهاز السينما و الشركة المصرية لمدينة الانتاج الاعلامي، و عرض هذا الفيلم لاول مرة في عام 2007 في الرابع عشر من اذار، و هو من بطولة غادة عادل و خالد ابو النجا و مروة حسين و عايدة رياض و الراحل يوسف داود و الراحل احمد راتب مع نخبة لامعة جدا من النجوم، تميز باجوائه المخملية الموسيقية و الهادئة و رسالته الرومنسية عن القلوب حينما تدق بالحب الحقيقي، فهي عن قصة حب تنولد بين اثنين من عوالم مختلفا و عن علاقة آخرى تموت بسبب سطحيتها و اعتمادها على اشباع الغرائز…

ان كان مفتاح الصول في صدر الانسان كما اسلفت في افتتاحية مقالتي فمفتاح الفا في الفيلم هو في شقة مصر الجديدة…فهنالك قدر حالم و رومنسي الجوهر جمع طريق ثلاثة اشخاص فيها حيث كانت تهاني هي السبب، فهنالك نجوى التي تستغل فرصة زيارة منطقة مصر الجديدة مع زميلاتها في المدرسة اثناء نشاط مدرسي للبحث عن تهاني حيث انقطعت اخبارها لفترة طويلة عنها، فلم تعد حتى ترد على جواباتها كالمعتاد، و هنالك يحي) خالد ابو النجا(الشاب الذي سكن بشقة تهاني بعد ان غادرتها لوجهة مجهولة تاركة ورائها تساؤلات كثيرة حول مكانها و عنوانها الجديد و مصيرها، و هنالك) مروة حسين(  شابة جميلة و جذابة و تكون على علاقة مع يحي، و لكنها علاقة من دون زواج بالرغم من انهم يعاشرون بعض جنسيا، و تتوالى الاحداث بعد وصول تهاني الى المدرسة اليسوعية في القاهرة مع زميلاتها حيث النشاط المنشود. فتتفق معاهم على الهروب لبضعة ساعات من النشاط للسؤال عن تهاني، و لكنها لم تكن تعلم بان معظم رسائلها لتهاني كانت قد وقعت بين يداي يحي، في بادئ الامر تعتقد نجوى بان زيارتها للقاهرة ستمضي على خير و ان رحلتها في البحث عن تهاني ستكون ميسرة من دون عقبات، و لكن سرعان ما تكتشف بان قدرها يخبئ لها مغامرة مليئة بالمفاحئات، يقدم لنا الفيلم ايضا نخبة من الشخصيات التي تلتقي بهم نجوى اثناء تواجدها القصير بالقاهرة…فهنالك شفيق رستم) الراحل يوسف داود( و هو مالك العمارة التي تسكن فيها تهاني، فكانت جارته لمدة ثلاثة عشر سنة، و كان يحبها جدا لدرجة انها حينما اختفت فجاة تركت فراغا كبيرا بداخله بحسب ما يروي… فحتى كان قد طلب يدها للزواج في الماضي و لكنها رفضت الارتباط به… شفيق انسان وفي لصداقته و لحبه لتهاني فنراه في المشاهد الافتتاحية للفيلم يروي ليحي عن اسبابه بالاحتفاظ باثاث تهاني في شقتها رغم غيابها عن الشقة لفترة ليست بقليلة…فيتوضح لنا كم حبها مازال يتملك قلبه رغم رفضها الارتباط به و رغم غيابها عن العقار التي تسكن به، و يعرفنا الفيلم ايضا على ميلاد سعيد) الراحل احمد راتب(… و هو سائق سيارة اجرة تجده نجوى بطريقها حينما تتوجه لتلحق بالقطار العائد الى المنيا… و لكنها تتأخر عن موعد مغادرته المحطة… فتجده و هي عائدة بدربها ليكتشف امر ما حصل معها… هو صمام آمان لها بهذه الورطة فالدنيا مازالت بخير كما اراد المخرج اخبارنا من خلال طبيعة دوره الجوهري هنا… و يرشدها الى بيت للمغتربات تديرها امراة فاضلة تدعى حياة القلوب) عايده رياض(  و بيتها عبارة عن بنسيون صغير…

حددنا مفتاح الصول و الفا لهذه السمفونية الدرامية الجميلة التي اتحفنا بها الراحل محمد خان في عام 2007…وبقيا ان نناقش حركات هذه السمفونية الاربع الجميلة و ما تتميز بها من معاني راقية… يتبع…