صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

النهضة في القرآن الكريم

تأليف: علي محمد أسمر

عرض ومراجعة: د. جمال الحمصي

يعتبر موضوع النهضة والتنمية من القضايا الجوهرية متعددة التخصصات التي يتجدد فيها الاهتمام العلمي والتطبيقي حول العالم، حتى بعد انهيار الاشتراكية وأنين الرأسمالية وعدم استدامتها. وفي العالَم العربي والاسلامي، هنالك وعي فكري متزايد بأهمية تأصيل (أي وضع أصول) مضمون النهضة ومحركاتها وسننها الأساسية من منظور قرآني. 

ومن الكتب الحديثة في هذا المجال، كتاب “النهضة في القرآن الكريم: بناؤها ومقوماتها من خلال سورة الكهف” (2018) من تأليف السيد علي أسمر. كتب أخرى صدرت مؤخراً في ذات الموضوع: كتاب “الاسلام والتنمية المستدامة: رؤى كونية جديدة” (2013) لمؤلفه عودة الجيوسي (يُركز على ادارة الموارد الطبيعية والبعد البيئي للتنمية)، وأيضاً كتاب “مقاصد الشريعة الاسلامية: مدخل عمراني” (2016) من اعداد مازن هاشم (يُركز على النهج المقاصدي للحداثة والعمران دون النصوص الجزئية)، وأخيراً كتاب “علم القرآن التنموي” تأليف جمال الحمصي (يُركز على السنن الاجتماعية والوجودية والمعرفية للتنمية).

الكتاب القيّم قيد المراجعة “النهضة في القرآن الكريم” (346 صفحة) هو مكوّن من أربعة فصول رئيسية ومتكاملة. تناول الفصل الأول مفهوم النهضة ومقوماتها في القرآن الكريم، واستعرض الفصل الثاني مجالات النهضة وأنواعها وأهدافها وتحدياتها في سورة الكهف. وفي حين خُصص الفصل الثالث لمناقشة أركان النهضة ووسائل تحقيقها التي قررتها سورة الكهف، فقد ركّز الفصل الرابع والأخير على قيم النهضة وآثارها في سورة الكهف، وانتهى الكتاب بخاتمة وقاموس للمصطلحات . 

في الفصل الأول والأهم، يتبنى المؤلف الرأي بأن المحرك الأساس لنهضة المجتمعات والأمم والحضارات هو وجود “المبدأ الفريد” الذي ترتكز عليه وتقوم بسببه. وهذا الرأي له جذوره العلمية في الفكرة القائلة بأن: الحضارات تؤسس –واقعياً وليس تخيلاً- على المشاعر الجماعية (بخصوص الوضع الأمثل) وليس على العقل الفردي المجرّد والبارد. 

وبناء عليه، وبعد استعراض خيارات النهضة المختلفة للأمة الاسلامية، يؤيد الكتاب الطرح التأصيلي للنهضة، وليس الطرح الغربي أو القومي أو الطرح المختلط (هايبرد!) للنهضة، لأسباب عديدة تبدو لي وجيهة: (1) اخفاق الطروحات البديلة (2) اختلاف البيئات، وهنا لابد من التذكير بأهمية “الظروف الأولية Initial Conditions” لكل مجتمع أو أمة في تحديد أسس نهضتها حسب نظرية التعقيد الحديثة Complexity Theory (3) وجود تجربة وسوابق تاريخية لنهضة الأمة. لكن من الضروري الاجابة أيضاً على السؤال العملي: كيف نجدد النهضة حالياً؟ الكتاب لم يتجاهل هذه القضية الهامة.

وفي ذات الفصل الأول، يُقدم الكتاب تعريفات سابقة للنهضة ويقترح تعريفه الخاص، وقد أحسن مؤلف الكتاب صنعاً بالربط بين مفهوم النهضة وبين الاطار الثقافي للأمة. فمما لاشك فيه بأن تعريف “النهضة” يقع ضمن نطاق النظرية الأخلاقية وعلم القيم وليس عموماً من اختصاص العلوم التجريبية. لان النهضة والألفاظ القريبة منها كالتنمية والتقدم والرقي والتطور والعمران والتحديث، كلها مفاهيم معيارية وثقافية تتعلق بما “يجب أن يكون عليه الحال” وليس بما “هو كائن”، مما يجعلها مفاهيم أخلاقية و”خلافية بالضرورة” حسب تعبير الفلسفة المعاصرة.

ويوضح الكتاب في الفصل الأول العلاقة بين سورة الكهف وبين النهضة، منوهاً الى مناهج السورة في تحديد حقائق النهضة، بما فيها السنن والأمثلة والقصص، ومشيراً الى القصص الأربعة الفريدة الواردة في سورة الكهف: قصة أصحاب الكهف وقصة صاحب الجنتين وقصة موسى والعبد الصالح وأخيراً قصة ذي القرنين، وفي كل قصة “عبرة” لأولي الألباب. والرابط الرئيسي المشترك لهذه القصص في سورة الكهف حسب مؤلف الكتاب هو: نهضة الأمة وكيفية تحقيق ذلك بنماذج واقعية.

الكتاب تحدث أيضاً عن تحديات النهضة، بما فيها الظلم والفساد، ونوه بشمولية الى أركان النهضة التي وردت في سورة الكهف، بما فيها الايمان والعلم والعمل الصالح، قاصداً ب”العلم” هنا مختلف أنواع المعارف الشرعية والدنيوية، بما فيها العلوم التجريبية بشقيها الطبيعية والانسانية. ومن امثلة ذلك: الاحاطة بحقائق الحياة في قصة موسى والرجل الصالح وادراك النتائج والأخذ بالأسباب واستشراف المستقبل، ومن ثم العمل وفقاً لكل ذلك.

وبخصوص النهج العام للكتاب، ومع اعترافي بتميز الكتاب وأهمية موضوعه وطروحاته، ومع ادراكي الكامل بأن سورة الكهف هي منجم فريد للحكمة النهضوية العملية، فان القرآن الكريم هو أوسع من أي سورة منفردة في مجال الاحاطة بمضمون النهضة وأسس انطلاقها.

لكن هذه الحقيقة لا تمنع بتاتاً التركيز –بداية- على كل سورة على حدة، ومن ثم الدمج لاحقاً بين معطيات مختلف السور- في اطار ما يعرف بالتفسير الموضوعي للقرآن. ولو خُّيّرت في سور القرآن لطرح هذا الموضوع، لاخترت بداية سورتي الكهف ويوسف دون تردد.