صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

أين العالم العربي من العقلانية؟

العقلانية تشمل مجالات متباينة مثل: العقلانية الاقتصادية والعقلانية الاجتماعية والعقلانية الروحية والعقلانية السياسية والعقلانية البيئية

قد نختلف حول وصف وتقييم ما يحدث للعالم الغربي في الوقت الراهن ومدى “عقلانيته”، لكننا سنتفق على ان العالم العربي يعيش حالياً خارج اطار “العقلانية” بعد أن كانت بغداد وقرطبة تُصدّر العلم والمعرفة الى الأمم في عصور ظلامها الوسطى.

كما ينبغي ان نتفق أيضاً بأن المشروع النهضوي العربي قد أخفق حالياً بمقاييس شتى، بما فيها العجز المزمن في تحقيق التنمية المستدامة والتشاركية، والتقدم التقني، والديمقراطية الحقيقية، والحوكمة الرشيدة، وبما فيها الاتجاه العام التنازلي في  حماية حقوق الفرد والهوية الوطنية والاستقلال.

الفيلسوف الغربي المعروف السدير ماكنتاير Alasdair MacIntyre في كتابه “عدالة من؟ وأية عقلانية؟ “Whose Justice? Which Rationality?  (1988) يعترف بأن العقلانية -من منظور ما بعد الحداثة- هي ليست مفهوماً مطلقاً وفريداً بل يشمل عدة مفاهيم متنافسة.

مع ذلك، فان العقلانية تشمل مجالات متباينة مثل: العقلانية الاقتصادية والعقلانية الاجتماعية والعقلانية الروحية والعقلانية السياسية والعقلانية البيئية. من منظور عام، فان أية نظرية عامة للعقلانية لابد ان تتضمن نوعين على الأقل من العقلانية: (1) العقلانية الاداتية أو الاجرائية Instrumental Rationality وهي عقلانية اختيار الاداة أو الوسيلة المثلى (أي تحقق عائداً صافياً أكبر)  لتحقيق “الغاية المعطاة”، و(2) العقلانية الجوهرية Substantial Rationality اي العقلانية المرتبطة باختيار الغايات أو الأهداف المجتمعية المثلى.

النوع الأول من العقلانية يُفترض أن يكون من اختصاص العلم التجريبي والعقل النظري، لكن لاكتشاف السًّنن القرآنية الكبرى في مجال بناء المجتمعات والدول دور أساسي مكمل. أما النوع الثاني من العقلانية فهو الأهم من منظور الغايات النهائية، اذ ما الفائدة الجوهرية من اختيار أفضل الوسائل التقنية لتدمير البشرية وعقلانيتها الاجتماعية والروحية مثلاً؟! العقلانية الجوهرية مرتبطة بالقيم والمعايير الأخلاقية ولذلك تسمى أحياناً العقلانية القيمية Axiological Rationality .

بعض المفكرين الغربيين، مثل يورغن هابرماس، يرون بأن العقلانية مفهوم يتحقق بالتواصل البشري وليس من خلال الأوامر من أعلى ضمن اطار ما يُعرف بالعقلانية التواصلية Communicative Rationality ، لكن الفلسفة الليبرالية الغربية أخفقت عموماً في تحديد وترتيب الغايات المجتمعية ترتيباً ديمقراطياً يعتمد -حصراً- على التفضيلات والترتيبات الشخصية للأفراد. هذا ما أثبته الاقتصادي كينيث أرو ضمن ما يُعرف بنظرية استحالة أرو Arrow’s Impossibility Theorem .

الأساس العقلاني للغايات المجتمعية النهائية هو موضوع معقد ويرتبط بمشكلة فلسفية عميقة تُدعى ب”المغالطة الطبيعية” في النظرية الأخلاقية الغربية، ومن دون “حلول” لهذا النمط الأساسي من العقلانية فان مفاهيم معيارية أساسية مثل الاصلاح والتنمية والتقدم والسعادة والحرية والعدالة والمصلحة العامة والعقلانية يمكن ان تتسم بمضمون موضوعي محدود!.

العالم الغربي حقق نجاحات باهرة في مجال تحقيق العقلانية الاداتية، حيث أنجز مستوى عال من  المعيشة المادية والعقلانية الاقتصادية رغم ما يعانيه حالياً من أزمات مالية. كما ان العالم الغربي قد حقق تقدما تقنياً وتنظيمياً مشهوداً رغم الخواء الروحي وغياب الدفء الاسري والعقلانية الاجتماعية بمعناها التواصل المجتمعي.

لكن في المقابل ما الذي حققه العالم العربي المعاصر بعد وصفات دولية غير قابلة للنسخ؟ عجوزات ليس فقط في الموازنة العامة بل في التنمية التشاركية والمستدامة وغيرها الكثير، رغم التفاوت الواضح بين بلدانه في بعض هذه العجوزات.

الفلسفة الغربية بعد عصر التنوير بأكمله فشلت في حل مشكلة القيم الأساسية والعقلانية الجوهرية، لكن ماذا عن المساهمة الفعلية والكامنة للعلوم الاجتماعية الغربية في تحقيق العقلانية الأداتية؟  بعد 100 عام على الأقل على تأسيس معظم العلوم الاجتماعية، أصبح علماؤها وفلاسفتها يميلون الى الاجماع على خلاصة جوهرية في مجال “الهندسة الاجتماعية العقلانية”: ان التفسير العلمي الدقيق والتنبؤ الحتمي أمر غير متاح عملياً في العالم الاقتصادي والاجتماعي، وان تحققا في المستقبل في بعض المجالات فهما لا يعني السيطرة الفعالة بالضرورة. فالتحكم هو على ما يبدو هو للعالَم الطبيعي اساساً وليس للعالَم الاجتماعي.

العائق الرئيسي الثاني أمام أي مشروع نهضوي عقلاني -عربي أو غربي- يرتبط بفلسفة الأخلاق وعلم القيمAxiology  أكثر من ارتباطه بالعلوم التجريبية وتقنيات التحكم الاقتصادي والاجتماعي وآلياته. الهندسة الاجتماعية تفترض الاجماع على غايات مجتمعية “معطاة” دون ان تستطيع ان تبررها بصورة موضوعية مطلقة،. لكن كلاهما – الاجماع والتسويغ العقلاني- لم يتحقق عملياً.

من العدل القول بأن قيم العالم الغربي وعقلانيته الجوهرية لا تزالا في مرحلة الشك والطفولة رغم ادعاء فرانسيس فوكوياما، لكن العالم العربي حالياً للأسف هو خارج تغطية العقلانية بمختلف مجالاتها وأنماطها بعد أن جمّد عقلانيات الماضي وأخفق في نسخ عقلانيات الغرب المعاصر. فأين مبادرات المخططون وعلماء الاجتماع ومنظروا بناء الأمم ومراكز البحث العربية من هذا العجز المؤلم والوجودي؟