صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

أين علماء الاجتماع من مشكلاتنا الاجتماعية؟

لا أدري لماذا لا يمارس متخصصوا علم الاجتماع وممارسوه عندنا اختصاصاتهم التي قضوا حياتهم المهنية في الاحاطة بتفاصيلها

كما هو الحال مع الأمراض الطبية، لا يكاد يخلو أي مجتمع بشري من مشكلات أو أمراض اجتماعية. لكن المجتمعات تتفاوت في حدّة واستمرارية وأسباب هذه المشكلات، كما تتباين حدّة المشكلات مع مرور الزمن. أسوأ استجابة للتعامل مع المشكلات والتحديات الاجتماعية هي “استجابة النعامة”، حيث لا مشكلة بتاتاً من الأصل. هذه هي -باختصار- وظيفة الاعلام غير التنموي!.

استجابات شبيهة، لا تقل مأساوية عن الانكار اللفظي، تلخصها عبارة: “نعم نحن نعاني لكن جيراننا يعانون أكثر!”. لكن، لم لا نكون الأفضل في القائمة العالمية؟ كيف نتطور نحو الأمام؟ كيف نُحدث تغييراً نحو الأفضل من منظور الفئات المهمشة؟ الذين يكررون هذه العبارة يريدون دوماً وأبداً تبني نهج “العمل كالمعتاد”.

في مقابل مواقف انكار المشكلات وتحجيمها لفظياً وعزوها لعوامل خارجة عن السيطرة، هنالك النهج العلمي التجريبي. المنهج العلمي الرصين تأسس على الاحاطة بالحقائق “كما هي” في عالم الواقع، دون انكار أو تشويه أو ذم أو مديح أو تهوين أو تضخيم. وبناء عليه، تأسست علوم اجتماعية تتخصص في جزء من الواقع المعقد، بما فيها علم الاجتماع وعلم الاقتصاد.

ودعوني هنا اوضح المقصود بمصطلح “اجتماعي” لازالة اللبس الشائع والخلط المتكرر بين البعد “الاجتماعي” و البعد “الاقتصادي”. كلمة “اجتماعي” في علم الاجتماع تعني: “ما له ارتباط بالعلاقات المتبادلة بين بني البشر”، أي ما يرتبط بالتفاعل والعلاقات الاجتماعية، سواء على صعيد المجتمع ككل أو الأسرة أو الجامعة أو المدرسة أو السوق أو مؤسسة العمل أو حتى الجيرة والعمارة السكنية. 

وبالتالي فان علم الاجتماع لا يركّز -كما هو شائع- على ظاهرة قلة الموارد المالية والاقتصادية لدى فئات مهمشة، جرّاء البطالة أو الفقر أو غياب الصحة والتعليم، بل يركّز بصورة أساسية على الانحراف والاغتراب والوهن والتفكك الاجتماعي، وغيرها الأمراض الاجتماعية.

ولا أدري لماذا لا يمارس متخصصوا علم الاجتماع وممارسوه عندنا اختصاصاتهم التي قضوا حياتهم المهنية في الاحاطة بتفاصيلها؟، بل أين واجباتهم في تقصي ونشر الحقائق، والمشكلات والحلول الاجتماعية في الاعلام والاحزاب والمنابر والسياسات العامة، بعيداً عن “الطبطبة” والصالونات المغلقة واعتبارات الترفيع الجامعي والزيادة السنوية؟. 

ففي حين تجد زوايا يومية وصفحات دورية للشأن الاقتصادي في اعلامنا الرسمي والالكتروني، لا نكاد نجد -الا بالمناسبات السعيدة- مقالاً يحلل مشكلة اجتماعية، كالادمان أو الطلاق أو الانحراف السلوكي. ما أسباب ترك علماء الاجتماع عندنا الساحة الاعلامية والعامة للاقتصاديين والماليين، وأدمنوا على ما يُقال انه “نهج النعامة” في مواجهة الصعاب؟؟. 

لقد تأسست أقسام علم الاجتماع في جامعاتنا الاردنية، وانشأت وزارة التنمية الاجتماعية في بلدنا (الوزارة الوحيدة المعنية بالشأن الاجتماعي)، وتم تأسيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي في قطاعنا العام، كل هذا تم بهدف التعامل العلمي في رصد أمراض المجتمعات وعلاجاتها، وتفهّم الأسباب الكامنة وراء الوهن الأسري والاجتماعي المتزايد، لكن المحصلة النهائية هي للأسف لا تزال ضعيفة بوضوح.