صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

المُحفّزات تقهر التحديات

اقتبس هذا العنوان من استطلاع للرأي أجرته صحيفة البيان الإماراتية، حيث اتضح، بما لا يدع مجالا للشك، أنَّ السياسات التحفيزية التي انتهجتها دولة الإمارات منذ بداية العام 2018 بدأت تؤتي أكلها، بل لعلها باتت السبب الرئيس في زيادة زخم تدفق الاستثمار الأجنبي في الدولة، للتربع بذلك على رأس هرم استقطاب الاستثمارات الأجنبية الحقيقية، ليس فقط على مستوى المنطقة العربية، بل على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أيضاً.

والجميل في الأمر أن ما يزيد على 70% من المُحفّزات التي انتهجتها الدولة ليست ذات بعد مالي مباشر، وليست إعفاءات مالية، وليست إعفاءات ضريبية، بل هي مجموعة متكاملة من تبسيط الإجراءات، وتعديل التعليمات، وإصدار بعض التعليمات، والأنظمة، التي تسهم في تبسيط إجراءات الاستثمار، وتُحفّز المستثمر المحلي على التوسع، وتُشجع المستثمر الخارجي على الولوج إلى الاستثمار، بل إن بعضها لا يعدُ سوى تعديلاً على نسب الملكية للأجنبي، أو اللجوء إلى تطبيقات ذكية في التسجيل، وفي إجراء المعاملات، وحتى المالي منها، لا يعدُّ عن كونه التزاماً بتثيبت الرسوم للسنوات الثلاث القادمة، أو وقف غرامات إضافية، أو تأجيل دفع بعض الرسوم ضمن فترات أطول ممّا كانت عليه، دون المساس بقيمة تلك الرسوم. ومن هنا، تربّعت دولة الإمارات على رأس الهرم الاستثماري العالمي، وليس فقط على مستوى المنطقة أو الإقليم.

اليوم النتائج الأولية للشهور الأحد عشر من العام الحالي، تشير إلى أن نسبة النمو الحقيقي في الاقتصاد ستلامس 3%، وهي نسبة أكبر مما توقعه البنك والصندوق الدوليين للدولة، كما أنَّ النمو الكلي للاستثمارات الخارجية على مستوى الدولة وصل إلى نحو 25% عن العام المُنصرم، وهو النمو الأعلى عالمياً، وعلى مستوى المنطقة والإقليم. أمّا توقعات العام القادم فهي تشير إلى زيادة النمو الاقتصادي الحقيقي إلى قرابة 3.5%، ما يعني زيادة الدخل الحقيقي للفرد في الدولة بما يزيد على 1%، وهو نمو يتحقَّق للمرة الأولى على مستوى دول المنطقة منذ الأزمة المالية العالمية 2008، بل إنَّ الأهم أن نحو ثلثي ذلك النمو سيأتي من التنوع القطاعي، وليس من قطاع النفط، الذي بات اليوم أقل مساهمة من القطاعات غير النفطية، وذلك ضمن سياسة الدولة بتنويع مصادر دخل الاقتصاد، وإعطاء الزخم للقطاعات الاقتصادية الحقيقية، بعيداً عن النفط مباشرة، وإن كان بعضها مرتبط بشكل أمامي أو خلفي بقطاع النفط. الشاهد ممّا سبق جميعه، أنَّ الأمل اليوم في أن تقوم الحكومة الأردنية بدراسة التجربة في دولة الإمارات، وأن يتمَّ دفن الحديث عن الضرائب، أو حتى عن الإعفاءات الضريبية طوال العام القادم، وأن يرتكز الحديث حول ثلاث قضايا أساسية لا غير؛ القضية الأولى هي إعادة النظر كلياً في إجراءات ونُظُمِ الاستثمار المحلي والخارجي في الدولة، واتخاذ قرار جريء بالعمل على مراجعة تقرير التنافسية العالمي، وتقرير سهولة البدء بالأعمال، للوصول إلى مرتبة أفضل خلال العام 2019.

على الحكومة أن تعلن مجموعة من الإجراءات والأنظمة، وليس الإعفاءات المالية، التي ستسهل الحياة على المستثمر المحلي والخارجي، وتزيد من حمايته في الدولة.

ويكفي أن نعلم أنَّ دولة الإمارات كانت في المرتبة 21 في سهولة بدء الأعمال في العام 2017، وتحوَّلت إلى المركز 11 في العام 2018، وستكون في المراكز الخمس الأولى في العام القادم، أو مع قدوم العام 2020 على أقصى تقدير.

القضية الثانية، إجراء حزمة حقيقية من المراجعة للتحديات التي تواجهها الصناعة الوطنية، والعمل بشكل جاد على التعامل معها وفق نسقيْن محدَّديْن؛ الأول نسق فتح الأسواق الجديدة، وهو ما يمكن للقائمين على الصناعة مساعدة الحكومة على فهمه، وفهم المطلوب من الحكومة لتسهيل الوصول إلى تلك الأسواق، من دون تكاليف مالية عالية. والثاني، نسق إعادة تنشيط الأسواق التقليدية، وهو ما بادرت به الحكومة عبر زيارة تركيا، والعراق، ولعلَّ سوريا تكون على الأجندة قريباً أيضاً.

القضية الثالثة والأخيرة، على الحكومة أن تتوقَّف عن القيام بوضع سياسات جديدة، قبل أن تدرس أفضل التطبيقات في المنطقة، وأفضل التجارب في العالم، ليس المطلوب اليوم إعادة صناعة العجلة، بقدر التعلُّم من تجارب الآخرين، والاستفادة من دروسهم السلبية والإيجابية. علينا التوقُّف عن الاعتقاد بأنَّ ما لدينا من مُحَفِّزات استثمار هي الأفضل في العالم، وعلينا أن نعترف بأنَّ تجارب المنطقة في دولة الإمارات، وفي السعودية تكاد تكون دروساً مستفادة مميزة من الدرجة الأولى. وعليه فإنَّ الحل هو اللجوء إلى مُحَفِّزاتٍ تقهرُ التحديات، قولاً وعملاً. وخلافاً لذلك سندخل العام الجديد بنفس آليات عمل العام المنصرم، وننتهي إلى ما انتهينا إليه من مؤشرات اقتصادية، أبسط ما يمكن أن يُقال عنها أنها ضعيفة، بل ومُكلِفة مادياً، دون أن تكون مُحفِّزة فعلياً. وكل عام وأنتم بألف ببمناسبة بدء العام الجديد 2019.