صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

العفو العام وسيادة القانون

العفو العام هو بالضرورة ضد سيادة القانون وهيبة الدولة التي ننشدها، وإن كان هناك فئات تستحق العفو، فالطريقة للتعامل مع الموضوع يجب أن تتم من خلال مؤسسات الدولة وآليات التكافل الاجتماعي فيها

حملت الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك عنوان “سيادة القانون أساس الدولة المدنية”، ولا يخلو كتابُ تكليف لحكومة جديدة من الإشارة الى أهمية دولة القانون. وخلال لقائه بالإعلاميين قبل أسابيع قليلة أكد الملك على أن “سيادة القانون وترسيخ هيبة الدولة أولوية لا يمكن التهاون بشأنها”؛ كما لا يفوُتُ جلالته مناسبة إلا ويؤكد على مبدأ سيادة القانون. كما يسارع رؤساء الوزارات المتعاقبين على تأكيد التزامهم بالتوجيه الملكي لإعلاء شأن القانون وسيادته وتطبيقه بعدالة على جميع المواطنين والمقيمين في المملكة.
وما دعاني لتناول هذا الموضوع في مستهل سنة جديدة، هو اللغط المستعر بين الناس، مسؤولين ومواطنين، منذ أن أعلنت الحكومة عن نيتها إصدار قانونٍ للعفو العام متزامنا تقريباً مع مشروع قانون موازنة 2019 الذي يجري النقاش حوله تحت قبة البرلمان الآن.
والسؤال الذي يجب أن يطرح، وبصراحة متناهية، “أليست الأفعال الجرمية المرتكبة تشكل مخالفة للقانون؟”، وإذا لم تكن كذلك، فإننا نشكك في نظامنا القضائي ونصيبه في مقتل، وإذا كانت مخالفة والأحكام القضائية بشأنها سليمة، فلماذا إذن ندعو لعفو عام عن تلك الأفعال الجرمية؟ علماً بأن العفو العام يزيل الصفة الجنائية تماماً عن الفعل المرتكب ويمحو آثاره العقابية، أي أنه يجُّبُ الجريمة من أساسها؛ لذلك نعود إلى التساؤل مرة أخرى، ألا يُعدُ ذلك ضربة للعدالة وسيادة القانون في المملكة؟ ويعتقد الكثير من المحامين والحقوقيين بهذا الخصوص أن العفو العام يشكل ظلماً اجتماعياً ويشجع على تكرار الأفعال المخالفة للقوانين، لاسيما وأن الجرائم تتكرر من المجرمين ذاتهم مما يضيع حقوق كثير من المواطنين.
فعلى سبيل المثال، ألا يشكل اعفاء مخالفات السير ظلماً اجتماعياً يشعر به وبمرارة المواطن الملتزم، ويُفْلِتُ من العقوبات كل من يستهتر بالقانون، غافلاً أم متعمداً، ويجعل المخالفين أكثر جرأة على ارتكاب المخالفات والاستهتار بالقانون ضارباً به وبسيادته المنشودة عرض الحائط، ناهيك عن الخسارة المالية للدولة. ويمكن القياس على ذلك للكثير من الجرائم التي يترتب عليها أثراً اجتماعياً ومالياً.
وفي المزاد الذي أضحى مفتوحاً لمطالبات جهات عديدة بشمول الكثير من الجرائم بالعفو العام، فإن بعض المطالب التي سمعنا بها، ونرجو ألا تكون صحيحة، يندى لها الجبين، وتقشعر منها الأبدان وتشكل انتهاكاً بشعاً لحقوق الإنسان، وأقصد بها جرائم الاغتصاب وهتك العرض.
ففي قانون العفو الفرنسي الذي أصدره جاك شيراك خلال ولايته الثانية مثلاً، نجد العقوبات المشمولة بالعفو لا تقل مدة الحكم فيها عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن ستة أشهر شريطة قيام المشول بالعفو بأداء خدمة اجتماعية بديلة للعقوبة، كما لا تتجاوز قيمة الغرامة فيها سبعمائة وخمسين يورو، ويستثنى من العفو الجرائم الجنائية، وأهمها جرائم التحرش الجنسي المادي واللفظي والمخالفات المرتبطة بالمحسوبية واستغلال المنصب والنفوذ وجرائم المخدرات والإرهاب.
خلاصة القول، أن العفو العام هو بالضرورة ضد سيادة القانون وهيبة الدولة التي ننشدها، وإن كان هناك فئات تستحق العفو، فالطريقة للتعامل مع الموضوع يجب أن تتم من خلال مؤسسات الدولة وآليات التكافل الاجتماعي فيها، وأعني هنا مشكلة الغارمات والغارمين المطلوبين للتنفيذ القضائي، كما أن مثل هذه المشكلة يمكن أن تحلُ بجزء يسير جداً من حصيلة قيمة مخالفات السير التي تعتزم الحكومة شمولها بالعفو العام.