صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

نحو مراكز دراسات جديدة ومتواجدة أكثر فاعلية

بعد الاعلان الرسمي عن وفاة الاشتراكية البائدة، وبعد أنين الرأسمالية وأزماتها ومن ضمنها الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وأزمة الاحترار العالمي، عَظُمت حاجة البشرية المُلحّة الى أفكار كبيرة جديدة لانقاذ البشرية، تتجاوز “نهاية التاريخ” وتقنيات التواصل الاجتماعي والثورة الصناعية الرابعة والتغييرات الفوضوية غير المدروسة والاصلاح بالتنقيط.
يمكن تعريف مراكز الفكر والدراسات Think Tanks بأنها: مؤسسات غير ربحية توظف المعرفة الموضوعية المعتمدة على الحقائق والبحث العملي العميق، بغرض المساعدة في تطوير السياسات العامة، والمساهمة في تقديم حلول لمشكلات المجتمع والسياسة العامة، بجوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية والبيئية وغيرها.
ويفضل في مراكز الدراسات الجادة ان تكون مستقلة أو شبه مستقلة، ويمكن أن تكون تابعة لجامعة أو لحكومة أو لحزب سياسي. وكون مراكز الدراسات مؤسسات غير ربحية تميزها عن الشركات الاستشارية العالمية مثل ماكينزي ومجموعة بوسطن.
وبغرض الاحاطة بالواقع المجتمعي المعقد والمتنوع، يُفترض في مراكز الدراسات المثالية ان تكون متعددة ومتداخلة التخصصات العلمية تتجاوز علوم الاقتصاد والسياسة والاستراتيجية، وتستعين بالعلوم المعيارية وفلسفة الأخلاق، رغم ان الواقع مختلف في ضوء تخصص معظم مراكز الفكر العالمية والوطنية في مجالات محددة (كالسياسة الاقتصادية أو التعليم والتربية أو الجريمة أو الأمن) .
وقد تنامى عدد مراكز الدراسات عالمياً في القرنين العشرين والحادي والعشرين، خصوصاً في العالم الصناعي والسائر نحو التصنيع، بسبب زيادة حجم الحكومة وتعقيد مهامها، الى جانب التنوع المتزايد والطبيعة الفنية لمشكلات السياسة العامة. وتستأثر دول الولايات المتحدة والصين والهند وبريطانيا على حصة الأسد في عدد مراكز الفكر والدراسات.
هذا وتستحوذ منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا على نحو 6 % فقط من اجمالي عدد مراكز الدراسات حول العالم. يتصدرها في هذه المنطقة من حيث الترتيب: مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الاردنية، وذلك حسب ترتيب تقرير جامعة بنسلفانيا الأمريكية لسنة 2018، الصادر مؤخراً، والذي يصنف مراكز الدراسات والفكر حول العالم وفقاً ل 28 معيار.
وفي الاردن، يتواجد 26 مركزاً للدراسات حسب التقرير أعلاه وهو رقم كبير نسبياً. وحسب التقرير ذاته، فان قائمة أفضل 50 مركز فكر عالمي لا تضم أي مركز يتبع للدول العربية والاسلامية.
ومن بين 8162 مركز دراسات وفكر حول العالم في عام 2018، فان حصة مراكز الدراسات الاسلامية والقرآنية هي ضئيلة جداً، مقابل هيمنة للمراكز التي تعتمد المرجعية الليبرالية، مما خلق تحيزاً مزمناً في السياسات العامة حول العالم.
ويمكن تقييم مراكز الدراسات في العالم العربي، بأنماطها التقليدية والمعتمدة على الفكر الاسلامي و”الهايبرد”، بناء على معايير متعددة، أبرزها: انتاج معرفة جديدة أو خيارات جديدة (دون نقلها أو استنساخها من الغرب مع طلاء عربي!)، عدد الباحثين من رتبة دكتوراة فأعلى من جامعات غربية عالية الترتيب عالمياً (توظيف وابقاء)، وعدد وتعقيد وتنوع البرامج البحثية وصلتها بأبرز تحديات العالَم، ومواكبة التطور التقني والعلوم الأخلاقية، والاستقلال ومصداقية الطروحات من خلال تنوع واستقرار مصادر التمويل، والمقدرة على الانتشار والنفاذ الى الرأي العام والمجتمع والاعلام بشقيه الرسمي وغير الرسمي بما فيه الاعلام الاجتماعي الحديث، ومدى التأثير في السياسات العامة محلياً وإقليمياً، وعدد المنشورات (تقارير وكتب وأوراق بحثية ومواقف سياسة) والمقترحات المنفذة.
المعرفة قوة، والمعرفة الجديدة قوة جديدة. وبناء عليه، فان لمراكز الدراسات ذات المرجعية غير التقليدية مجال كامن لتوليد معرفة جديدة قابلة للتطبيق وأفكار بديلة للبشرية ككل، سواء في مجال الاقتصاد والاجتماع الاسلامي (مثال: مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي)، أو في الدراسات الاسلامية عموماً (مثل المركز العالمي للفكر الاسلامي ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية)، أو في مجال السنن التنموية القرآنية تحديداً (لا يوجد أي مركز اقليمي/ عالمي حسب علم الكاتب).
لكن النتائج النهائية لمختلف مراكز الفكر القائمة حالياً في العالم العربي هي -عموماً- غير مبشرة بالخير (أنظر مقال سابق للكاتب: أين العالم العربي من العقلانية؟)، وهي بالتأكيد نتائج قابلة للتطوير والتحسين. ورغم ان لقيادات ونمط ادارة هذه المراكز دور أساسي في النتائج العامة المتحصلة، فمن المبالغة فصل البيئة الكلية وحدود الحرية والتمويل الكافي عن أداء مؤسسات الفكر في العالم العربي بمختلف مرجعياتها.
وللأسف، العديد من المراكز العربية والاسلامية تهتم بالكتب الورقية المطولة وليس بالندوات الحوارية والأوراق النقاشية والتقارير التحليلية التي تستشرف المستقبل العربي (مثال: وضع الشباب وحالة التنمية) وتقيم السياسات العامة العليا Meta Public Policies. فلا يمكن على سبيل المثال، مقارنة أي مركز فكر اسلامي عالمي قائم مع قدرات مؤسسة راند Rand Corporation المعروفة بتحليل قضايا الاسلام السياسي والاسلام المدني من منظور ليبرالي وبتوجيه السياسات الغربية.
ومتأثرة جزئياً بغياب التشاركية والتواصل المجتمعي لدى مراكز الفكر الاسلامي، بما يفوق أحياناً نظيرتها الليبرالية، خصوصاً في مجال الندوات الحوارية والاعلام الالكتروني وادماج المجتمع المحلي والكفاءات الجديدة، نجد أن تأثير هذه المراكز في السياسات والتشريعات العامة ضعيف عموماً (مثال: قانون الأحوال الشخصية!)، والتفاعل مع الرأي العام يبقى محدوداً.
لكن ما القيمة المضافة من مراكز ابتكارية تعتمد الفكر الاسلامي كمرجعية؟ وما الذي يجب ان نتوقعه منها؟ بداية ينبغي لهذه المراكز ان: (1) تستكشف وتحدد وتؤصل سنن النهضة المجتمعية من منظور قرآني معاصر، و(2) تحدد وتؤصل حقل تحليل السياسات العامة Public Policy Analysis والعلوم التطبيقية المرتبطة من منظور شرعي، و(3) تحدد بدقة العلاقة بين العلوم الشرعية والعلوم التجريبية المعاصرة، بشقيها الطبيعية والانسانية، و(4) تحدد العلاقة بين الفكر الاسلامي والقضايا المعاصرة كالديمقراطية والحرية والعدالة والسياسة العامة والتعددية والفساد والتنمية والحوكمة العليا والسعادة والقوة والنظام العام.
ومن الممكن اقتراح عدد من محركات التطوير للمراكز العربية الأكثر فعالية: (1) تطوير مؤشر سنوي ومعايير عربية لمراكز الفكر العربية من شتى المرجعيات وترتيبها وفق معايير موضوعية، و(2) الابتعاد عن النقد والبديل النظري البحت والاقتراب من “حلول” عملية للمشكلات الملحة في العالم العربي. هذا يقتضي بحث معمق وموجه نحو السياسات العامة، ويقتضي توظيف باحثين من ذوي الخلفيات الأكاديمية متعددة ومتداخلة التخصصات الاجتماعية، بعيدأ عن عوامل الواسطة والمحسوبية ودائرة “المعارف” المغلقة والتقليدية، مع التركيز على تخصص جديد ونادر هو تحليل السياسات العامة، و(3) احياء مؤسسة “الوقف العلمي” ودعمها في مجال انتاج الفكر التنموي الاسلامي، وذلك كخيار أساسي للتعامل مع قيد ضعف التمويل المستقل.