صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

البيروقراطية المرنة وحكمة الفاروق

البيروقراطية تعني الأوامر والتعليمات والأنظمة والتشريعات المركزية النافذة من أعلى الى أسفل بغض النظر عن أية نتائج

قد يبدو تعبير “البيروقراطية المرنة والمستجيبةResponsive Bureaucracy ” يحمل في طياته تناقضاً ذاتياَ ومتأصلاً، ولا وجود له في قواميس علم الادارة العامة والتخطيط العقلاني، وبالتالي لا تطبيق مفيد لهذا النموذج الاداري في أية اصلاحات مستقبلية، ملحة ومستدامة، في عالمنا العربي الهش.

فالبيروقراطية تعني الأوامر والتعليمات والأنظمة والتشريعات المركزية النافذة من أعلى الى أسفل بغض النظر عن أية نتائج، أو اعتبارات خاصة أو ظروف مختلفة واستثنائية. والبيروقراطي -في المؤسسات الخدمية والضريبية والاستثمارية مثلاً- يدرك ذلك ويتمسك به بحماس!. في المقابل، المرونة والاستجابة تعني التغيير والتكيف والاصلاح المستمر وفقاً لل”النتائج” الحاصلة على أرض الواقع. وشتان ما بين الأمرين.

لكن، مقابل هذه الرؤية الثنائية الجامدة، يؤكد تاريخنا قصص نجاح عديدة في مجال الجمع الذكي والخلّاق بين المركزية الحكومية والاستجابة المرنة رغم ما تدعيه “النظرية الاقتصادية للبيروقراطية” من قِصْر نظر البيروقراطيين بل وقصورهم الذاتي عموماً، ولأعطي مثالاً واحداً لكن معبّراً. 

عمر بن الخطاب مارس سلطاته التنفيذية، فأمر بعطاءٍ لكل طفل بلغ الفطام، وهذا القرار يبدو متوافقاً مع أفضل الممارسات الدولية المعاصرة في مجال حقوق ورعاية الطفولة، كما يبدو منطقياً أيضاً – للوهلة الأولى- استثناء الرّضع في ضوء محدودية موارد الدولة ونظراً لان الطفل الرضيع لا يتطلب طعاماً سوى أمه. لكن للواقع المعاش مفاجآته غير السارة!. 

يقول التاريخ، ان عمراً كان على أطراف المدينة يتفقّد، وإذا به يسمع “بكاء طفل”، فوقف على أمه وقال: يا أمة الله: أحسني الى طفلك فقد آذى جيرانه، ثم انصرف يتفقد الناس، ثم عاد وإذا بالطفل يبكي. قال: يا أمة الله: ما بال طفلك؟. فقالت: وما شأنك أنت؟! ولم تعرف عمر الخليفة. فقالت: إن عمر لا يعطي الأطفال أرزاقهم حتى يبلغوا الفطام، وأنا احاول فِطَامه، ولهذا هو يبكي ويصر على عدم الفطام.

لم ينكر الفاروق المشكلة أو يتجاهل أهميتها. ولم يقل الفاروق للأم: نحن آسفون ولكن هنالك لوائح تنظيمية محددة بهذا الخصوص، تهدف الى تحقيق الصالح العام وعدم تجاوز سقوف عجز الموازنة العامة (3% من الناتج المحلي الاجمالي قبل المنح الخارجية!) في اشارة الى حتمية “العمل كالمعتاد” ولعقود عند الحاجة!. 

على العكس، تأثر الخليفة عمر كثيراً وقال لنفسه: ويحك يا ابن الخطاب، ما عدد الأطفال الذين أسأت لهم وأنت لا تدري؟ وقال لها: أرضعيه حولين كاملين يا أمة الله، وغداً يأتيه رزقه ورزق أمثاله، في اشارة للتعديل الفوري لنظام دعم الطفولة. 

المحصلة انه بعد رصد “نتائج” القرار على أرض الواقع (وليس التخيّل): عدّل الفاروق -فوراً- من لوائحه التنظيمية، وأخذ بروح القانون لا بنصه الجامد، بعد أن أحاط علماً بالنتائج السلبية العامة وغير المتوخاة وغير المتوقعة لقراره الاداري، وبتأثير القرار السلبي على حقوق الطفولة في الرضاعة الكاملة وعلى أقوى رابطة ضمن مؤسسة الاسرة.

وقد يقول قائل بأن مجتمعات القرن الحادي والعشرين هي مجتمعات كبيرة ومعقدة ومتنوعة ومفتوحة، ولا تنطبق مواعظك التاريخية على النظم المجتمعية الكبيرة المعاصرة. ردي ان المواصفات المذكورة للمجتمعات المعاصرة هو بالضبط ما يزيد الحاجة الملحة الى البيروقراطية المستجيبة بصيغتها العامة ومناهجها المختلفة، ولعل المضامين القوية لقانون التنوّع المطلوب Requisite Variety المعروف في علم التوجيه Cybernetics بخصوص ضبط وضمان توازن النظم المعقدة، ما يؤكد ادعائي. 

محللوا الحوكمة العامة الرشيدة يتفقون على أهمية المؤسسات والسياسات المركزية العامة في أية ترتيبات ناجحة للحوكمة المجتمعية العليا، بل اني أزعم أنه من الصعب تصور “حوكمة عليا” مثالية دون دور فعال للمركزية والتشريعات العامة وسيادة القانون، أي للبيروقراطية بمدلولاتها الايجابية.. 

لكن المطلوب لأغراض التنمية المستدامة والنهضة التشاركية: مركزية مسؤولة ومستجيبة، وبيروقراطية مرنة، وفقاً للحقائق ومستجدات الأمور (بكاء طفل أو معاناة أسرة نتيجة البطالة). قارن هذا مع الاصرار الدؤوب على برامج ووصفات تنفيذية بنكهة ليبرالية جامدة أو مركزية طاغية -اقتصادية كانت أم غيرها- لعقود مديدة في العالم العربي؟.

باختصار، اذا أردنا تعظيم كفاءة القطاع العام وانتاجيته، وتخفيض الهدر والتسيب والفساد ضمنه، لا بديل، بعد استئجار القوي الأمين، عن “المتابعة والتقييم” و”التجربة والخطأ والتصحيح” في البيروقراطيات المعاصرة، وذلك للسياسات والبرامج والاستراتيجيات والتشريعات العامة. هنا ينبغي، بلا حدود، توظيف القوة الابداعية الخلاقة للمؤسسات البحثية.

العقل الغربي الناقد على مدى قرنين من الزمن توصل الى بعض المعايير الأساسية: معطيات العلوم والسُّنَنْ والقوانين الاجتماعية القطعية، واستطلاعات ومسوحات الرأي العام، والديمقراطية التشاورية والتشاركية، وليس اعتماداً على الوصفات النخبوية والجاهزة والجامدة، كما حدث مع البيروقراطية الاشتراكية!. 

هذا هو نظام البيروقراطية الفعالة والمستجيبة والمستديمة في العالم العربي في القرن الحادي والعشرين.