صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

قراءة في كتاب.. السياسة العامة: مدخل مقاصدي

تأليف: د. بسمة عبد الغفار

مراجعة: د. جمال الحمصي

تزايد الاهتمام منذ نهاية القرن العشرين بتوظيف المعرفة العلمية والبحث التجريبي في صنع السياسة العامة واتخاذ القرار الحكومي العقلاني، وقد تجلى هذا الاهتمام بتطوير ما يعرف بتحليل السياسة العامة Policy Analysis وبعلوم السياسة العامة .Policy Sciences لكن السياسات العامة حول العالم -في عصر ما بعد الحداثة- أصبحت موضع نقد وشكّ متزايدين في أهدافها وأدواتها التقليدية وانعكاساتها العملية على السعادة والعدالة البشرية- كما تُظهرها حالة العالم المعاصر بعد موت الاشتراكية واحتضار الرأسمالية. يشكل كتاب:

السياسة العامة: ما بعد الفقه التقليدي- مدخل مقاصدي

Public Policy beyond Traditional Jurisprudence- A Maqasid Approach 

الصادر في عام 2018 نقلة نوعية في مجال اهتمام الناشر وهو المعهد العالمي للفكر الاسلامي بالعلوم الاسلامية التطبيقية ومتعددة التخصصات، وتحديدأ تأصيل حقل “السياسة العامة” من منظور مقاصد الشريعة، مما يشكل “منطقة جديدة في الدراسات الاسلامية” حسب رأي المعهد.

الكتاب قيد المراجعة هو من تأليف د. بسمة عبد الغفار، وهي نائبة رئيس معهد المقاصد (مركز دراسات اسلامي مركزه بريطانيا)، واستشارية في مجال السياسات والحوكمة الإسلامية، وأخيراً هي عضو مؤسس لبرنامج ماجستير السياسة العامة في الإسلام في مؤسسة قطر المعروفة.

الكتاب (187 صفحة) نشر باللغة الانجليزية ويُعنى بصورة أساسية بدراسة مساهمة “المقاصد العامة” للشريعة الاسلامية في نظرية السياسة العامة وتطبيقاتها في الاسلام. 

قُسّم الكتاب الى سبعة فصول: الفصل الأول خُصص لمناقشة السياسة العامة في الاسلام من منظور مقاصدي، وغطى الفصل الثاني موضوع “المسلمون ومعضلات الحوكمة الرشيدة” في العصر الحديث بعيداً عن طبائع الاستبداد. الفصل الثالث ركز على الجذور التاريخية لدراسات المقاصد، في حين كان موضوع الفصل الرابع هو تحديات تأسيس علم أو تخصص جديد. 

وفي حين تناول الفصل الخامس موضوع حقوق الانسان كمكون أساسي للمقاصد والحوكمة العامة، فقد عالج الفصل السادس أخلاقيات الحوكمة والسياسة العامة في الاسلام. الفصل السابع والأخير ختم الكتاب بتقصي الدروس السابقة والامكانيات المستقبلية من خلال النظر الى السياسة العامة في الاسلام كعملية اصلاح وتجديد.

الكتاب رغم تقديمه أفكاراً أولية قابلة للتطوير -باعتراف الكاتبة- فانه بلاشك يغطي فجوة هامة في موضوعاته، في ضوء النقص الواضح في الكتب التي تتناول السياسة العامة من منظور اسلامي. ومن الدراسات الهامة أيضاً بذات الموضوع، دراسة كل من رحمتنا كاسري وحبيب أحمد: تقييم التنمية الاقتصادية والاجتماعية اعتماداً على مبادئ المقاصد الشرعية (مجلة دراسات الاقتصاد الاسلامي: 2015) باللغة الانجليزية أيضاً.

وفي معرض تقييم الكتاب قيد المراجعة، فاني – وبغرض الاختصار- سأكز على موقع المقاصد العامة ضمن منظومة القيم الاسلامية. وبهذا الخصوص، أرى بأن معنى مقاصد الشريعة العامة يجب أن يكون واضحاً من زاوية معينة على الأقل: الأهداف والغايات العليا والأولويات الأساسية للشريعة كما تحددها مجموع النصوص القطعية، بما فيها السنن الاجتماعية الالهية، وليس مجموع التفضيلات الشخصية للأفراد بالضرورة. 

وتشمل المقاصد العامة الكبرى تقليدياً: حفظ الدين والنفس والعقل (كالتقدم التقني) والمال (التنمية الاقتصادية التشاركية والمستدامة والأخلاقية) والنسل (حماية الأسرة ودعمها). واية سياسة عامة يثبت العلم التجريبي انها تساهم بعلاقة سببية في تحقيق هذه المقاصد الخمسة المعتبرة تكون “مبررة” شرعاً، خصوصاً اذا كانت ضرورية وكلية وقطعية. لكن يمكن -حسب رأي العلامة د. القرضاوي وغيره- توسيع القائمة التقليدية، لتشمل حفظ البيئة وحفظ الكرامة البشرية ومنع الفساد، مع الحرص والابتعاد عن مقاصد ومفاهيم: خلافية بالضرورة (مثل “التقدم” و”التنمية”) أو حمّالة أوجه (مثل “الحرية” و”المصلحة العامة”) أو حتى وهمية (مثال: الاشتراكية في الستينيات!). 

فلا سياسة عامة عقلانية دون غاية عليا جوهرية أو حقيقية، لكن الغايات الجوهرية والنهائية (العقلانية الجوهرية) لا يمكن اشتقاقها منطقياً من خلال اللجوء الى الأدلة المنطقية والحقائق التجريبية فحسب، وهذا للعلم ما يراه المذهب الوضعيPositivism العتيد وتؤكده ما يُعرف ب”المغالطة الطبيعية” في فلسفة الأخلاق الغربية. 

الكتاب، ولأسباب معروفة ومهمة، ركّز على دور الشورى (أو العقلانية التواصلية Communicative Rationality حسب الفكر الديمقراطي الحديث) كمؤسسة مجتمعية رئيسية في الحوكمة العامة وصنع السياسة العامة واتخاذ القرارات الجماعية. الشورى هي مبدأ قرآني محوري في النظرية الاسلامية للسياسة العامة، وتنسجم مع قانون “التدافع المشترك” في علم القرآن التنموي، وهي للعلم تنسجم مع الفكر السياسي الغربي الحديث الذي ينكر العصمة والعقلانية المطلقة، ويرى بأن السياسة العامة المثلى هي حصيلة التعديل المشترك للفرقاء Partisan Mutual Adjustment.

لكن المجتمع ونظامه العام يحتاج أيضاً الى “خير مشترك موضوعي” وقيم قطعية متفق عليها (أنظر مقال الكاتب: لماذا يجب أن نقلق من “القلق”؟). وبالتالي، فان الشورى هامة لكن تكون ضمن نطاق القضايا خارج “أم الكتاب” وقطعياته أو فيما فيه نصوصاً ظنية أو متشابهة. فالمقاصد العامة، مهما ظُنّ انها قطعية، ينبغي ان لا تعارض نصوصاً قطعية الدلالة والثبوت غير قابلة للتخصيص أو التقييد أو الاستثناء بالضرورة المؤكدة، ولا ان تعارض اجماعاً. أي ان تخصيص النص القطعي بالمصلحة لا يعتمد على التشهي.

الكتاب يركز على النهج التشاوري والاصلاحي في صنع السياسة العامة، وهذا بلاشك نهج مطلوب في “منطقة الظنيات” وهي للعلم منطقة رحبة وأوسع مما يعتقد البعض. لكن الكتاب يتجاهل مناهج أخرى مكملة، كنهج السنن القرآنية العالمية والمطردة والقطعية، ونهج اقتصاديات الرفاه (انظر: الكفاءة في الاقتصاد الاسلامي: مدخل اسلامي لاقتصاديات الرفاه- رسالة ماجستير لكاتب المقال)، والنهج العقلاني في التخطيط والسياسة العامة الذي يفترض توفر غايات محددة وموضوعية و”معطاة” (العقلانية الأداتية). وكافة هذه الملاحظات وغيرها لا تقلل من أهمية الكتاب بل تكمله.