صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

الحرية المشوّهة بقلم: نايف معلا

شوهوا الحرية، جعلوها وسيلة لا غاية، بل دعاية، بل غواية! صيّروها شعاراً تستتر خلفه الأهواء، ظلاماً تحجبه الأضواء! حسبهم أنهم جعلوا الخيانة دليلها، فصار الخائن حراً، والوفاء نقيضها، فصار الوفي عبداً! عرفوها ألف «تخريف»، وهي بكل بساطة: «أن تملك ذاتك»!

من أكثر المفاهيم تعرضاً للتشويه في ساحة التدافع الأيديولوجي والسياسي مفهوم «الحرية» التي هي حق من حقوق الإنسان الأساسية، فكل حزبٍ يعرّفها بما ينسجم مع أجنداته وأدواته وغاياته، ولم يقف التشويه عند هذا الحد، بل إن كل حزب أو جماعة بات يصم مناوئيه من الحكومات والأحزاب والجماعات أو المواطنين الذين يأبون الاصطفاف إلى جانبه أو التمرد على نُظمهم، بنقيضها التي هي «العبودية» وفق منظوره المؤدلج أو المسيّس أو وفق أهوائه في كل الأحوال. وكل حزب بما لديهم «فرحون»!

هذا المسلك الذي أصبح منهجاً في خطابات تلك الأحزاب السياسية والأديولوجية كأنما يعيد للأذهان رئيس الولايات المتحدة الأسبق جورج دبليو بوش عندما قال: «من لم يكن معنا فهو ضدنا»، فهؤلاء كأنما يقولون «إن لم تكن معنا فأنت لست حراً»!

 نصبوا أنفسهم أوصياء على الحرية، فباتوا يهبون صكوكها -حصراً – لمنتسبي أحزابهم وجماعاتهم وأتباعهم والمتعاطفين معهم، ويحجبونها عن كل من يقف ضدهم أو حتى يختلف معهم في الرأي! وهذا شكل من أشكال قمع الحرية، فالقمع ليس دائماً يكون بالحديد والنار أو من خلال السلطة السياسية، بل يمتد ليشمل طيفاً واسعاً من الأشكال والصور ومنها ما يأتي مغلفاً بحرية التعبير، مثل الوصم، والتحريض، والاستعداء، وخطاب الكراهية ونحو ذلك! ويكون أشد عندما يصدر من سلطة ثقافية أو اجتماعية، وهو ما تمارسه تلك الأحزاب والجماعات.

وكثيراً ما خضع مفهوم الحرية لآفة «ازدواجية المعايير» عند أولئك وأضرابهم، ويُرى ذلك جلياً عند جماعة الإخوان المسلمين، إذْ تجد رموزهم والمنتمين إليهم أو المتعاطفين معهم، يضعون الوطنية أو المواطنة في سياق مناقضٍ للحرية، ويصمونها بالعبودية في الدول التي لم يجدوا فيها منفذاً إلى سدة الرئاسة أو السيطرة أو على الأقل مأوى للهم، مثل السعودية والإمارات والبحرين، ومصر بعد سقوط الحكم الإخواني، في حين أنهم يستبعدون هذا المنظور كلياً بالنسبة لتركيا وقطر وربما تونس! ويعودون إلى القيم الدينية والثقافية التي توجب الولاء، والسمع والطاعة لأولي الأمر، وتحرم الخروج عليهم، وتحث على المواطنة الحقة! وبتعبير أوضح: عندما تكون معارضاً سعودياً أو إماراتياً أو مصرياً فأنت حرٌ عندهم، أما أن تكون معارضاً تركياً أو قطرياً فأنت عميل وخائن وخارج ونحو ذلك من النعوت المنفرة!

أنت أيها المفكر أو المثقف أو المواطن، حرٌ طالما أنك تملك ذاتك، واختياراتك، وقراراتك! ولا يقدح في حريتك حبك لوطنك وولاؤك لقادته وتقديرك لمسؤوليه ومواطنيه المخلصين، إن هي إلا فريةٌ افتراها الناقمون على وطنك، المتربصون به، الطامعون في السلطة، الذين هم أبعد ما يكون عن الحرية، فهم عبيد أهوائهم ورغباتهم المريضة، بل إن منهم من يتشدق بالحرية ليل نهار، وهو يقدم فروض العبودية لمُرشده أو ولي نعمته!

زعم بعضهم أنهم تركوا أوطانهم للحصول على هامشٍ من الحرية، فما لبثوا حتى أصبحوا دُمى ناطقةً تحركها أيدٍ (جليّة) ضد قيمهم، وثقافاتهم، وأوطانهم! ينتقدون كل شيء في الدنيا إلا من استقدمهم أو قدموا إليه، والمُضحك أنهم كلما شنعوا أو انتقدوا منهجاً أو سلوكاً، وجدوه حاضراً عند رموزهم أو مستضيفيهم، فمثلاً جماعة قطر (الإخوان، اليساريين…) يشنعون إسقاط نظام الإخوان في مصر ويصمونه بالانقلاب، وهم في بلد شهد انقلاب ابن على أبيه! يقول راشد الغنوشي وهو أحد رموز الإخوان: «إن الذي يأتي بالانقلاب لا ينبغي تصديقه لأنه لص!»، فماذا يُسمى الذي انقلب على أبيه؟ لصٌ وعاق!الحياة