صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

البلاد لم تخرج بعد من حالة الليبرالية الجديدة

           تقرير حالة البلاد الذي صدر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي يكشف عن جهد كبير قامت به مجموعة  خبراء من أبناء هذا الوطن ، يُشكرون على هذا الإنجاز الذي يشكل مبادرة من المجلس لاصدار تقارير سنوية   مماثلة  ، من شانها ان تضع الادارة العامة للبلاد  تحت المجهر . واجد في هذا التقرير الصادر ، فرصة ، ليس فقط  لتعميم الوعي ونشر المعلومات حول أنشطة الدولة ، انما  للبحث في السياسات التي اوصلت البلد الى هذه  الحالة من العجز والتدهور والفشل على المحاور المتعددة ، السياسية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية  والاجتماعية الخ  .
    —————-
     يركز التقرير على دراسة حالة البلاد بين عامي ٢٠١١ و ٢٠١٨ مع ايجاز مختصر عن المراحل التي سبقت هذه الفترة ، خاصة تلك الممتدة من مطلع الألفية وحتى عام ٢٠٠٨ عندما وقعت الازمة المالية العالمية الكبرى ، وهي المرحلة التي اطلق عليها محليا وعالميا بحقبة الليبرالية الجديدة .
     في هذا الإيجاز يشيد التقرير  بما وصفه بالمرحلة الثالثة بين عامي ٢٠٠٤ و ٢٠٠٦ ، وهي مرحلة ( البرنامج التنفيذي ) لليبرالية الجديدة التي سيطر  رجالاتها ، بالفكر  والقرار والإدارة ، على السياسة الاقتصادية والاستثمارية والمالية للحكومات  ، حيث يُثني ، عند استعراضه لمراحل الاقتصاد الوطني ، على  ما وصفه بمسيرة الاصلاح في تلك السنوات وعلى برنامجها  الاقتصادي والاجتماعي  الذي ” انعكست محصلته في عمق الاقتصاد خلال المرحلة الثالثة بمعدلات نمو بلغت ٨٪‏ وهو معدل يفوق تلك المتحققة لدول الشرق الأوسط وشمال افريقيا ” آنذاك .  لم يشر التقرير الى ان ارتفاع معدلات النمو هذه كانت بسبب سياسات الخصخصة غير المدروسة التي تعنونت  ببيع أصول  القطاع العام في الاقتصاد الوطني  الى حد تسليع الارض وتجريد البلاد من مواردها الاساسية ، خاصة اسهم  الشركات الكبرى مثل الفوسفات والبوتاس . الى جانب التخلص من الصناديق الإدخارية بما في ذلك رصيد ” صندوق الأجيال ” ، اما سياسة جذب الاستثمارات الاجنبية فقد كشفت عن فشل اداري صارخ اسقط من حساباته (التكلفة والعائد ) فتحولت اغلب مشاريعه ، الى ارقام مديونية داخلية وخارجية اثقلت كاهل الموازنة العامة الى زمن غير معلوم ، وشواهد هذا الفشل أطلالها المتمثلة  ( بابراج السادس ، العبدلي ، مشاريع العقبة ، والقرية الملكية  الخ ).
    – يتجاهل التقرير حقيقة ان البلاد لم تخرج حتى اليوم من مرحلة الليبرالية الجديدة بفكرها وإدارتها . وبأنه ومنذ عام ٢٠٠٨ فان كل ما تقوم  به الحكومات المتعاقبة هو وضع حلول للخروج من الحصاد السيء لمرحلة الليبرالية المذكورة ، خاصة عبء المديونية وعجز الموازنة ونضوب موارد الاقتصاد الوطني ، وتركزت هذه الحلول الحكومية ولا تزال على (تحميل المواطنين الأبرياء كلفة فشل الليبرالية الجديدة ) برفع الضرائب التي كسرت ظهر القطاع الخاص ، وأثقلت ميزانية المواطن ، ورفعت معدلات البطالة ، و قطعت دابر الاستثمار ،واوقفت عجلة التنمية  ، وأصبح الرقم المتداول في ميدان العمالة والتوظيف هو : عدد الذين يفقدون ، شهريا ، وظائفهم بسبب تردى الأوضاع الاقتصادية في القطاع الخاص . 
   –  ينطلق التقرير في سياق رؤيته لحالة البلاد في السنوات الثمانية الاخيرة من نفس الفكر الذي اقحم الليبراليون البلاد فيه خلال الفترة الاولى بين عامي ٢٠٠٢ و ٢٠٠٨ وذلك في سياق تقييمه لما سمي بالاصلاح ، وكان من الموضوعية ، ان يضع المجلس اولا معاييره ومفاهيمه الخاصة للإصلاح الحقيقي ، ثم ينطلق منها لتقييم السياسات التي قادت الى ما هي عليه حالة البلاد . وان يقف موقف مراجعة نقدية  لتلك الفترة ، السابقة واللاحقة ل ٢٠١١ ، تستند الى المفاهيم الإصلاحية بمقاييسها الديموقراطية الدولية ، وليس الى مقاييس ومعايير النهج القائم منذ عام ٢٠١٢ الذي ادار الظهر للارادة الشعبية في عام ٢٠١١ المتمثّلة بمقررات لجنة الحوار الوطني .
 –  لا يمكن فصل حالة البلاد في السنوات الثمانية الماضية الاخيرة عنها في العقد الاول من هذه الألفية ، لان كل هذا الفشل والتردي في اداء القطاع العام يأتي بعد جبهة واسعة من ( الاصلاحات ) السياسية والاقتصادية والإدارية قادها الليبراليون الجدد منذ عام ٢٠٠٤ الى عام ٢٠٠٨ ، من خلال المنتديات والخلوات والهيئات الموازية للوزارات واستئجار المؤسسات الاجنبية بدعوى اصلاح القطاع العام ، وازالة الموانع والحواجز القانونية والإدارية التي كانت تحكم قرارات القطاع وتوفر الحصانة ضد الهدر والفساد والرشوة .
   – ولم يعطي التقرير الاهتمام الكافي في تأثير مرحلة الليبرالية على الحالة الاجتماعية وما حملته قراراتها الاقتصادية من اثار سيئة نتيجة ظهور الفساد بشكل غير مسبوق ، وارتفاع مستويات الفقر التي أدت الى البطالة وتزايد بيئات العنف والجريمة التي أصبحت اليوم مصدر قلق أمني للدولة والمجتمع .
– لم تخرج البلاد بعد من مرحلة الليبرالية الجديدة ولا من اثارها السيئة المتفاقمة ، واخطر هذه الاثار هي ١- الفساد الذي افشى  حالة متفاقمة من عدم الثقة بين الاردنيين وحكوماتهم . ٢- تململ المجتمع وتحوله الى بؤر من التوتر الذي يؤدي الى اثار سيئة على الاقتصاد والاستثمار والتنمية الخ . لم تساهم السياسات الاقتصادية  لليبرالية في تلك المرحلة المتقدمة في العناية بالشرائح الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة وتقوية الروابط الاجتماعية ، ولم توفر العدالة في التوظيف والتنافس على الوظائف ، وهو ما أحدث شرخاً في عمق العمل العام واخل بأخلاقيات الواجب الوظيفي في موسسات القطاع العام . أدى انتشار المؤسسات الموازية وبرواتب عالية تمثل أضعاف ما يحصل عليه  منافسيهم بالقطاع العام الى انهيارات اجتماعية ونفسية ، خاصة وان الواسطة قادت صفوفا من أنصار الليبرالية من خارج القطاع العام الى مواقع القرار واحتلال المناصب العليا مع امتيازات مادية غير مسبوقة وواضحة للعيان .
– ينتهي كل فصل من فصول التقرير المتعلق بمؤسسات القطاع العام باقتراحات للإصلاح ، وهو ما يذكرنا بجملة الإصلاحات التي انهالت على مؤسسات القطاع العام حتى عام ٢٠٠٨ ، واستقدم من اجلها مؤسسات اجنبية مُنحت الملايين  من المال العام وحصل أفرادها على رواتب بعشرات الاف الدولارات باسم اصلاح القطاع العام ، والنتيجة ان كل هذا التدهور الحاصل اليوم في الادارة كما في الاقتصاد والتعليم هو ثمرة إصلاحات نزلت على الادارة والمجتمع بالبرشوت . لقد ادخلت وصفات واصطلاحات صادرة عن ( المنتديات واللجان والخلوات  ، والبرزنتيشن الذي امتهنه المتسلقون من اجل تجاوز مسألة تساوي الفرص ، ) حالة من الازدواجية والارتباك في الادارة العامة التي شهدت مدراء ومسؤولين لا يميزون بين النظام والقانون ،  لقد صممت المؤسسات والقرارات لخدمة عمليات خصخصة واستثمار خالفت تقاليد الادارة الاردنية التي كانت تتلقى الاشادة بتقاليدها وحرصها ونظافتها .
– ينطلق التقرير على قاعدة ان ما يجري في البلاد منذ ٨ سنوات هو عملية (اصلاح ) سياسي واقتصادي ودستوري وإعلامي ، وفِي معرض تقييمه لاستراتيجيات هذا الاصلاح يتحدث عن النسب في تطبيق بنود هذه الاستراتيجيات داعيا الى استكمال ما تبقى من بنود ، والواقع ان كل ما جرى من إصلاحات في هذه السنوات هو امتداد للنهج ذاته ، نهج الليبرالية الجديدة الذي قاد الى الربيع الأردني والى جميع الاحتجاجات والتوترات التي تواصلت وتعمقت في الساحة الوطنية وصولا الى وقفة الدوار الرابع . هذا النهج الليبرالي الذي يسمى اصلاحا ، هو في الواقع انقلاب على  الإرادة الشعبية ، المتمثلة بقرارات لجنة الحوار الوطني التي رأسها طاهر المصري ، والتي وضعت القواعد لنهج اصلاحي جديد لو استمر لكانت البلاد امام فرصة جادة لمعالجة الاثار الخطيرة لمرحلة ما قبل عام ٢٠٠٨ .
    –   يعتبر التقرير ان التعديلات الدستورية التي جرت في عامي ٢٠١٢ و٢٠١٤ قد جاءت تنفيذا لتوصيات لجنة الحوار والحقيقة انها جاءت مناقضة لها تماما ، فتوصية اللجنة كانت ” بتعديلات دستورية لتطوير قانوني الانتخاب والأحزاب تسهم في إستقلالية السلطات الدستورية  ”  بينما أدت التعديلات الدستورية التي تحققت الى الابتعاد كثيرا عن مسألة تعزيز استقلال السلطات ، فيما اعتبرها التقرير تنفيذا لتوصيات لجنة الحوار ” ٨ توجهات نفذت معظمها جاءت في التعديلات الدستورية ”  .
         ويعتبر التقرير ان ما نفذ من الاستراتيجية الإعلامية( ٢٠١١ ) هو ما نسبته كذا اي انه يعتبر  ان ما حصل بعدها من تعديلات على قانون المطبوعات وقانون الجرائم الالكترونية يأتي في باب أهداف الاستراتيجية  ، وفِي الواقع ، ما جرى من قوانين وتعديلاتها هو نسف لهدف وروح الاستراتيجية  التي  قامت على معادلة المسؤولية والحرية . ما فعلته الحكومات منذ صدورها هو إصدار القوانين التي تشدد القبضة القمعية على الحريات تحت بند المسؤولية ، بينما تجاهلت تماما  التوصيات المتعلقة  بالحريات في الاستراتيجية الإعلامية . في كلتا الحالتين ( لجنة الحوار والاستراتيجية الإعلامية ) وفي غيرهما من خلاصات وتوصيات في مجال سنوات تقرير حالات البلاد، ظهر من الدلائل والشواهد ما يكفي للاستنتاج بان النهج القائم منذ تجاهل مقررات لجنة الحوار الوطني هو استمرار لنهج عام ٢٠٠٢ ( الذي من منجزاته انتخابات ٢٠٠٧ النيابية التي جرت في ظل تزوير صارخ ومعيب )  وهو نهج لا يستحق وصف الاصلاح ، انه انقلاب على الاصلاح الحقيقي الديموقراطي الذي تحفظه الجماهير الاردنية عن ظهر قلب .
   الخلاصة : 
———
    حالة البلاد لا تحتاج الى الف صفحة ، تحتاج الى بضع اسطر فقط مفادها : بان حالة البلاد وما هو حاصل من تدهور في جميع المجالات يقتضى الخروج من نهج الليبرالية الجديدة  الذي اضعف حماية المجتمع الأردني من البطالة والتوترات ، وأهمل مصالحه في مجمل سياساته الاقتصادية  ، وبدد موارده الوطنية عندما حرمه  من ” قرشه الأبيض في يومه الاسود ”  ،  نهج  حمّل الاردنيين  اعباء اخطائه ومغامراته وسياساته الخاطئة فأهلكهم  بالمديونية والضرائب وزرع  بين صفوف شبابهم  الغضب ومشاعر اليأس  من المستقبل . 
    حالة البلاد ليست بحاجة الى استراتيجيات من نفس النهج والفكر المشار اليه  ، انما هي بحاجة اولا وثانيا وعاشراً الى نهج جديد في ادارة الدولة يفتح أبواب الأمل امام شعب بات اكثر شعاراته تداولا وإجماعا ، خاصة بين الفئة الشبابية ، هو المطالبة ب ( تغيير النهج ).