صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

الوقاية واليقين الاقتصادي

الوقاية ستبقى الأساس في التعامل مع كافة الأزمات المنظورة، والمتوقعة، بل والمُتنَبّأ بها

سبق الحديث هنا حول إصرار العديد من المحللين والجهات العالمية، وأحياناً المحلية، بأزمة مالية اقتصادية قادمة لا محالة هذا العام. وقد أسمتها بعض المنابر العالمية، بما في ذلك المنتدى الاقتصادي العالمي، أزمة مكتملة العناصر.

وبالرغم من ذلك، فإنَّ الوقاية ستبقى الأساس في التعامل مع كافة الأزمات المنظورة، والمتوقعة، بل والمُتنَبّأ بها. نعم قد يكون هناك أزمة اقتصادية، وقد يكون اليقين بذلك في ازدياد مستمر، نظراً لأنَّ العديد من الجهات والتوقعات، بل والأبواق، تُصرُّ على ذلك.

وفي العرف والتطبيق الاقتصادي، فإنَّ التوقعات السلبية المستمرة تجعل الفاعلين الاقتصاديين يتجهون إلى التعامل مع تلك التوقعات كواقع حتمي، وكيقين لا بدَّ من تحقيقه. هذه الحالة تدعو بالضرورة إلى وضع برامج وقاية وطنية تساعد على التعامل مع الإرهاصات التي بدأ البعض يشير إلى أنها مؤشرات على الأزمة المالية العالمية القادمة؛ فصندوق النقد الدولي أعاد حسابته حول توقُّعات النمو العالمي للعام الحالي بتخفيضها من 3.9% إلى 3.7%، ودور الخبرة العالمية الخاصة بتصنيف الأزمات والدول، باتت تراجع تصنيفها لوضع الاقتصاد العالمي بشكل سلبي، والأسواق المالية، وأسواق النفط، باتت تتقلب بشكل متذبذب يدعو إلى الإيمان بأنَّ الأزمة متحققة لا محالة.

وأخيراً وليس آخراً، بدأت تشهد معدلات النمو في الدول الأكثر نمواً في العالم، مثل الصين والهند، تباطؤاً نسبياً، وإن كان قليلاً نسبياً. الإشارات أنَّ الأزمة القادمة موسومة بتأثر الدول الكبرى بتبعات عدم معالجة الأزمة السابقة بشكل جوهري، والاكتفاء بسياسات جمَّلتْ الوضع، ولم تُصحح أو تعالج الأسباب، وبالتالي فإنَّ الأزمة يُتوقع لها أن تكون مالية بحتة.

في البداية ستتأثر بها البنوك العالمية، والمستثمرين الماليين العالميين، والدائنين حول العالم، بعد أن أصبحت المديونية العالمية تصل إلى نحو 225% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يعني استحالة التسديد دون حزمة من برامج تخفيض المديونية، وجدولتها، والإعفاء منها، وأخذ مخصصات كبيرة لها. أي أنَّ الحلول القادمة عبر الأزمة ستتطلب تخفيضات في أسعار صرف بعض العملات، ومواجهات مالية عالمية في مجال العملات وخاصة الدولار، وخسائر كبرى للدائنين، ما يتطلَّب شطب مديونيات، وزيادة مخصَّصات الديون، واختفاء مؤسَّسات مصرفية عالمية كُبرى نتيجة ذلك. بيد أنَّ ما يزيد الطين بِلّة هو الإصرار على الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، هذا الإصرار قد يعصف بفكر تحرير التجارة لصالح العودة إلى الحماية التجارية، وقد يكون ذلك فصلٌ آخر من فصول تأثر الدولار، ليس على مستوى السوق المالية العالمية في اليورودولار أو البترودولار فحسب، بل على مستوى القوة التوازنية التعادلية للدولار في سوق التجارة العالمية.

الشاهد من كل ذلك أنَّ اللجوء إلى الرُّشْد والعقلانية الاقتصادية يحتّم البدء بخطوات محلية تساعد على مرور العاصفة الاقتصادية القادمة دون أثر جوهري كبير في الاقتصاد الوطني.

الخطوات الإيجابية المهمَّة التي قامت بها الحكومة مؤخراً، وعزَّزها دعم جلالة الملك، في الاتجاه إلى العراق، وفي توقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية، خطوة مهمة ومحورية في مواجهة ما هو قادم. بيد أنَّ الأمل أن يكون ذلك ضمن إجراءات متكاملة لدراسة وقائية اقتصادية لما هو مطلوب لمواجهة أزمة اقتصادية كبيرة قد تعصف بالعالم، ويأتي أثرها من عدة جبهات، سواء على صعيد الأسواق التقليدية للصناعة، أو على صعيد الشركاء الرئيسون للتجارة والصناعة الأردنية، أو على صعيد السياحة والأفواج السياحية، أو على صعيد تأثر الدولار بصدمات الأزمة التي يصر المستنبطون أنَّ قدومها لا مندوحة منه، وأن آثارها لن توفر أحداً. الأزمات تولد الفرص، ولكن فقط لمن يكون مستعداً لها، ضمن سياسات وقائية وسيناريوهات تحدِّد أوجه الاستفادة من جهة، وسبل تجنب الآثار من جهة أخرى.