صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

ألعشائرية ومحاربة الفساد

العشائرية هي الرادع الأكبر، بعد مخافة الله، ضد الفساد... فهي تجذر منظومة قيم الرجولة والشهامة وعزة النفس والكبرياء والكرم والعطاء والإيثار والتضحية، وهي جميعها معاكسة تماما لمفاهيم الإنتهازية والجبن والنرجسية والأخذ وامتهان حقوق الآخرين التي ترتكز عليها منظومة الفساد...

خطَطْتُ خاطرتي هذه قبل أسابيع، لكني آثرت عدم نشرها حينها… لقناعتي بأن المشاعر الجياشة والمشحونة لدرجة الإشباع والتي كانت تسيطر على الأجواء، ستجعل من أي محاولة لتقديم طرح موضوعي محايد محاولة عبثية، من المقدِم والمقدَم إليه، بحيث ستلقى على الأغلب الغضب والإستياء من كافة أطراف المعادلة دون استثناء… وهي حقيقة أطراف تشكل جميعها نسيجا وطنيا واحدا متكاملا لا يتجزأ، تتفق كافة مكوناته على الغايات والأهداف الوطنية والاستراتيجات وإن اختلفت على بعض الممارسات … شعب اكتوى بنيران الفساد طوال عقود ومتعطش ليرى محاسبة جدية للفاسدين من جهة، ومكون رئيس فيه، عشائر أردنية أصيلة، وطنية حتى النخاع، شعر أبناؤها بالضيم والغبن لما أحسوا أنه نهج انتقائي وغير شمولي ومجيش إعلاميا جاء على حساب بعض أبنائها من جهة أخرى. 

في هذا الحديث وأي حديث وعمل فإن لنا في شرعة الله وسنة نبيه الكريم السند والأساس والمنطلق والحجة، حيث قال الله في محكم كتابه:”ولا تبغِ الفسادَ في الأرضِ، إن اللهَ لا يحبُ المُفسدين”، وقال جل جلاله:”واجتنبوا كَثيرا من الظنِ، إن بعضَ الظنِ إثم”… وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَد، وَأيْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا” وقال عليه أفضل الصلاة والتسليم: “مَن بطَّأ به عملُه، لم يسرعْ به نَسبُه”… صدق رسول الله…

أفتخر وأعتز أيما افتخار واعتزاز بوطني… وطن الأحرار… مهد الأنبياء والمرسلين…وطن الثرى الطاهر الذي يضم بين جنباته رفات الصحابة الأطهار… وطن الزيتون والدحنون… وطن القيادة الهاشمية الحكيمة، صمام أمانه… وطن يلتحم فيه تاريخه الأغر مع جغرافياته…. فاكتسب شعبه الواعي المثقف والمتعلم من تاريخ وطنه اصالته وعراقته ومن تضاريس جباله شموخه وكبرياءه ومن هضابه الساحرة شجاعتة وجرأته على قول الحق وفعله، ومن انبساط سهوله إنفتاحه وتقبله للرأي الآخر، مهما بلغت قسوته، ومن وديانه الخلابة جمال روحه وطيبة قلبه، ومن صحرائه الأخاذة كرمه وشهامتة ونقاء سريرته… 

كما أفتخر وأعتز أيما افتخار واعتزاز بأني إبن عشيرة تضرب بجذورها أعماق الأرض وتعانق بفروعها عنان السماء… عشيرة ساهمت، كغيرها من عشائر وطني، ومن خلال رجالاتها المثقفين الواعين، بتأسيس الوطن وتحقيق استقلاله وبنائه والحفاظ على استقراره وأمنه وأمانه… أعتز بأني أنتمي لعشيرة قام زعيمها، سالم باشا الهنداوي، في عام 1946، وزملاءه الخمسة عشر أعضاء المجلس التشريعي الخامس ، بإعلان استقلال المملكة، وقام بعدها ورفاقه الثلاثة في المجلس، وزعماء عشائر الوطن في ذلك الوقت، ماجد باشا العدوان ومعارك باشا المجالية وحمد باشا بن جازي، بمبايعة أمير البلاد عبد الله بن الحسين، نيابة عن الشعب، ملكا للمملكة الوليدة…

أفتخر بأني أنتمي لعشيرة نبراسها الذي يهتدي به رجالاتها وشبابها،كغيرها من عشائر الوطن، مخافة الله ومن ثم حب الوطن والأمة والشرف والإستقامة والنزاهة. زعماؤها زعماء وطن لا يخشون في الله، ومنثم الوطن، لومة لائم. يقولون الحق ويمارسونه مهما بلغت الصعوبات والتحديات والضغوطات، لا يرجون من وراء ذلك سوى مرضاة الله وخدمة الوطن وشعبه وقيادته وراحة ضمائرهم. لا يسعون فيهإ إشادة أومكسبا، ولا يخشون فيه تهديدا أو وعيدا. فإذا وضعت مبادئهم ومنظومة القيم التي ينتمون إليها، والتي تستند على مخافة الله أولا والاستقامة والنزاهة والشرف والتي فطموا عليها ثانيا، تحت المحك، ظهرت معادنهم الأصيلة وبرقت في أحلك الظروف وأقساها. فهي عشيرة أنجبت قاسم بيك الهنداوي والذي كان أول وزير يستقيل في عهد الحكومات الأردنية عام 1934، وعندما كانت الحكومة مكونة من ستة أعضاء فقط، بسبب “فساد نهج الحكومة”، ولأنها كانت ” تسير مع الأهواء الخاصة وتبتعد عن المصالح الحقيقية للبلاد” كما أعلن في خطاب استقالتة الموجه لرئيسها إبراهيم هاشم. أفتخربأني إبن عشير أنجبت ذوقان الهنداوي الذي خدم وطنه وشعبه وقائده بكل أمانة وشرف لأكثر من أربع عقود من الزمن، ولكن عندما رأى بأن النهج بدأ يسير في اتجاه يخالف مبادئه ومنظومة قيمه التي ورثها وتربى عليها وعاش ممسكا على جمرها طوال حياته، إستقال عام 1994 تاركا النهج “الضبابي المنحرف عن جادة الصواب والذي لا يخدم مصلحة الوطن والأمة” لأصحابه. ورث عن أباه، أحد زعماء الوطن وشيخ العشيرة، ألاف الدونمات من ألأرض… وأورث ابناءه، بعد خدمة أربعة عقود في مواقع قيادية، خمسة أشجار زيتون وليمونة، وكنز لا ينضب من قيم الشرف والإستقامة والنزاهة والسمعة الطيبة. عشيرة أنجبت القاضي العادل عون الخصاونة الذي حاول جاهدا تفادي تبؤ المنصب الأول في الحكومة، وبكل ما أوتي من قوة، بالرغم من عرضه عليه لأكثر من مرة، ليقينه بما يمكن أن يمارسه هذا المنصب عليه من ضغوط للتنازل عن بعض من قيمه ومبادئه وما يؤمن به، ولكنه امتثل لرغبة قائده محبة منه له ورغبة منه في خدمة وطنه وشعبه. رغم كل ذلك، وعندما شعر بأن “ولايته العامة”، والتي تمكنه من تجاوز كل العثرات والعوائق التي غرست في طريق الإصلاح الوطني، منقوصة، آثر أن يغادر موقعه طوعا عام 2012 ولا يقبل بما يراه فسادا مستحكما في النهج… وغيرهم الكثير الكثير من زعماء ورجالات هذا الوطن…

تؤمن عشيرتي، كغيرها من عشائر الوطن، وكما يؤمن كافة أبناء الوطن الأوفياء المخلصين، بأن الوطن، أمنه وأمانه واستقراره، قيادته وشعبه وأرضه، إنما هو خط أحمر لا يسمح المساس به مهما بلغت التضحيات، وترفض الإستقواء عليه مهما شعر بعض أبنائها بوقوع الظلم عليها، فالوطن أكبر منا جميعا ولا عشيرة لفاسد إذا ثبت فساده، فإن دفعت ثورة غضب آنية بعض أبناء تلك العشائر لإظهارغضبهم من خلال ممارسات مرفوضة جملة وتفصيلا، تجد رجالات وشباب هذه العشائر بوطنيتهم الصادقة وحكمتهم أول من يقف ليتصدى لهكذا ممارسات ليوقفوها فورا ويعيدوا الأمور لجادة الصواب.

من ناحية أخرى فإن كل إنسان وطني غيور، عشائري كان أم غير عشائري، ليرفض الإنتقائية في اختيار قضايا فساد دون أخرى، ومتهمين للتحقيق معهم دون أخرين، وتغطية فترة زمنية محددة دون التفحص في الأمر منذ بدايته، كأنما يخال للوهلة الأولى بأن الأمر لا يعدو كونه البحث عن كبش فداء واستهدافا لحلقة نظر إليها أنها الأضعف، وهي ليست كذلك، حماية لحلقات فساد أكثر قوة ونفوذا واستحكاما. فالفساد في وطني لم يبدأ بقضية الدخان قبل أعوام قليلة. حتى هذه تحديدا فقد بدأت في العام 2006 وليس 2014، وقضايا الفساد عامة في وطني بدأت قبل أربعة عقود أوائل سبعينيات القرن الماضي بعطاءات الأدوية لوزارة الصحة ومنثم عطاءات الطرق لوزارة الأشغال العامة وأمانة عمان وفساد المنح والمساعدات الخارجية. يليها “شبهات” الفساد التي شابت أو ثبتت على قضايا التهرب الضريبي وبرنامج التحول الإقتصادي ومشاريع الخصخصة وفساد “أعطيات” بعض المتنفذين للمقربين (فساد أعطيات من لا يملك لمن لا يستحق) خلال العقدين الأخيرين. جميع المحركين لهذه القضايا معروفون لعامة الناس، وأغلبهم ليسوا من أبناء العشائر، ومنهم من أصبح لاحقا مديرا لأجهزة الأمنية أو وزيرا أو حتى رئيسا للوزراء…. 

كافة عشائر الوطن عشائر حية وحرة لا ترضى بتكميم الأفواه… فهي جميعها تثق بقضائنا العادل، وهي مع الكلمة الحرة الجريئة الصادقة لوجه الله تعالى وخدمة للوطن والشعب… ولكنها بنفس الوقت عشائر أبيه لا تقبل بالضيم ولا ترضى بالتجييش والتشهير الإعلامي بأي من أبنائها، وخاصة وإن شعرت بأن هكذا تجييش وتشهير لهو ممنهج وموجه وانتقائي، هدفه الأسمى التضحية بكبش فداء، من خلال تحويل “متهمين” إلى “مذنبين مدانيين” دون محاكمة من وجهة نظر شعب غاضب اكتوى بنيران الفساد طوال عقود ومتعطش لبدء محاربة جادة للفساد … فالإعلان عن بدء التحقيق مع متهمين وجهت لهم تهم فساد يجب أن يتم بطريقة مهنية تحمي حقوق كافة أطراف المعادلة، لا أن تتم بطريقة تهييج إعلامي فجة لتظهر الأمر وكأنه عملية القبض على “جناة مذنبين” وليس بدء التحقيق مع “متهمين”… ليس هذا فحسب، بل ويوصم من يمتعض ويرفض هذه الإدارة الإعلامية الخرقاء للموضوع بأنه مجرد “عشائري” يدافع عن الفساد!!!… وهذا أمر أبعد ما يكون عن الصواب… فالعشائرية هي الرادع الأكبر، بعد مخافة الله، ضد الفساد… فهي تجذر منظومة قيم الرجولة والشهامة وعزة النفس والكبرياء والكرم والعطاء والإيثار والتضحية، وهي جميعها معاكسة تماما لمفاهيم الإنتهازية والجبن والنرجسية والأخذ وامتهان حقوق الآخرين التي ترتكز عليها منظومة الفساد… ومن لم يردعه دينه أو خلقه بداية من التفكير في ممارسة الفساد بأشكاله المختلفه، فسيمنعه انتماءه العشائري ويردعه عنها، خوفا من أن يكشف فساده داخل عشيرته فيفقد أحترام أقرانه ومكانته فيها… ورغم ذلك فرجالات وأبناء العشائر، وإن كانوا مجبولين على القيم والأخلاقيات المرتكزة على مكافحة الفساد ليدركون كل الإدراك بأن أبن آدم غير معصوم عن الخطأ، وخير الخطائين، إذا ثبت عليهم الخطأ، لهم التوابون، ولكنهم يدركون ويؤمنون ايضا بأن أبسط قواعد ومباديء العدالة ترتكز على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وعليه فإن شيطنة المتهم والتعامل معه بأنه “مذنب حتى تثبت براءته” والسعي لتحطيم صورته ومكانته بين مجتمعه والتي سعى لبنائها بكل نزاهة واستقامة وشرف طوال عقود، وما لذلك من آثار معنوية مدمرة عليه وعلى أسرته وعشيرته، لهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا. 

ألحكومة مطالبة بأن تثبت للجميع بأن جهودها في محاربة الفساد إنما هي جهود جادة وشمولية وليس فيها انتقائية. يكون ذلك بتحويل كافة المتهمين في القضية الأخيرة للإدعاء العام، حتى ولو كان منهم وزراء ونواب حاليين أو سابقين، وبعد اتخاذ الإجراءات الدستورية لذلك… وفتح باقي ملفات الفساد الكبرى المتبقية على مصرعيها وبدء التحقيق فيها جميعا وبكل شفافية… كما يجب أن يتم أعادة النظر في المنظومة الإعلامية وآلية تعاطيها مع قضايا الفساد، بحيث تؤدي واجبها على أكمل وجه، وبنفس الوقت ترتقي بخطابها وتعزز من مهنيته وتحترم عقول وذكاء شعب واع ومثقف فلا تسعى للتجييش فتشيطن “متهم” في مرحلة التحقيق في حملة أشبه ما تكون لحملة “اصطياد سحرة”… وعشائر الوطن مطالبة، كما كان عهد الوطن بها دوما، بأن تبقى ممسكة على جمر حب الوطن ولا تنساق وراء العواطف والمشاعر الجياشة مهما بلغت التحديات والتضحيات وصعبت… فالوطن أكبر منا جميعا… يبقى هو “وطني وإن جار عليّ عزيزٌ… وأهلي إن ضنوا عليَ كرامُ”…

فلنتق الله جميعا فيه وطننا أحببناه جميعا من المهد إلى اللحد… وورثنا حبه أبا عن جد…

حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا…. وحماه شعبا وأرضا وقيادة…