صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

سياسات وضربات اقتصادية بقلم: محمد عياش

يقول مارتن لوثر كينغ إن أي أمة تواصل سنة بعد سنة إنفاق أموال على صناعة السلاح والدفاع العسكري أكثر مما تنفقه على النهوض والرفاه الاجتماعي، إنما تقترب من الموت الروحي.
حاولت واشنطن ولندن أن تقدما نموذجا فريدا من نوعه في الحياة الاجتماعية الذي بدأ يتلاشى، مع كثرة الأعداء والمتربصين، ممن سببتا الكثير لهم من المآسي والكوارث. .. وحتمية الأشياء المتوقعة والمرتقبة بالنسبة للإمبراطوريات أنها إلى زوال، مهما طال بها الزمان. واليوم إحداها تسقط تدريجياً، ومؤكّد أن ذلك سينسحب على الشريك الاستراتيجي، لما لهم من التشابه في السلوك والتخطيط والتنظيم والرؤية المغايرة للعالم.
منذ عهد مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان، والعالم يحكمه تحالف أميركي بريطاني، أطلق عليه مدير تحرير وكالة بلومبرغ للأنباء، جون ميكلثويت، اسم “أنغلوسفير”. لكن بعد مرور أربعين عاماً، وهي غمضة عين بمقياس التاريخ، تبدو هذه الهيمنة كأنها بدأت في التلاشي والانحسار، بسبب السياسات الدوغمائية العدائية لمعظم سكان الأرض، والمحاولات الحثيثة لاستمرار الهيمنة والسيطرة على العالم، وفشلهما في تعزيز الجبهة الداخلية.
توالت الضربات القاصمة عام 2016 مع النتائج الصادمة لاستفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب الرئيس دونالد ترامب، وكلاهما شكل منعطفاً دراماتيكياً بعيداً عن رؤية العالم التي حدّدت معالم الشراكة. وربما وجدت دول أخرى أن “الأنغلوسفير” متخماً أو مدمراً، وربما هناك من يشعر بالشماتة. لكن ميكلثويت جادل بأن “الأنغلوسفير” قد عادت عليهم بالنفع أيضاً، وأن مشكلاته ليست بهذه الضخامة.
دلائل وإشارات كثيرة تدعو إلى التفاؤل، مهما كانت ضآلتها، حيث يفيد ميكلثويت بأن نفوذ “الأنغلوسفير” عميق ومتسع يتخطى حجم لندن وواشنطن. وحتى في هذه المدن، هناك من عاد إلى صوابه، فها قد انشق 11 عضواً برلمانياً بريطانياً عن أحزابهم ليشكلوا تحالفاً وسطياً صغيراً للدفاع عن تلك الأفكار البديهية، لمنع الاندفاع صوب منحدر بريكست.
وفي السياق نفسه، يكتب الكاتب نوح سميث: “هنا في المستعمرات، لا يزال التدهور ملحوظاً وستراه جلياً إن قُدت سيارتك عبر جسر أو ركبت قطاراً متجهاً إلى نيويورك”. ويشير إلى أن التنمية الاقتصادية تتحرّك في اتجاهين؛ وأن زيادة الفساد وارتفاع التكلفة والبنية التحتية المتداعية والنتائج المتفاقمة، جميعها توحي بأن الأمور تسير في الاتجاه الخطأ. رأينا ذلك من قبل في إيطاليا، القوة الاقتصادية الكبيرة التي تعثرت في ظل قيادة قائد شعوبي تنقصه الكفاءة، والشيء نفسه يمكن أن يحدث في هاتين الدولتين.
نصح ترامب أنصاره، محذراً من أنهم سيرهقون من كثرة الفوز، ولحسن حظهم تعاطوا جرعة خسائر صحية، أشهرها عدم نجاحه في إجبار المكسيك، أو أي جهة على سداد تكلفة بناء الجدار الحدودي مع المكسيك. وتوّقف ترامب عن محاولة تحقيق حلمه بتشكيل قوة فضائية جديدة، وتجاهل الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ فكرته الحصول على أموال للمساعدة في إخماد الحرائق من ولاية كاليفورنيا.
ويقول المحلل الاقتصادي براين شباتا “إن الأمر استغرق بعض الوقت قبل أن يتمكّن بنك الاحتياطي الفيدرالي أخيراً من معالجة نوبة الغضب العارم، وأكثر ما تحتاجه الأسواق أن قدم لها بعض السكينة والاطمئنان المؤقت والقابل للتغيير والانفجار في غالب الأحيان”. ويقول الخبير الاقتصادي المصري، محمد العريان، “إن بنك الاحتياطي الفيدرالي لا يستقر بسهولة، حيث لا يزال هناك ألغام في طريق التواصل، بدءاً من اجتماع لجنة السياسات. لكن سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الأسواق ستستمر على هدوئها إلى الأبد، إذ أن إرسال أي إشارة متضاربة قد تنهي حالة الهدوء السائدة”.
يقترح الحزب الديمقراطي المنتشي بقيادة مجلس النواب، بأغلبية ساحقة، الحد من تراخيص حيازة الأسلحة، يعني الحد من وفيات الأطفال، لأن السلاح يعتبر السبب الثاني لوفيات الأطفال في الولايات المتحدة. اختصاراً: قليل من الأسلحة يعني قليلا من الوفيات.
مع التقدم الاقتصادي لبعض الدول في آسيا وأميركا اللاتينية، أخذت الأمور تتعقد، سواءً على الصعيد السياسي، والذي أجبر الولايات المتحدة على تبريد جبهاتٍ كانت ستندلع، أو على الصعيد العسكري الذي يأخذ الحيز الأكبر بالنفقات، وينعكس سلباً على المجتمع. هذا في واشنطن، أما لندن، تتآكل السلطة وتتناهش الأحزاب على مصير الدولة التي ربما تكون سبّاقة للزوال والتلاشي، بسبب نظرتها الفوقية، واستعداد بعض الدول التي تتبع التاج الملكي البريطاني لنيل استقلالها، والذي يعد بـارومتر التلاشي والانهيار.العربي الجديد