صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

وهم الثروة العالمية الزائف بقلم: ساتياجيت داس

يُعدُّ العالم أكثر ثراءً اليوم عما كان عليه في العهود السابقة، ولكن ذلك على الورق ليس إلا، خلافاً للواقع المشهود. فقدر كبير من هذا الازدهار ليس إلا وهماً زائفاً في ظل التحول العالمي صوب الاستثمارات الأقل طلباً للسيولة النقدية؛ المقوض لأسس التقييم المعهودة.
وحازت الأسهم الخاصة، والبنية التحتية، والائتمان الخاص، نصيب الأسد من المحافظ الاستثمارية، وبالتالي صارت القيمة حسب السوق من الأمور غير اليقينية على نحو متزايد. وتفترض الطريقة المعيارية لتقييم الأصول أن الأسعار متاحة، وأن هناك سيولة تجارية (تداولية) كافية تسمح بالبيع، وفق تلك المستويات. ويمكن لذلك أن ينسحب على الاستثمارات التقليدية مثل الأسهم والسندات. ولكن الأصول من شاكلة الأسهم الخاصة يندر تداولها، أو هي غير متداولة على الإطلاق، مما يستلزم استخدام النماذج أو الوكلاء بدلاً من ذلك.
وحتى بالنسبة إلى الأصول المتداولة علناً، فإن القيمة حسب السوق قد تكون أدنى موثوقية مما كانت عليه في الماضي. وعلى مدى السنوات القليلة الأخيرة، شهدت مستويات التداول انخفاضاً ملحوظاً بالنسبة إلى معظم فئات الأصول، نظراً لانخفاض عدد المتداولين فيها، وبسبب اللوائح التي تزيد من تكلفة الاحتفاظ بمخزونات التداول، فضلاً عن تدخلات المصارف المركزية حول العالم. وفي الأثناء ذاتها، قد لا تكون أسهم الشركات الصغيرة، فضلاً عن الكثير من سندات الشركات والسندات المنظمة، وأسهم الشركات الناشئة والشركات الكبيرة، والديون المتعثرة، متاحة على الدوام. وتعني هذه العوامل، مقترنة بنمو الأموال الكبيرة وحجم الحيازات القابضة، أن المقدرة على البيع بالأسعار المعروضة من الأمور المشكوك فيها.
والتقييمات القائمة على النماذج حساسة بدرجة لا تثير الاستغراب للافتراضات بشأن المدخلات الرئيسية التي قد يتعذر للغاية التحقق منها بسهولة. وعلى سبيل المثال، قد تكون قيم الائتمان الخاص ذات حساسية عالية لمعدلات التخلف المفترضة والترابط ما بين حالات التخلف عن السداد. وبالنسبة إلى الأسهم الخاصة والبنية التحتية، تعتمد النماذج على خصم التدفقات النقدية في المستقبل. وقد يسفر انخفاض المعدلات وانخفاض أقساط المخاطر إلى تشويهها في خاتمة المطاف.
وتقتضي النماذج في المعتاد إسناد القيمة المتبقية إلى الأصل في نهاية فترة الإسقاط المختارة. ومن شأن التغيرات في الافتراضات حول قيم الإنهاء أن تؤثر بشكل كبير على نموذج المخرجات، لا سيما في ظل أسعار الفائدة المنخفضة بشكل غير طبيعي، التي سادت منذ الأزمة المالية العالمية وحتى اليوم، وذلك نتيجة لجهود المصارف المركزية الرامية إلى الحفاظ على أسعار الأصول وزيادة الإنفاق من خلال تأثير الثروة.
وفي بعض الأحيان، تستخدم المبيعات المعروفة كوكلاء لإنشاء أو معايرة قيم النموذج. وتعاني هذه الطريقة من مشكلة صغر أحجام العينات، وعدم التطابق الواضح في الأصول الخاضعة للتقييم. والتعديلات ذات طبيعة ذاتية بالضرورة. ويستند الوكلاء في بعض الأحيان إلى المبيعات بين الأموال ذات الصلة ببعضها بعضاً، ما يزيد من مخاطر التلاعب أو الخطأ.
وتفترض القيمة حسب السوق في المستثمر أو الصندوق المقدرة على بيع الأصل الأساسي. وللمديرين سلطات تقديرية كبيرة، ويمكنهم، كما كان الحال في عام 2008، فرض أحكام «البوابة» للحيلولة دون وقوع سحوبات الأموال. وفي أوقات الانكماش الكبير، أو في ظل الظروف المتقلبة، فمن المرجح للمستثمرين في الصناديق القابضة للأصول الخاصة أن يواجهوا قيوداً على الاسترداد، حيث لا يتمكن المديرون من تصفية الحيازات القابضة. وفي مثل هذه الظروف، لن تكون القيمة حسب السوق قابلة للتحقق. وقد تتغير فيما بين القرار بالبيع وتسلم العائدات. وحيث إن الاستثمار في الخارج، تُفتقد المقدرة على إعادة الأموال في عصر تتعرض فيه العولمة وحرية حركة رؤوس الأموال لمخاطر متزايدة.
وبالإضافة إلى سوء تقدير الثروات، فإن مشكلات التقييم تخلق الكثير من المشكلات النظامية، أولاً، تحمل القيمة حسب السوق طبيعة غير متناظرة. والمكاسب غير المدركة التي لا تنتج الأموال النقدية تتطلب الاقتراض مقابل الاستثمار لتمويل الاستهلاك. وكان هذا من أبرز عوامل الارتفاع في مستويات الاستدانة. فإن هبطت القيمة حسب السوق بعد ذلك، تقل الثروة تبعاً لها، لكن لا بد من سداد الأموال المقترضة. وفي حين أن قيمة الأصل تحمي الأموال المقترضة، فإن الخسائر غير المحققة قد تؤدي إلى طلبات التغطية الإضافية، مما يخلق بدوره ضغوطاً على السيولة النقدية والمبيعات القسرية التي تسفر عن مزيد من انخفاض في الأسعار.
ثانياً، هياكل التحفيز منحرفة. يشجع التعويض القائم على الأداء على إجراء تقييمات صارمة تزيد من الأصول الخاضعة للإدارة وتولد الرسوم المرتفعة بالنسبة للمديرين. وقد لا يكون ذلك من قبيل الممارسات الاحتيالية، حيث إن هناك غموضاً بشأن قيمة الأصول غير المتداولة. وكما أثبت التاريخ، فإن العمليات المستقلة لمراجعة الحسابات وعمليات الضمان لا تضمن فعلياً إجراء التقييمات الدقيقة.
ثالثاً، عندما تقدر قيمة الأصول بطريقة غير صحيحة، قد يسيء مديرو الصناديق والمشرفون تقدير أسعار الدخول والخروج. وهذا بدوره يخلق تحويلات محتملة للثروات بين المستثمرين. وعند المبالغة في تقدير القيم، يتكسب مستثمرو البيع على حساب القيم الجديدة، والعكس بالعكس مع التقليل من قيمتها الفعلية.
وتكمن القيمة الحقيقية في المقدرة على تحويل الاستثمارات إلى أموال نقدية. وتعتبر مشكلة القيمة حسب السوق، ولا سيما بالنسبة إلى الأصول الاستثمارية الخاصة، من المجهولات المعروفة في الأسواق والتمويل المعاصر. ولا يجري الكشف في كثير من الأحيان عن المخاطر المتعلقة حتى فوات الأوان.
ومما يؤسف له، وكما سوف يتكشف للمستثمرين في الانكماش المقبل، فإن أحد استخدامات الأزمة المالية هو الكشف الجلي عما تجاهله أو تغافل عنه الممولون، سواء بطريق القصد أو من دون قصد، وما أخفق المسؤولون في الجهات الرقابية في الكشف عنه في الوقت المناسب.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»الشرق الاوسط