صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

الأردن.. انفراج اقتصادي مشروط

في خضمِّ الضائقة الاقتصادية التي تحاصرُّ الأردن من كلِّ صوّب وحدب؛ ثمة مؤشرات تلوح في الأفق من شأنها تحقيق انفراجة في مسيرة المملكة التي شارف دينّها العام على موازاةِ الناتجِ المحليِّ الإجمالي البالغ نحو 40 مليار دولار أميركي.

لكن تلكَ المؤشّرات المتناثرة لن تكونَ ذات بال، إن استمرت الإدارة الأميركية في الضغط على عمّان لتمرير صفقة القرن المشبوهة والتي يقف الأردنيون والفلسطينيون صفاً واحداً في وجه تنفيذها، وذلك على الرغم من محاولات التركيع الاقتصادي -الذي تمارسه واشنطن وبعض أتباعها العرب- على مواطني ضفتيّ النهر المقدس والذي ظلَّ شاهدا منذ بدء جريانه على مصير أولئك الذين سعووا للنيل من هذه البلاد ووحدة ومصير أهلها.

ويبدو الأردن صلبا في مواجهة تلك الضغوطات الأميركية، وقد بدت تجليات ذلك في تماهي الموقف الرسمي والشعبي الرافض لتنفيذ أجندة واشنطن – تل أبيب في المنطقة، حتى لو كان ذلك على حساب قوت المواطن الذي يستشعر مقدارَّ الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها بلاده بفعل انقطاع أو تضاؤل المساعدات الأميركية والخليجية التي كانت ترفد القطاعات الحيوية المختلفة في المملكة، وذلك قبل أن يرتقي دونالد ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض ضاربا الأعراف والاتفاقيات الدولية عُرض الحائط، مصمما على تنفيذ أجندته غير المعلنة التي تدعم قيام دولة يهودية عنصرية صافية، ما يعني التخلصَّ من العربِّ في فلسطين التاريخية عبر نقلهم إلى دول الجوار، مقابل منح الأخيرة اغراءاتٍ مالية قد تصل إلى حدِّ سدادِّ مديونياتها المُتفاقمة.

وفي هذا السياق؛ بات الأردن مطالباً ببناء سياساته وتوثيق عرى علاقاته الخارجية وفقا لرؤية أكثر تنوعا مما كان الحال عليه تقليديا، خصوصاً وأنه بات يعاني من مواقف حلفائهِ الكلاسيكيين الذين انقلبوا عليه سعيا لتمرير مشروعهم الذي يهدد كيان المملكة ومستقبل المنطقة.

وأيضا على الأردن التعامل مع تجديد ولاية ترامب كرئيس للولايات المتحدة الأميركية للمرة الثانية، باعتباره الشخصية التي استطاعت استنزاف مقدرات المنطقة العربية في سبيل تعديل اعوجاج اقتصاد بلاده، الأمر الذي مكنه من تقليص معدلات البطالة لأدنى مستوياتها منذ عقود (3.8%) مقابل تفاقمها في بلادنا، وذلك بفضل تضاعف طلبيات مصانع الأسلحة المتجهة للشرق الأوسط من جهة، وتنامي نشاط الصناعات المحلية المختلفة من جهة ثانية، وذلك بفعل سياسة واشنطن الحمائية الرامية لمواجهة الخلل في الميزان التجاري مع الصين.

وهنا بات الأردن معنياً بتوسيع خارطة تحالفاته وعدم الانقلاب عليها، حمايةً لأمنه القومي وخدمة لمستقبل الأجيال القادمة، فضلاً عن دعم اقتصاده المتهالك، والذي قد يجد هذه المرة في جغرافيا المملكة طوق النجاة المنشود، وذلك بعدما كانت دوما عاملاً ضاغطا في إقليم ملتهب لم ترحمه الجغرافيا السياسية منذ عهد استقلال بلدانه عن مستعمر لم يبرحه أبدا ولو ادعى ذلك.

وقد جئنا على ذكر الصين تحديدا رغبة في الإشارة الى الدور الذي قد تلعبه بكين في تخفيف وطأة معاناة اقتصاد المملكة، ليس فقط في مجال التمويل وبناء المشاريع فحسب، وإنما أيضا في ميدان الخدمات اللوجستية والسياحية، وذلك في الوقت الذي ينفذ فيه العملاق الآسيوي مبادرة الحزام وطريق الحرير التي ستغير وجه طرق التجارة الدولية، فضلا عن كونه أحد أبرز مصدّري السياح في العالم.

فالصين التي تعتبر صاحبة ثاني أكبر اقتصاد بالعالم، يمكن الاستعانة بها أردنيا في مجال إقامة المشاريع الكبرى المستندة إلى نظام (البناء والتشغيل ونقل الملكية) وذلك في مجالات البنية التحتية والنقل الحديث المتمثل بالقطارات التي تربط بين المحافظات إلى جانب بعض المشاريع التنموية، الأمر الذي يقلص حاجة المملكة للمساعدات الغربية والخليجية، شريطة أن يتم تتعامل عمّان بحذر مع شراكتها المقترحة مع بكين، لئلا تمارس الأخيرة ما قامت به من توغل وتغول في مفاصل اقتصاد اليونان وبعض الدول الافريقية.

الصين -التي تنفذ أكبر مبادرة لرسم طرق جديدة تربطها بأوروبا مرورا بعشرات الدول الآسيوية والأوروبية-، يمكن لها أيضا مساعدة المملكة في مجال البنية التحتية والطرق، خدمة لمشروع بكين العملاق الذي يجابه بمعارضة أوروبية جزئية.. وكلية أميركية.

كذلك يمكن استثمار قدرات الدولة الآسيوية التي تصدر سنويا قرابة 122 مليون سائحا نحو ثلثهم من ذوي القدرات المالية العالية على الانفاق، في وقت اقتصرت فيه أعداد زوار المملكة من دول آسيا والباسيفيك على قرابة 83 ألف سائح فقط، وفي مقابل ذلك، تواصل بعض البلدان الإقليمية تنفيذ حملات ترويجية ضخمة لاستقطاب أولئك الصينيين الذين اجتذبت إمارة دبي قرابة 850 ألفا منهم خلال العام الماضي.

لا ندعي بأن اللجوء إلى الصين ولربما الهند وروسيا أيضا سيمثل نافذة مثالية لمساعدة اقتصاد الأردن على النهوض، ولا نعلم مقدار الضغوط المفروضة على عمّان لتحول بينها وبين فتح قنوات تعاون واسعة مع الشرق، لكن المؤكد بأن المملكة مطالبة بالبحث عن خيارات موازية في ظل اضطرارها للتعامل مع إدارة أميركية ستنال ثقة الناخب من جديد في دورة ثانية لا يُعرف ما قد تخفيه من مفاجآت جديدة لمنطقتنا العربية التي لا تعبأ واشنطن بمستقبلها.

العناوين الرئيسة للمستقبل القريب للاقتصاد الأردني تبدو مائلة للتفاؤل المحفوف بالحذر إزاء المشاريع التي يُخطط لتنفيذها في المنطقة، فالانفتاح على كل من العراق وسوريا كفيل بردم الهوة الناتجة عن تباطؤ التجارة ولربما تراجعها مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومشروع أنبوب النفط الواصل بين البصرة والعقبة إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة وتلك المتعلقة بالصخر الزيتي واستئناف ضخ الغاز المصري، كلها تشي بتحسن مقبل قد يحتاج وقتا ليتلمس المواطن البسيط أثره، هذا إذا ما أضفنا على ما سلف استمرار تحسن قطاع السياحة في ظل ارتفاع أعداد الزوار بواقع 33% خلال الربع الأول من هذا العام.

مؤشرات لانفراجة منتظرة من شأنها فك القيود التي تكبل الاقتصاد الأردني منذ العام 2011، لكنها مؤشرات منقوصة ما لم يجر محاربة الفساد الإداري والمالي على نطاق واسع، وهو تحدٍّ لا يقل جسامة عن ذلك الذي يُحاك للمملكة في الغرف المغلقة في واشنطن وتل أبيب.. ولربما في بعض العواصم العربية أيضا.