صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

أيضاً… أحلى السرد أكذبه بقلم: سمير عطا الله

الذين قرأوا الكثير، أو القليل، من الآداب الفرنسية، لا بد أنهم مروا بأعمال مرغريت دوراس، التي نالت جائزة «غونكور» عام 1984. كانت دوراس حالة خاصة. فقد ولدت لأبوين فرنسيين في الهند الصينية، فيتنام الآن. وعاشت مرحلة الاستعمار الفرنسي هناك، ثم عادت إلى باريس مع العائدين بعد الهزيمة الكبرى التي حلَّت بفرنسا، والتي سوف تحل على نطاق أوسع بأميركا فيما بعد.
تعلقنا بمرغريت دوراس بسبب عملين اشتهرا كثيراً في تلك الأيام: فيلمها «هيروشيما حبيبتي»، وسيرتها الذاتية تحت عنوان «العاشق». وكان الجاذب الأول في السيرة أنها قصة علاقة بين فتاة بسيطة من أهل الاستعمار وفيتنامي ثري يكبرها سناً. هي في الخامسة عشرة وهو في السابعة والعشرين. لكن الأبوين الفرنسيين يتصديان للعلاقة برغم أن الشاب وريث لثروة طائلة.
جمال القصة في التفاصيل و«الحقائق» وصور الصراع بين حضارتين عدوتين. لن يستطيع الاثنان أن يهزما كل التعقيدات القائمة في طبيعة الأشياء برغم دافع الحب الذي يربط بينهما.
بقيت السيرة، أو الرواية، في ذاكرتي كعمل جميل. وبسببها تابعت عدداً من أعمال دوراس ومعظم مقابلاتها الصحافية التي وقعت عليها. لكنني الآن شعرت بخيبة عندما قرأت أن القليل جداً من السيرة كان حقيقياً والباقي مخيلة غنية. إنها أكثر من خيبة، إنها خدعة. والإنسان لا يحب أن يبدو ساذجاً. أما الكاتب فلا يريد أن يبدو عادياً. وإلا فما هو مبرر الكتابة.
مهارة دوراس كانت في عادية السرد، بحيث بدا أقرب إلى الحقيقة من الحقيقة. وربما كان في اعتقادها أن المهم هو فنيّة العمل، وليس مدى صدقه. ولذا سمته «رواية» حيث الدقة ليست شرطاً على الإطلاق. هكذا يكفي القليل من الحقائق يبنى عليه، والباقي حرية المؤلف ومخيلته.
هل الواقع وحده يكفي لصناعة أدبية مهمة؟ يعتمد ذلك على نوعية الحقيقة ومداها، كما هو مثلاً في أعمال المغربي محمد شكري. فقد كان الواقع عنده أكثر بؤساً من أي سرد غني بمخيلة بائسة ومعذبة. ولم يبذل – أو لم يستطع – أي جهد فني يخفف من صدمة الواقع، وهذا ما جعله مميزاً بين الكتّاب المغاربة والعرب معاً. غير أنه أضر بمكانته الأدبية. ولقد حدث العكس مع دوراس، فإن الصياغة الفنية هنا، أعطت رونقاً رائعاً لهذا الخليط غير المتوازن بين الحقيقة والتخيل.
أمين معلوف، الذي فاز هو أيضاً بجائزة «غونكور» على «صخرة طانيوس» خلط المتخيل بالقليل من الحقيقة. لكن أسلوبه السردي الجميل لا يترك أهمية للتمييز بين الاثنين. رائع كيفما كتب.الشرق الاوسط