صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

الفلسطينيُّ لن يبيع “كرّت المؤن”

يراودونَ الفلسطينيينَ عن أنفسِهم ووطنِهم وحقّهِم التاريخيِّ فيه، وذلكَ بعدَّما ظنّوا أن سياساتِ الخنّقِ الاقتصاديِّ المُفتعلةِ التي مارسوها على مناطِقهم وبلدانِ الطوّقِ التي هُجّروا إليها، ستدفعهم والدولَ المُضيفة لهم للضيقِّ ذرّعاً من حالتهم، ليكونَّ الحلُّ الأمثلُّ إبرامَ صفّقةٍ مغرية تُفضي لتخلّصِ الجميع مما هُمّ فيه

دأبت وكالةُ الأممِّ المُتحدة لإغاثةِ وتشغيلِّ اللاجئينَ الفلسطينيين “أونروا” منذُّ نشأتها المُتزامنة مع إعلانِ إقامةِ ما يُسمّى بدولةِ إسرائيل في العامِّ 1948، على استصدارِّ بطاقةٍ لكلِّ لاجئٍ فلسطينيٍّ، باتت تعُرفُ منذ ذلك الحين بمُسمّى” كرّت المؤن”.
هذهِ البطاقةُ، التي لا تزالُ تمُنحُ لكلِّ مولودٍ فلسطينيِّ تبُصرُّ عيناهُ النورَّ للمرّةِ الأولى في مواضِع الشتاتِ الخارجيِّ والداخلي؛ كانَ الغرضُ مِنها تمكينُ منظّمة الأممِّ المُتحدة مِن حصرِّ أعدادِّ أولئكِ الذين اكتسبوا سِمة “اللاجئ”، وذلك لتثبيتِ حقوقهم التاريخيّة بالعودةِ إلى بلادِهم حينما تتحقق مشيئةُ الله ، هذا مِن جِهة، وبهدفِ منّحهم بعضَّ أشكالِّ الدعمِ الغذائيِّ أو التعليميّ من جِهةٍ ثانية، وهي الخدماتُ التي واصلت اضمحلالها بشكلٍّ تدريجيٍّ متأثرةً بازديادَّ أعدادِّ اللاجئينَ وتباطؤ التمويلِّ الدوليِّ الموجّه للوكالةِ مِن قبلِّ الدولِّ المانحةِ وعلى رأسِها الولاياتُ المُتحدة.
هذهِ البطاقة المجانيّةُ التي يحملُها اليومَ أكثرَّ مِن 6 ملايين فلسطيني، أيّ نحوَّ نصّفَّ عددهم الإجمالي، ستطفوا أهميتها إلى واجهةِ الأحداثِّ من جديدٍّ خلالَّ الأيامِّ القادِمة، والتي يُتوقع أن تكون حُبّلى بالتوجهات الراميةِ للإجهازِّ على ما تبقّى من أطلالِّ أهمِّ قضيّةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ ومسيحيّة، خصوصاً في أعقابِّ التسريبات الأخيرةِ والتي أفادت بعزّمِ جاريد كوشنر مُستشارُّ وصهرُّ الرئيسِّ الأميركيّ دونالد ترامب، الإعلانَ عن تفاصيلِّ خطّة السلامِّ الجديدة في الشرّق الأوسط “صفقة القرن”، وذلك بعدَّ انقضاءِ شهرِّ رمضانِ المُبارك.
لم يعُد خافياً على العامةّ ما يدورُّ مِن حديثٍ تتناولهُ بعضُ وسائلِّ الإعلامِّ الأميركيّة ونظيراتِها الإسرائيليّة من شمولِّ خطّةِ السلامِّ الجديدةِ لحزمةٍ مِن الإجراءاتِ التي لن يكونَ من شأنها حرمانُ اللاجئينَ من حقّهم التاريخيّ بالعودةِ إلى ديارهم فحسب، بل إنما أيضاً احتماليةَ تهجيرِّ ما تبقّى منهم من أرضِّ فلسطين التاريخيّة إلى خارجها، وذلكَ بعدَّ اقرارِّ قانونِ يهوديّة الدولةِ العبرية، ونقلِّ سفارةِ الولايات المتحدة إلى القدّس، إلى جانبِّ تعهّدِ رئيس الوزراء الاحتلالِّ بنيامين نتنياهو بمواصلةِ حكومتهِ الجديدةِ للنشاطِّ الاستيطانيِّ في شتّى المواقع والأراضي المُحتلة في عامِّ 1967.
وفيما يبدو أن التسويةَ النهائيةَ للقضيّةِ الفلسطينيّةِ تحظى للمرّةِ الأولى بدعمٍ وزخمٍّ شبهَ مُعلنٍ من قِبلِّ بعضِّ الدولِّ العربيّة التي تريدُّ طيَّ هذا الملف المؤرِّق لها أيضا، فإنَ كثيراً من المُعطياتِ تشيرُّ إلى عزّمِ الولاياتِ المتُحدة انهاءَ دوّرِ وكالةِ الغوثِّ بعدما توقّفت عن المُشاركةِ في تمويلها، كخطوةٍ تندرج ضمّنَ التهيئة لتمريرِّ خطّةِ السلامِّ المزعومةِ التي تمهدُّ إلى سحبِّ الاعترافِ بقانونيةِ عودة اللاجئينَ الفلسطينيين إلى بلادهم، في مقابلِّ منحِهم تعويضاتٍ ماليّة، ينتفي معها الحاجةُ إلى بقاءِ “أونروا” وكرّت المؤنِ الصادرِّ عنها.
إذا، فهُم يراودونَ الفلسطينيينَ عن أنفسِهم ووطنِهم وحقّهِم التاريخيِّ فيه، وذلكَ بعدَّما ظنّوا أن سياساتِ الخنّقِ الاقتصاديِّ المُفتعلةِ التي مارسوها على مناطِقهم وبلدانِ الطوّقِ التي هُجّروا إليها، ستدفعهم والدولَ المُضيفة لهم للضيقِّ ذرّعاً من حالتهم، ليكونَّ الحلُّ الأمثلُّ إبرامَ صفّقةٍ مغرية تُفضي لتخلّصِ الجميع مما هُمّ فيه، مقابلَّ نسيان الجيلِّ الثالثِ من اللاجئينَ لتلكَ الأرضِّ التي عاشَ فيها أجدُادهم وأسلافهم، فأرضُ اللهِ واسعةً يُمكن لهم شراءُ ما يبتغون مِنها من خلالِّ الأموالِّ التي ستُسدى لهم، مقابل تسليمهم “كرت المؤن” والتخلي عنه أبداً.
لقد حرصِت الإداراتُ الأميركية وحليفاتها في المنطِقة خلالَّ السنواتِ القليلةِ الماضيّةِ على فرّض ضغوطٍ اقتصاديّةٍ بالغةٍ على الدولِّ العربيّة التي تستضيفُ القدرَّ الأكبرَّ مِن اللاجئين الفلسطينيين، ظناً مِنها بأنَ إغراقَ بلدٍ كالأردنِّ مثلاً بالمديونيةِ سيُفضي حتماً إلى قيامِّ المملكةِ بالبحثِّ عن السبلِّ الكفيلةِ بالخروجِ من عُنقِ الزُجاجةِ، وذلك من خلالِّ تبنّي سياساتٍ تُمرّرُ من خِلالها إلى مواطنيها واللاجئينَ الفلسطينيين المقيمين لديها، تتلخّصُ بقبولِّ التعويضِّ الماليّ الكفيلِّ بإخراجِ عمّانَ أيضاً من أزماتها الاقتصاديةِ غيرِّ المُتناهية.
لكن تلكَ القناعاتِ المشوشة التي وصلت لمن يتولّى مهمةَ صياغةِ خطّةِ السلامِّ المنتظرة؛ لم تأخذ بعينِ الاعتبارِّ الشخصيّةَ التاريخية التي يتحلّى بها من كلُّ يقطنُ على ضفتيّ النهرِّ المُقدّس، إذ يبدو أنه لم يدركُ تاريخ الفلسطينيَّ الذي لا يقبلُّ على نفسهِ بيعَ موطنهِ وتضحياتِ شهداءه والتجاوزَّ على هويةِ توأمه، ولا يعرفُ أيضاً بأن المالَّ لا يعني شيئاَ للأردنيَّ الذي لا يجدُّ غضاضةً في الصبرِّ على محنتهِ وفاقتهِ في سبيلِّ إكرامِّ وفادةِ شقيقهِ الذي يشاطرهُ أيضاً نفسَ مقدارِّ الهمِّ إزاءَ قضيته.

يعتقدُّ الأميركيُّ ومن ورائهِ الإسرائيليُّ بأن القضيّةَ الفلسطينيةَ عموماً ومسألةَ القُدّسِ الشريف على وجهِ التحديد، أمورٌ يُمكن فكُ شيفرتها وطلاسِمها بالمالِّ الوفيرّ الذي تكتنزهُ بنوكُ نيويورك المنتشرةُ مقرّاتها الرئيسةُ في “وول ستريت”، والتي تكفي ميزانيةُ أكثرها تواضعاً في حلِّ هذهِ العُقدةِ التي مرّ عليها أكثرَّ مِن سبعةِ عقود، فمِن خلالها يمكنُ اسقاطُ الديونِ المُتراكمة على الدولِّ المُضيفة للاجئين الذين سيتسنى لهم أيضا الحصولُّ على قدرٍ مُجزٍ من المالِّ إلى جانبِّ وطنٍ بديلٍ يمضون فيهِ ما بقي من سنيّ حياتهم.
لكن سقوطَ تلكَ المعادلةُ الماليةُ -والنابعةُ من روحِ الثقافة الأميركية البراغماتية إلى جانبِّ الإرثِّ الربوي التلمودي- سيكونَ أسرع مما يظنُ القائمونَ على الترويج لها، ليسَ مِن قِبلِّ الفلسطينيين الذي قدّموا عشرات الآف الشهداء دفاعاً عن وطنهم وقضيتهم فحسب، وإنما أيضاً من أشقائهم ونظرائهم في المنطقةِ الذين كانَ لأجدادهم سجدةً في المسجدِّ الأقصى أو قضوا شهداءً دفاعاً عن أسوارِّ المدينةِ المُقدسةِ التي تحتضن رُفاتهم.

على الأميركيين أولاً والمساهمين بالترويجِّ لقضيةِ القرّنِ ثانيا؛ إدراكُ أن ثمّة أموراً ذاتُ قدسيّةٍ يستحيلُ مقايضتها بالمالِّ الذي تتبددُ قيمتهُ أمامَ المبادئ والثوابت التي يختزنها الوجدانُ العربيُّ والإسلاميُّ والمسيحيُّ إزاء قضيتهم الأولى، ذلك الوجدانُ الذي يقودُّ صاحبهُ للتيقن بأنهُ سيرزحُ فيما بقيَ من عُمرهِ تحتَ ضغطِّ تأنيب ضميرهُ في الدنيا وحسابُّ اللهِ لهُ في الآخرة، إن سوّلت لهُ نفسهُ بقبول التفريطِّ بشبرٍّ واحدٍّ من ثرى الأرضِّ المُقدّسة.
اليوم، ومع بدء الحديثِّ عن قُربِّ انتهاءِ مفعولِّ وصلاحيةِ ودورِّ منظمةِ وكالة الغوث؛ فإنَ “كرت المؤن” الذي يحملهُ غالبيةُ اللاجئينَ الفلسطينيين؛ سيكتسبُ الرمزيةَ ذاتها التي تكتنزها مفاتيحُ منازلِّ ودكاكين أسلافهم التي حرصوا على ضمانِ وصولها لمن يحملُّ شعلةَ الصمودِّ من بعدهم، كشهادةٍ على عدم تفريطهم بأرضهم مقابل مالٍ ينوي العودةَ لطرقِ أبوابهم ليُقايضَ على الوثيقةِ الأخيرةِ التي تثبتُ رسوخهم على موقفهم، وهي الوثيقةُ التي قدّ تكُفُّ “أونروا” عن إصدارها إن تسنّى للقائمين على “صفّقة القرن” تنفيذَّ ما يجولُّ بأنفسهم.