صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

مدفع رمضان بالقدس.. إرث مدينة عنيد في وجه الاحتلال

حياة مختلفة تماما يعيشها الفلسطيني رجائي صندوقة (57 عاما) ابن مدينة القدس المحتلة مع حلول شهر رمضان الفضيل، فهو يمتلك فيه أهم وظيفة على الإطلاق والتي ترتبط بها مواقيت الإمساك والصيام لدى المقدسيين.

منذ أكثر من ثلاثين عاما يواظب صندوقة على إطلاق “مدفع رمضان” والذي ينبّه الصائمين في المدينة إلى حلول وقتيْ الإفطار وبدء الصيام، ولكن الأمر ليس فقط مجرد تنبيه بل هو جزء من منظومة إرث كاملة تأبى القدس التخلي عنها رغم ضغوطات الاحتلال.

ويقول صندوقة لـ”عربي21″ إن وجود المدفع في القدس يعود تاريخه إلى العهد العثماني أي قبل ما يقارب 120 عاما، بل إن كل المدن الفلسطينية كانت تمتلك مدفعا خاصا بها حتى ينبّه الصائمين في زمن لم تكن التكنولوجيا الحديثة موجودة فيه لتفعل ذلك، ومع احتلال المدن من قبل إسرائيل وظروف وعوامل أخرى تم الاستغناء عن المدفع في كل المدن إلا القدس التي رفض أهلها أن يزيلوا هذا الشكل المميز من الثقافة المقدسية الإسلامية”.

 

ويتمركز مدفع رمضان في المقبرة الإسلامية “مقبرة المجاهدين” في شارع صلاح الدين شرق المدينة، ويحافظ على مكانه هناك منذ العهد العثماني رغم محاولات الاحتلال لنقله، فالمكان مرتفع وهو الأقرب إلى البلدة القديمة على تلة تقابلها.

 

 

محافظة على الإرث

“أطلقت عشية بدء رمضان سبعة مدافع إيذانا ببدء الشهر الفضيل وبدأت بعدها بالتذكير بموعد الصيام والإفطار بمدفع واحد عند كل وقت منها وهكذا الحال يبقى إلى نهاية رمضان”، يتابع صندوقة.

أما حكاية ارتباط عائلة صندوقة بالمدفع فيعود إلى عشرات السنين منذ أن كانت العائلات الكبرى تختار ممثلا عنها ليصبح مسؤولا عن أحد الأمور الهامة في المدينة، فاختير الحاج أمين صندوقة -جد رجائي- أن يكون مسؤولا عن إطلاق مدفع رمضان بسبب قرب بيته من مكان وجوده؛ وهو الأمر الذي بقي مستمرا إلى الآن.

 

ويوضح بأن إصراره على المحافظة على هذا الإرث “كان له الدور الأبرز في بقاء فكرة المدفع خاصة في ظل ما تعيشه المدينة من محاولات تهويد وحرب شرسة تقودها أذرع الاحتلال على كل ما هو عربي فلسطيني إسلامي فيها”.

عراقيل الاحتلال

الاحتلال الإسرائيلي وكعادته يسعى في كل وقت ومكان إلى ترحيل المقدسيين عن مدينتهم عبر سياسات عنصرية مختلفة؛ وفي خفايا ذلك يهدف إلى محو الصبغة الإسلامية والعربية عن مدينةٍ تشهد كل حجارتها بهويتها الأصيلة.

ويشير صندوقة إلى أنه تحت هذا الإطار تعرض للتهديد أكثر من مرة على يد الاحتلال؛ فتم منع إطلاق المدفع عدة مرات وكانت بلدية الاحتلال في القدس تضع شروطا تعجيزية عليه بسبب حفاظه على هذا التقليد ورفض اندثاره.

ويتابع: “في كل عام يخترع الاحتلال أي حجة كي يحاول منع إطلاق المدفع؛ ففي أحد الأعوام قالوا لي إنني يجب أن أخضع لدورة في كيفية إطلاق المدافع فأخبرتهم أنني أقوم بذلك منذ عشرات السنين، ثم اعترضوا في إحدى المرات على المادة التي أضعها في المدفع واقترحوا علي مادة أخرى، كما أرادوا نقله إلى مكان آخر وتذرعوا في إحدى المرات أنني يجب أن أحصل على رخصة كي أقوم بهذا العمل وكل ذلك تحت حجج القانون والأمن؛ ولكنني في كل مرة كنت أحاول ألا أحقق لهم أمنيتهم بإنهاء فكرة المدفع”.

إنجاز لأهل القدس

راحة كبيرة يشعر بها المقدسيون كلما سمعوا صوت المدفع يصدح في أرجاء مدينتهم؛ وكأنهم يطمئنون إلى استمرار هذا الشكل “العنيد” من إثبات هويتهم وإفشال محاولات الاحتلال لطمسها.

وفي هذا السياق يقول المواطن المقدسي جابر أبو صبيح لـ”عربي21″ إن استمرار عمل مدفع رمضان “لا يعني بحد ذاته تنبيها للأوقات وإنما يعيد المقدسيين إلى زمن لم يكن فيه الاحتلال يتربع على كل شبر من المدينة ويستبيح المستوطنون معالمها بما فيها المسجد الأقصى المبارك”.

ويضيف: “كأنه شيء نريد أن نعلنه في مدينتنا بأنها عربية إسلامية فلا نستطيع التعبير عن ذلك إلا عن طريق أشكال بسيطة أحدها مدفع رمضان، ولا أعتقد أن الاحتلال يرغب باستمرار هذا الإصرار على استخدام أداة بدائية في التنبيه لأنه يعلم أنها تفضح تاريخه المزور في القدس وتشرح الكثير عن تاريخها الحقيقي”.

ورغم المتاعب التي بدأت تعصف بالمواطن صندوقة بعد ثلاثة عقود من المواظبة على عمله في إطلاق المدفع، وما يحيط بذلك من ظروف عمل تحرمه أحيانا من التواجد مع عائلته وقت الإفطار ؛ إلا أنه ربّى أبناءه على تشغيل وإطلاق المدفع كي يكملوا هذا الموروث على أفضل وجه.

ويختتم حديثه قائلا:” هو أمر متعب جسديا ولكن أشعر بالإنجاز لأهل مدينتي حين أحافظ على شيء مهم جدا بالنسبة لنا ونحتفظ به بعيدا عن يد الاحتلال التي باتت تتحكم في كل شيء، ويقول لي بعض الناس أحيانا إنهم حتى لو سمعوا الأذان فإنهم لا يتناولون إفطارهم إلا بعد أن يسمعوا المدفع، فأنا أعتب

ر ذلك نجاحا في رباطنا داخل المدينة والمحافظة على صبغتها الأصلية”.