صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

مآلات التصعيد الأمريكي – الإيراني

تسخين وتبريد وجعجعة بلا طحن ... والخاسر الأكبر السعودية

يسود الغموض والضبابية مآلات ومستقبل التصعيد الأمريكي – الإيراني ، وتقف منطقة الخليج على أطراف أصابعها على وقع لغة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران ، ما بين إرتفاع منسوب احتمال الذهاب إلى حرب ثالثة في الخليج، وبين تراجع لغة الحرب لصالح لغة الحوار وإجراء مفاوضات من خلال الوسطاء والقنوات الخلفية .
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الولايات المتحدة وإيران عدم رغبتهما في خوض مواجهة عسكرية، تتزايد مظاهر التصعيد العسكري الأمريكي – الإيراني والحرب الكلامية وتكثيف الرسائل الأمنية (إستهداف السفن وناقلات النفط في الفجيرة والمنشات النفطية بالقرب من الرياض وإطلاق صاروخ كاتيوشا على محيط السفارة الأمريكية في بغداد ) . وكذلك إعلان الأسطول الخامس الأميركي (مقرّه البحرين) أن الدول الخليجية بدأت دوريات أمنية مكثفة في مياه الخليج، بموازاة الإعلان عن إجراء مناورات للبحرية الأميركية في بحر العرب بمشاركة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» الهجومية، ومجموعة الحاملة «كيرساج» للإنزال البرمائي، ووحدة المشاة البحرية الـ22 . وموافقة الدول الخليجية على طلب أميركي لإعادة انتشار القوات الأميركية في مياه الخليج وعلى أراضي الدول الخليجية، بهدف القيام بعمل مشترك لردع إيران عن أي محاولة لتصعيد الموقف عسكرياً.
وبدأت تشعر السعودية بالخذلان من الحليف الأمريكي وردة فعله غير المقنعة تجاه العمليات التي إستهدفت السفن في ميناء الفجيرة والمنشآت النفطية السعودية بالقرب من الرياض ، وفي هذا الإطار دعت السعودية إلى قمّتين «طارئتين»، خليجية وعربية، في مدينة مكة المكرمة، في 30 أيار الجاري، بالتزامن مع القمّة العادية لمنظة التعاون الإسلامي التي ستنعقد في مكة ، للحصول على دعم عربي وإسلامي للسعودية وإدانة للتهديدات الإيرانية .
ونعتقد بأن المملكة العربية السعودية ستكون الخاسر الأكبر من أي نتيجة سيؤول اليه الصراع بين أمريكا وإيران، والذي سينحصر بأحد السيناريوهين التاليين :
أولا : نشوب حرب إقليمية مدمرة تنجح خلالها الولايات المتحدة من تدمير القوة الايرانية وتغيير نظام الحكم لصالحها . وما سيترتب على هذا السيناريو إن تحقق من نتائج كارثية على السعودية وباقي دول الخليج أبرزها :
1. سيكون مسرح العمليات العسكرية أراضي دول الخليج ومياهها الإقليمية ، وما سيترتب عليها من تدمير البنى التحتية والمشروعات الحيوية وحقول النفط .
2. تحميل كلفة تمويل الحرب للسعودية وباقي دول الخليج ، وما يترتب عليه من إفلاس دول الخليج .
3. فقدان الأمن الداخلي وإنتشار الفوضى الداخلية خاصة في الدول الخليجية التي يوجد فيها مكونات شيعية وتنظيمات مواليه لإيران .
4. يرجح بأنه سيتم فتح جبهة الحشد الشعبي العراقية بإتجاه السعودية إضافة الى جبهة الحوثيين في اليمن .
5. لن تبقى خرائط غالبية دول الخليج كما هي ، إذ سيتم تفكيك وإعادة هيكلة بعض دوله ، وما الخرائط التي نشرت سابقا في مؤسسات أمريكية إلا تسريبات لما سيحدث في الخليج مستقبلا.
6. الدولة الإيرانية ونظامها الجديد سيكون الحليف الرئيسي للولايات المتحدة وإسرائيل كما كانت إيران أيام الشاه ، وسيتولى دور شرطي الخليج .
ثانيا : إحتواء إيران من خلال المفاوضات والحوار والتوصل الى صفقة جديدة تضمن المصالح الأمريكية والإسرائيلية فقط ، مع مراعاة المصالح الإيرانية ورفع العقوبات عن إيران . وتلعب الولايات المتحدة على خطين متوازيين، تخويف دول الخليج من إيران وفي نفس الوقت تسعى لخطب ود إيران ومحاولة فتح حوار ومفاوضات معها ، وربما تنجح واشنطن بعقد صفقة معينة مع إيران على حساب دول الخليج ، يعالج الخلل في الإتفاق النووي وإضافة موضوع البرنامج الصاروخي للإتفاق، وكذلك معالجة التدخلات الإيرانية في المنطقة بما يحقق المصالح الأمريكية والإسرائيلية فقط، مع الإشارة الى أن إيران دولة براغماتية تعرف كيف تحقق مصالحها القومية ولديها إستعداد لتقديم تنازلات للوصول الى حلول وسط.
وسيترتب على هذا السيناريو إن تحقق نتائج سلبية على السعودية أبرزها :
1. بقاء إيران كقوة إقليمية كبيرة وبعبع في وجه دول الخليج ، وتراجع الأهمية الإستراتيجية للسعودية ودول الخليج لصالح إيران .
2. ربما تنجح أمريكيا بمقايضة نفوذ إيران في سوريا ولبنان وغزة الذي يهدد إسرائيل بمنح إيران دور إقليمي في الخليج ، وهو ما تسعى اليه إيران منذ عام 1979، ضمن آلية جديدة لإدماج إيران في منظومة الأمن الإقليمي الخليجي بإشراف ورعاية أمريكية .
وللولايات المتحدة مصالح حيوية في منطقة الخليج، ولا تستطيع ان تعتمد على دول الخليج العربي في موازنة إيران وتهديداتها ، والاهتمام الأمريكي الإستراتيجي حاليا اتجه نحو آسيا لمواجهة التهديدات الصينية، وهذا يتطلب تعزيز وجودها العسكري هناك ، وفي المقابل تقليص وجودها في الخليج، وبالتالي تحقيق أمن الخليج سيكون ربما بالعودة الى مبدأ نيكسون في السبعينات الذي إعتمد على تأمين المصالح الامريكية في الخليج بالإعتماد على القوى الإقليمية في المنطقة . وحجم الدور الإيراني الإقليمي سيكون محكوم بما تسمح به الولايات المتحدة، ولن تسمح أمريكيا لإيران بالإنفراد بأمن المنطقة.
3 .الولايات المتحدة دولة عظمى يحكم علاقاتها مع الدول الأخرى مصالحها بالدرجة الاولى، وأنه في العلاقات الدولية لا يوجد صديق دائم ولا عدو دائم ، وإنما مصالح. والحقيقة أن السياسة التي تنفذها الولايات المتحدة تجاه إيران ليست إلا تلبية للمصالح الامريكية والإسرائيلية فقط ، دون مراعاة للمصالح السعودية والخليجية .
4. عودة إيران للسوق النفطية وهو ما يعني تقليص مدخولات السعودية من النفط .
وعلى ضوء هذا الواقع والتوتر وعدم الإستقرار بالخليج ، وعدم جدية الإدارة الأمريكية بردع إيران وتهديداتها ضد دول الخليج ، مطلوب من السعودية ودول الخليج الإبتعاد عن دعم الخيار العسكري بين الولايات المتحدة وإيران وعدم الثقة بالسياسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران ، وهذا يتطلب ما يلي :
1. ترتيب البيت الداخلي الخليجي ، على ضوء الواقع الخليجي بعدم القدرة على مواجهة النفوذ الايراني في المنطقة، بسبب :- الإنقسام داخل دول مجلس التعاون على خلفية الأزمة مع قطر، عدم توفر إرادة سياسية خليجية لتطوير شكل مجلس التعاون الخليجي الى اتحاد فعال، عدم وجود موقف خليجي موحد من التهديد الايراني، عدم وجود نظام إقليمي عربي فعال يوازن النفوذ الايراني .
2. نقترح على المملكة العربية السعودية ، التي نتمنى لها الأمن والآمان ، لما تمثله من قوة عربية وإسلامية وخادمة للحرمين الشريفين ، مراجعة سياساتها ، لتعزيز مكانتها الإقليمية والاسلامية والدولية، وأن تعود السعودية الى سياستها السابقة التي إتسمت بالحكمة والتسامح والصبر والتأني والبعيدة عن الإنفعال والعصبية ، وكذلك الإبتعاد عن المعادلات الصفرية في علاقاتها الاقليمية والدولية والتي أضرت بمكانة وسمعة السعودية وإستنزفت مواردها المالية .
3. إنهاء الأزمة مع قطر فورا .
4. إعادة بناء مجلس التعاون الخليجي على أسس جديدة ، تزيل هواجس الدول الصغيرة وخوفها مما يعتقدون بهيمنة الشقيقة الكبرى (السعودية) عليهم ، وضرورة إعطاء هذه الدول هامش حرية في علاقاتها الخارجية الإقليمية والدولية بما ينسجم مع الثوابت الخليجية .
5. ضرورة إنهاء الحرب في اليمن بالسرعة الممكنة ، لإستحالة تحقيق نصر عسكري ، ولما تشكله من إستنزاف مالي وعسكري سعودي وإماراتي ، وإساءة لسمعة السعودية في العالم ، وهناك أطراف إقليمية ودولية تريد إستمرار الحرب في اليمن لإشغال السعودية وتشغيل مصانع الأسلحة . وهذا يتطلب التفاوض مع الحوثيين والتوصل الى مصالحة وطنية وإشراكهم في العملية السياسية لإنهاء هذا الملف .
6. مراقبة الإتصالات الامريكية – الإيرانية ودراسة إمكانية فتح قنوات إتصال مباشرة مع إيران لضمان المصالح الخليجية وعدم الإعتماد على الولايات المتحدة التي تسعى لتحقيق مصالحها ومصالح إسرائيل فقط ، على أن يكون حوار خليجي جماعي مع إيران حتى لا تستفرد إيران بكل دولة خليجية .
7. تمسك السعودية ودول الخليج بثوابتها السياسية وخاصة تجاه القضية الفلسطينية والمبادرة العربية التي قدمتها السعودية لحل الصراع العربي – الإسرائيلي، ومراعاة مصالح الأطراف المعنية بالدرجة الأولى بالقضية الفلسطينية (فلسطين والأردن ومصر)، وأن لا تتدخل كطرف مفاوض ومنافس لهم في هذ الملف الحساس أو داعم لما يسمى صفقة القرن التي تهدف لتصفية القضية الفلسطينية لصالح إسرائيل .
8. إعادة توثيق العلاقات مع تركيا لموازنة النفوذ الإيراني في المنطقة .وكذلك فتح قنوات حوار إستراتيجي مع روسيا والصين .
9. قيام دول الخليج بتمتين الجبهات الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال اجراء اصلاحات سياسية داخلية متدرجة تشرك كل مكونات المجتمع بالعملية السياسية والتنموية وعدم اقصاء اي مكون، لتعزيز مفهوم المواطنة القانونية والولاء للدولة وليس للطائفة ، وذلك لسحب البساط من ايران التي تتدخل في شؤون دول الخليج باللعب على وتر مظالم الأقلية الشيعية في الخليج .