صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

تَحَدّيات أمام الإيرادات المحليّة

واقع ماليّ مؤسف للاقتصاد عامة والموازنة خاصة، وهي جميعها وليدة تَراكُمات السياسات الاقتصاديّة على مدى السنوات الماضيّة

ليسَ سَهلاً على راسم السياسة الماليّة الوصول إلى فرضيات الموازنة العامة حسب ما أُقرّ في قانونها، فالتحدّيات والتناقضات كثيرة لدرجة انه مُمكن أن تُخالف كُلّ التوقعات والتقدّيرات.

فإذا استمرت الحُكومة في مَنحِ التخفيضات الجُمركيّة للمركبات سواءً الكهربائيّة أو الهجينة “الهايبرد” فأن ذلك سَيعني تَراجع إيراداتها من سيارات البنزين ذات الجُمرك العاليّ من جهة.

وإذا شجعت على هذه السياسة التخفيضيّة للسيارات الصديقة للبيئة مثل السابقة فأن هذا أيضا يعني أن كمية الوقود المُستهلكة على مستوى المملكة سوف تنخفض، وبالتالي إيرادات الخزينة من عوائد المحروقات سوف تتراجع، ولا نستهين بهذا الأمر إذا ما عَلِمنا أن أكثر من ٥٠ بالمئة من استيراد السيارات كان باتجاه سيارات الهايبرد، و٢٥ بالمئة من السيارات الكهربائيّة، حينها سَنُدرك حجم التراجع في إيرادات جمارك السيارات التي تتجاوز قبل ذلك النصف مليار دينار تقريباً في بعض السنوات.

الخسارة أكبر قد تكون في عوائد المحروقات التي تتجاوز الـ١.٢ مليار دينار، فتراجع استخدام الوقود لصالح السيارات البديلة “الهجينة” والكهربائيّة يضرّ بإيرادات الخزينة فيه هذا المجال، والأمر ينطبق على تشجيع الحكومة لسياسة الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسيّة وغيرها، يعني أن إيرادات الخزينة أيضا ستنخفض من عوائد الكهرباء التي تجنيها، وانخفاض استهلاك الوقود الخاص بالكهرباء أيضا.

الحُكومة تتفاوض مع شركات الدخان اليوم على آليات جُمرك الدخان الإلكترونيّ وأشكاله المُختلفة، وفرضت عليه رسوما جُمركيّة وضريبيّة عالية وصلت ٢٠٠ بالمئة، خوفا من تراجع إيراداتها المُحصّلة من الدخان التقليديّ الذي تُقدّر عوائده بأكثر من مليار دينار مُتحصّلة من خمس شركات، فلا هي راغبة بالتنازل عن إيرادات الدخان التقليديّ، ولا هي مُتنازلة أيضا عن الدخان الجديد، في المقابل الدخان المُهرّب يزيد عن الـ٣٠ بالمئة من إجماليّ سوق الدُخان في المملكة.

حتى نظام الإعفاءات التي تمنح للمستثمرين من أجل تحفيزهم على الاستثمار وتنفيذ المشاريع، والتي قُدرت قبل عامين بقيمة إجمالية تبلغ ٨٠٠ مليون دينار، لمّ تحقق العائد المرجو منها، وكان هُناك رأي واضح ومدعوم من صندوق النقد الدوليّ بأنها ألحقت خسائر في عائدات الخزينة مُقارنة مع المبالغ المُقدّرة التي كانت من الممكن أن تُحصّلها في حال عدم مَنحِها لتلك المشاريع التي قد يرى البعض أنها لم تنفذ التزاماتها بالسير في استكمال تنفيذ المشاريع المُقررة.

لا يفهم من الكلام السابق أن كاتب المقال ضد الإعفاءات والتخفيضات الجُمركيّة على السيارات، بالعكس تماما، أنا من أنصار منح الإعفاءات المشروطة للمشاريع الاستثماريّة وربطها بالقيمة المُضافة لِكُلّ مَشروع، ومع تخفيض الرُسوم الجمركيّة والضريبيّة على السيارات “الهجينة” والكهربائيّة، وكُلّ ما يصُب في مصلحة البيئة.

لكن الواقع الحالي المؤسف للخزينة لمّ يترك لراسم السياسة الماليّة في الدولة مجالاً للتفكير في الأبعاد الاقتصاديّة والتنمويّة للقرارات التي اتخذت في الآونة الأخيرة، فكُلّ الاهتمام الحكوميّ مع كُلّ أسف هو في توفير التمويل اللازم للنفقات التشغيليّة وعلى رأسها رواتب العاملين في القطاع العام والمتقاعدين، وبعد ذلك تأتي المديونيّة وفوائدها لتسحب غالبية بند الإيرادات المحليّة، ولا يتبقى سوى القليل القليل من المخصصات لتمويل بند النفقات الرأسماليّة، وهذا ما يُفسّر أسباب ضعف النُمُوّ الاقتصاديّ في الأردن مُنذ عام ٢٠٠٩.

واقع ماليّ مؤسف للاقتصاد عامة والموازنة خاصة، وهي جميعها وليدة تَراكُمات السياسات الاقتصاديّة على مدى السنوات الماضيّة والتي أدت في مُجملها إلى تشابكات مُعقدة في الإجراءات والسياسات المُتبعة، جعلت للأسف الوصول إلى حلول علميّة في بعض الأحيان لا يُمكن في ظل معطيات ماليّة صعبة فُرضت على الخزينة.

[email protected]