صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

إِلغاء التقاعد المُبكر

الأصل في التقاعد المُبكر أن يكون للعاملين في المهن الخطرة التي قد تسبب عجزاً أو أثراً صحيّاً على العامل وفيها من الخطورة ما يجعل العامل بأمس الحاجة إلى التقاعد

أثار طرح مَشروع قانون مُعدِّل لِقانون الضمان الاجتماعيّ على أجندة أعمال الدورة الاستثنائيّة البرلمانيّة التي تنعقد يوم ٢١ من الشهر الجاريّ، مجموعة من التساؤلات كان أهمها: هو موضوع التقاعد المُبكر الذي كان ومازال الأكثر جدلا في الشّارع الأردنيّ مع مؤسسة الضمان الاجتماعيّ.

طبعاً بِمُجرد طرح مَشروع قانون الضمان للنوّاب يُثار هذا السؤال المُتعلق بالتقاعد المُبكر وتبدأ الشائعات تنتشر هُنا وهناك بسرعة ويبدأ بعدها نِقاش عقيم لا يصل إلى نتيجة.

بدورها قامت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعيّ بتوضيح أسباب إدراج القانون على الدورة الاستثنائيّة، موضحة في ذات الوقت أن مشروع قانون الضمان المُعدّل لا يتضمن أي تعديلات تتعلق بشروط استحقاق التقاعد المُبكر لجميع المشتركين الحاليين.

وكشفت النقاب أيضا أنه لم يتضمن مَشروع القانون المُعدّل لقانون الضمان الاجتماعيّ رقم (1) لسنة 2014 أي تعديلات تتعلق بشروط استحقاق راتب التقاعد المُبكر للمؤمن عليهم الحاليين، وإنّما تضمن إيقاف التقاعد المُبكر عن المؤمن عليهم الذي يتم شمولهم بالضمان لأول مرة بعد نفاذ القانون المُعدّل، وذلك بهدف تعزيز الحِماية الاجتماعيّة للمؤمن عليهم من خلال إبقائهم في سوق العمل لأطول فترة مُمكنة بما يُتيح لهم الحصول مستقبلاً على رواتب تقاعديّة مُجزية، إضافة إلى تعزيز الاستدامة الماليّة والاجتماعيّة للضمان.

كاتب هذا المقال هو من المُستفيدين من نظام التقاعد المُبكر المعمول به حاليا، لكنني حقيقة أشعر بالخجل من أن أتقاعد من عمليّ لِمُجرد أنني بلغت سن التقاعد المُبكر وهو 50 عاما، فهذا بالنسبة لي سن للعطاء ومواصلة الأعمال، وليس للتقاعد.

50 عاما هو سن التقاعد المُبكر للرجل، و45 عاما للمرأة في القانون الأخير للضمان الاجتماعيّ، ورغم أنه تم رفع سن التقاعد من 45 عاما، ووضع ضوابط عدة على هذا النوع من التقاعد وحدد المهن التي بموجبها يسمح لعامليها بالتقاعد المُبكر، إلا أن المشكلة ما زالت على حالها دون أي توقف، وما زالت للأسف هي المُسيطرة على المنحى العام لحجم المتقاعدين في الضمان الاجتماعيّ، حيث أن عدد المتقاعدين مُبكرا وصل إلى أكثر من 98 ألف متقاعد بما نسبته 47 بالمئة من العدد الإجمالي لمتقاعديّ الضمان، الذين بلغوا نحو 208 آلاف مُتقاعد من مختلف القطاعات ودرجات الرواتب، فيما يبلغ عدد المشمولين تحت مظلة الضمان الاجتماعي حوالي 2.3 مليون شخص من القطاعين العام والخاص.

المُشكلة الكبرى في التقاعد المُبكر ليس في أن يترك الشخص عمله ويتقاعد، لا بل إنه يعود للعمل مباشرة بعد أن يَحصل على هذا النوع من التقاعد، فغالبية متقاعديّ الضمان الاجتماعيّ يتقاعدون لتحسين ظروف أمنهم المعيشيّ، وهذا حقهم في البحث عن أفضل السبل لتحسين دخلهم من خلال الحصول على التقاعد المُبكر، مصحوبا بدخل إضافي من عمل جديد قد يكون العمل السابق الذي تقاعد منه، والقانون الأخير حدد ضوابط لعودة المتقاعدين مُبكرا للعمل ونظم عودتهم أيضا لنظام التقاعد.

اِرتفاع أعداد المتقاعدين مُبكرا يعود لسبب آخر وهو قلقهم على مستقبلهم، والخوف من أن يحدث شيئا سلبيّاً لا سمح الله للضمان الاجتماعيّ، إذ دائما ما تكون الشائعات تُحرك قرارات المتقاعدين، كما يحصل الآن.

 

الأصل في التقاعد المُبكر أن يكون للعاملين في المهن الخطرة التي قد تسبب عجزاً أو أثراً صحيّاً على العامل وفيها من الخطورة ما يجعل العامل بأمس الحاجة إلى التقاعد، ومن ثم توفير حياة كريمة له في راحته واستقراره المعيشيّ.

للأسف هذا المفهوم غير موجود نهائيّاً في عقلية المتقاعدين على النظام المُبكر، فالهدف بالنسبة لهم هو الهروب بسرعة تجنباً لِمستقبل مظلم، أو كما قلنا سابقا للحصول على عمل إضافيّ، وبالتالي دخل جديد إلى جانب الدخل المُتأتي من التقاعد، وبالتالي ليس العجز في العمل هو سبب التقاعد.

حجم التقاعد بهذا الشكل على النظام المُبكر فيه استنزاف هائل لموارد الضمان الاجتماعيّ، فالأصل من المتقاعد أن يحقق الغاية الأساسيّة من التقاعد، لا أن يبدأ مسيرة جديدة في العمل ويعطل على الآخرين الباحثين عن وظائف جديدة، فالتسابق بين المتقاعدين والخريجين على أشده في هذه الفترة تحديداً، والتي هي بأمس الحاجة إلى وقفة صريحة وعصريّة للتعامل مع نظام التقاعد المُبكر وفق أصول منطقيّة علميّة، وأنا شخصياً من أنصار تحسين التقاعد المُبكر ودخله للمتقاعدين، لكن قبل ذلك يجب أن يكون هناك ضبط وتصويب لهذا النظام الذي بات يُشكل خللا كبيراً في الضمان الاجتماعيّ.

[email protected]