صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

البَطالة .. الكابوس القادم

الحديث عن القطاع العام فوضعه العام في غاية من الصعوبة، ولا اعتقد أن الحكومة تقدر على معالجات جذريّة لمشاكله، علماً أنها معروفة للجميع، فحلّها للاسف اشبه بالمعجزة في ظل الظروف السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الراهنة

مازالت كُلّ السياسة الحُكوميّة والإجراءات الاقتصاديّة الرسمّية المُتبعة عاجزة عن وقف نُمُوّ البَطالة التي ترتفع مُعدّلاتها من عام لأخر بصورة قاتمة لا يبدوا لها حلّ في الأفق القريب.

اليوم وصلت البَطالة إلى أعلى مُعدّلاتها مُنذ ٢٠ عاماً وبلغت نسبتها الآن ١٩ بالمئة كما أعلن عن ذلك وزير التخطيط خلال لقائه بلجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النوّاب مؤخرا، وهذه نسب عالية بِكُلّ المقاييس الاقتصاديّة، وتعكس حقيقة حالة التباطؤ الاقتصاديّ التي يعيشها الاقتصاد الوطنيّ مُنذ عام ٢٠٠٨، حيث أن مُعدّلات النُمُوّ لم تتجاوز في احسن حالتها ال٢.٢ بالمئة.

واضح اننا في الأردن أمام مأزق في قدرة الاقتصاد على إيجاد فُرص عمل جديدة توائم اعداد الخريجين الداخلين لسوق العمل والذي يتجاوز عددهم اليوم ما يقارب اليوم ال١٥٠ ألف خريج من مختلف المُستويات، في حين أن قدرة الاقتصاد الوطنيّ الحالية لا تتجاوز في توظيف اكثر من ٥٦ ألف وظيفة جديدة في كُلّ عام، وهذه القدرة كانت في الفترات التي كان النُمُوّ الاقتصاديّ يتراوح بين ٥-٧ بالمئة، فكيف هو الحال اليوم في ظل مُعدّلات راهنة لا تتجاوز ال٢ بالمئة، ولا ننسى نصيب العمالة الوافدة من تلك الحصة الضئيلة والتي يُقدّرها البعض ما بين ٢٠-٢٥ ألف عامل وافد يستحوذون على نصف الحصص من إجمالي فرص العمل الجديدة السنويّة.

الحكومات استحدثت الكثير من الأفكار والبرامج لمحاربة البطالة منها انشاء الشركة الوطنيّة للتشغيل، ورصدت ما يقارب ال٣٥ مليون دينار لتمويل برامجها التشغيليّة، واستحدثت الكثير من برامج التشغيل بالتعاون مع وزارتي العمل والتخطيط وجميعها بلا استثناء لم توقف نزيف البطالة التي يتسع حجمها من عام لآخر رغم كُلّ هذا الاتفاق الماليّ الكبير من الخزينة.

في اعتقادي الشخصي أن الحكومة بسياستها الراهنة لن تقوى ابداً على مواجهة كابوس البطالة، فالأمر بحاجة إلى فِكر مُعمق اكثر ديناميكيّة مما تفعله في الواقع الراهن.

القطاع العام الذي كانت الحكومات السابقة تتخذه ستراً في مواجهة البطالة، حيث ملأته بآلاف العاملين الذين ليس لهم أيّة حاجة في الدولة سوى الاستجابة لضغوطات الشّارع والقوى المنفذة والخروج على مبدأ القانون والشفافيّة والحاكميّة وانتشار مظاهر الفساد الإداريّ والمحسوبيّة والواسطة، جعل من هذا القطاع اليوم غير قادر على استيعاب ايّ دفعات بشريّة جديدة، لا بل حتى إنتاجيته تراجعت إلى أدنى مستوياتها، مما جعل الحُكومة الحالية ترفع يدها عن هذا القطاع في قضية التشغيل، وهو سبب رئيسيّ من أسباب زيادة مُعدّلات البطالة، وهو عدم قدرة الحكومة على التشغيل.

يبقى القطاع الخاص المشغلّ الأكبر للعمالة في المملكة (١.٢) مليون عامل في القطاع الخاص على اختلاف مستوياتهم، هذا القطاع هو الآخر اليوم أصابه من الشلل الإداريّ والماليّ بحيث لم يعد قادر على التشغيل بالشكل الذي كان عليه في السابق، وهو يشهد اليوم إعادة هيكلة لكثير من انشطته واعماله وضبط لنفقاته، فعائدات الخزينة تراجعت في كثير من القطاعات بسبب بعض السياسات الحكوميّة والمنافسة غير العادلة في بعض الاحيان، وفي حين كان في الأردن شركة أسمنت واحدة توزع عن ما يزيد ال٩٠ مليون دينار أرباحاً على مساهميها، لدينا اليوم خمس شركات أسمنت كبرى وجميعها خاسرة، والأمر لا يختلف بالنسبة للبنوك والشركات في قطاع الخدمات والعقارات والصناعات المختلفة التي كثير منها لم يوسّع انشطته واستثماراته في السنوات الاخيرة، نتيجة المعيقات والتحدّيات التي تعصف ببيئة الأعمال المحليّة.

هذا يقودنا إلى نتيجة سلبيّة للغاية وهي أن ذراعي الحكومة في التشغيل القطاعين العام والخاص دخلا فعلاً في غرفة الإنعاش، وبالتالي الحكومة مطالبة بانقاذهما ويكون ذلك بالتوجّه أولا للقطاع الخاص لانه مشاكله ومعالجتها بيد الحكومات لوحدها، وهذا يتطلب اعداد خارطة طريق تحدد أولويات العلاج السريع من خلال المحافظة على، أولا: الاستثمارات المحليّة ودعمها وإزالة كافة العقبات التي تحول دون توسعها، والخروج من الإعفاءات للمستثمرين، ومنحهم اياها وفق منظومة قانونيّة مرتبطة بالتوسّع الاستثماريّ والقدرة على تشغيل اردنيين واستخدام مدخلات انتاج محليّة وتعزز الصادرات استخدام التكنولوجيّا وتجذب العملات الصعبة للخزينة، حينها سيكون بمقدور القطاع الخاص المساهمة في التشغيل والتوظيف ومحاربة البطالة.

اما الحديث عن القطاع العام فوضعه العام في غاية من الصعوبة، ولا اعتقد أن الحكومة تقدر على معالجات جذريّة لمشاكله، علماً أنها معروفة للجميع، فحلّها للاسف اشبه بالمعجزة في ظل الظروف السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الراهنة، فالحكومات لا تستطيع ابدا مواجهة تداعيات هيكلة القطاع العام بأسلوب علميّ واقتصاديّ.

[email protected]