صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

لماذا يجب ان نقلق من “الجن”؟

ومن قراءاتي لتعليقات المتابعين، لاحظت أن الأغلبية تنبذ القيم التي يحاول “مسلسل جن” أن يُطبّعها في هذا الجيل الغض وأن يفرضها في الفضاء الاردني العام.

للأسف، تخرج علينا كل فترة وجيزة تقليعة جديدة، تحاولأن تُقنعنا بالعواطف والدعاية ان ما تقوم به أقلية انما هو المعيار المجتمعي. وبالتالي فان ما تمارسه هذه الأقلية يجب بطريقة ما ان يُعمّم على الأغلبية وعلى ثقافة المجتمع ككل.

آواخر العام الماضي خرج علينا مهرجان “القلق” الى الفضاء العام راغباً في ان تكون “ميامي” الأمريكية قدوة لعمّان الأبية. واليوم يقفز علينا فجأة مسلسل اسمه “جن” وبحلقات متعددة هذه المرة.

ومن قراءاتي لتعليقات المتابعين، لاحظت أن الأغلبية تنبذالقيم التي يحاول مسلسل جن أن يُطبّعها في هذا الجيل الغض وأن يفرضها في الفضاء الاردني العام.

لكن لفت انتباهي أيضاً رأي يعتقد بأن المسلسل ربمايعكس “جزءاً من الواقع” رغم التوافق على تقبيحه. وكنت قد نوهت في مقال سابق (لماذا يجب أن نقلق من القلق؟) الى النهج الوصفي لهؤلاء الواقعيون. فهؤلاء يرون أهمية القاء الضوء الموضوعي على ما ينتاب فئات من “الجيل الجديد” من هشاشة أخلاقية في ظل ظروف بطالة عالية.

لكن هذا الرأي يغفل قضية جوهرية: هل الرسالة الأساسية للفن هو أن يعْكس الواقع المتردي أم أن رسالته هي السعي لاصلاح الواقع بعد تشخيصه نحو الأفضل؟ وكيف نضمن ان رسالة الاصلاح قد وصلت وبقوة؟. هنا بالضبط يقع مَقْتل التقليعات الجديدة.

لقد صورت قصة يوسف باتقان لحظات الضعف البشري لكنها بالتأكيد لم تكتفِ بذلك، بل دعمته برسالة أخلاقية قوية (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ، إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) و (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ). حيث تكون المآلات الطيبة طويلة الأجل في نهاية القصة لمن يلتزم بالمعيار الأخلاقي.

هذا هو النهج المتوازن الذي يجمع بين وصف الواقع الجزئي المتردي وبين زرع المثال الشامل الساطع، حيث لا تضيع المعايير الأخلاقية وسط الفن الواقعي وبأسمه.

اذ يجب ان لا يكتفي الفن بوصف (جزء من) الواقع ثم يقف فخوراً بموضوعيته الجزئية!. بل يجب على الفن أن يُخصص الجزء الأكبر من الموارد والسيناريوهات واللقطات لتغيير هذا الواقع نحو الأفضل. هنا بالضبط يقع الفرقالجوهري بين عمّان وميامي، أو بين قصة يوسف ومسلسل جن.

ومن منظور السياسة العامة، كنت قد أكدت في مقال (لماذا يجب أن نقلق من القلق؟)على أولوية (المعايير والقيم الأخلاقية المشتركة) في المساهمة الجوهرية في حل تحديات ومشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والأسرية، وفي تحقيق النظام الاجتماعي العام Social Order، وفي تجاوز جوانب الاخفاق المزمنة في كل من الأسواق الحرة (المذهب الليبرالي الفردي) والتدخل الحكومي (المذهب التسلطي المركزي).

فحسب تعبير الاقتصادي جامس بوكانان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد: “اذا فشلت كل من الأسواق والحكومات، ما هو البديل التنظيمي؟”. هذا التساؤل المركزي حول السياسة العامة وحول حوكمة الحوكمة Meta-Governance في المجتمعات المعاصرة يقع في صلب موضوع المقال.

حيث استطاع علم الاقتصاد الأكثر حداثة ممثلاً في اقتصاديات الرفاه واقتصاديات الاختيار الحكومي ان يقدم الادلة المنطقية والمتسقة والشاملة على صحة التفسير الذي يرى بأن القيم المشتركة هي الضمان الوقائي والأشمل والأكثر فعالية والأقل كلفة للنظام الاجتماعي العام .

فليست المصالح الذاتية المستنيرة ولا التنافس ولا القانون ولا التدخل الحكومي هو الضمان الوقائي والأكيد لتحقيق النظام الاجتماعي العام، وما الآليات السابقة سوى عوامل مساعدة ومكملة وضرورية لكنها ليست كافية بأي حال من الاحوال، خصوصاً في المجتمع المعاصر المعقد والكبير.

ولكل ما سبق، ينبغي جميعنا أن نقلق من انتشار “الجن” في مجتمعنا الذي نطمح له دوماً الأفضل. والحيادية هنا أشبه بالتدمير الذاتي للقيم وفرض للعدمية الأخلاقية، أو اللامعيارية (الأنومي) حسب علم الاجتماع، وما يتبعه من تداعيات سلبية نعايشها يومياً للأسف.