صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

العشائرية والدولة بقلم: د.فيصل السرحان

يخطئ من لا ينظر الى العشائرية على أنها منظومة اجتماعية متطورة ودائمة الحياة وانها قابلة للتعايش مع اي تقدم اجتماعي ام اقتصادي ، ويجانب الحقيقة من لا يقر بأنها عنصر أيجابي ومؤثر في دعم منظومة السلم ألاهلي والركب الحضاري .

فقد واكبت العشائرية مراحل تطور البشرية ومرت خلالها في مرحلة انتقالية هامة حيث تحولت من مجتمع الصيد والتشاركية في كل شيئ في العصور القديمة حتى وصلت الى مرحلة تكوين الكيانات والدول ، فالعرب في مرحلة ما قبل الإسلام كانوا قبائل دائمة الترحال تعيش في صدام مستمر حتى جاء الاسلام ووحدهم وصهرهم في كيان واحد وأسس لهم دولة ، فهي باختصار تعتبر موروثا’ انسانيا’ قديم جديد لها وظيفة سياسية واجتماعية واقتصادية ولدتها ظروف ومعطيات معينة تبلورت في حماية أمن وسلامة أبناءها وصون وتحصين مصالحهم المختلفة ضد أي تهديد محتمل.

أما الدولة فهي أم الجميع، ويقع على عاتقها تمتين وترسيخ hلانتماء للوطن وذلك من خلال دورها في حماية و رعاية التوزيع العادل للثروات والمساواة بين المواطنين في الحقوق والوجبات وصون كرامتهم وصهرهم في قالب الدولة الواحدة، وفي حال عدم تمكنها من تحقيق ذلك بقوة الاقناع والبرهان والممارسة فان ذلك يقود الى تخلي الفرد عن مسؤلياته تجاه الدولة وتوجيهها الى الولاء للعشيرة فنراه يدافع عنها ويرجع اليها نسبا’ وتعصبا’، وعندها ستبرز مراكز قوى أخرى في المجتمع ألامر الذي سيشكل مصدر خطر ينذر بتفككه وانقسامه وخلق صراعات مستمرة بين نسيج ابنائه، ولتلافي مثل هذا الوضع فان على الدولة استخدام كافة قدراتها في احقاق الحق لجميع الناس وعليها اقناعهم بسياساتها فتجاوز القانون يعني المساءلة والعقوبة ،والثأر يعني حكم المحكمة، والجاني يتحمل تعويض المجني عليه، واشعار المظلوم بأنه قوي وانه جزء من القانون والحكومة والشعب ،وأن كرامته من كرامة الدولة ،وانه ليس حاشية لها وانه يملك فيها وليس مملوك لها ،واذا فشلت الحكومة في تحقيق ذلك فانه لا يعني بالضرورة فساد الدولة وفشلها بأجمعها ، فان نجحت الدولة في ترسيخ مثل هذه المبادئ في نفوس أفرادها فانهم حتما’ سيدركون ويتقبلون انه اذا ما أصابها خلل أو قبح فذلك من صنع أيديهم وعليهم تعديله وتجميله واذا أصابها تقدم وجمال ورقي فمن صنع أيديهم ايضا’ وعليهم المحافظة عليه وحمايته ، فالعلاقة اذن بين الفرد وعشيرته تقوى وتضعف حسب قوة الدولة ودورها في ضمان أمن ومعيشة ابناءها ومتى ضعفت الدولة وتأرجت موازين تطبيق قوانينها واستشرى الفساد وتصحرت مساحات العدالة فيها وتذبذب توزيع مكتسبات التنمية فان ذلك يؤدي سؤدي حتما’ الى عودة قوانين العشائرية الى الواجهة ألامر الذي سيرافقه زيادة نفوذ العشائر الكبيرة ولتحل قوانينها وانظمتها محل القانون والنظام المدني في حين أن القبائل الاخرى سترى بان ذلك تهديد لنفوذها وكيانها مما سيتسبب في تأجيج الصراعات والنزاعات الداخلية ولفترات طويلة .

يجب تجاوز الخوف من العشائرية على اعتبار ان البعض يراها نقيض للشعور الوطني والديني والطائفي والقومي وغيره ،وذلك لسبب بسيط وهو انها نسيج اجتماعي اثبت بالممارسة أنه يستطيع أن يتعايش مع المفاهيم والطروحات السابقة بكل سلاسة ويسر ، يؤثر ويتأثر بها ويتجلى بروز ذلك بأبهى صوره اذا فسح المجال امامها للمشاركة في بناء الدولة ومؤسساتها المختلفة.

فالدولة مدعوة الى مراعاة دورها وترسيخه بشكل ملموس ودون محاباة لان ضعفها يقود وكما أسلفت الى ظهور قوى مدعومة بالفطرة لان تسلبها دورها وتستحوذ عليه الامر الذي سيؤدي الى تأجيج الصراع المفضي الى تولد الشعور بالاغتراب الاجتماعي لدى ابناء الوطن والذي حتماً سيقود الى العودة لعصور التخلف والانحطاط. 

وهذا ما لا يقبل ابداً