صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

هل هو التفاف على مسار الإصلاح السياسي؟

المحامية مصون شقير

 

 

نفهم تماماً بأن لكل دولة أن تختار نظامها الانتخابي الذي يتوافق مع واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن ما لا نفهمه هو أن يتم تصميم النظام الانتخابي للتحكّم بشكل مسبق في مخرجات المشهد النيابي وفي دينامية الحياة السياسية، فبعد عودة الحياة الحزبية والبرلمانية عملياً في العام 1989 وانتخاب أول مجلس نيابي بعد انقطاع دام عقود وعلى أساس قانون الصوت المتعدد، والذي أفرز برلماناً يعكس تعدداً حزبياً وسياسياً مُرضياً واستقطب شخصيات سياسية وازنة، فقد تم في العام 1993 تعديل قانون الانتخاب بُغية إعادة ترسيم المشهد النيابي وضبط إيقاعه لاعتبارات سياسية وأهمها تحجيم بعض القوى السياسية والحد من تأثيرها ونفوذها وخاصة في ضوء استحقاقات معاهدة السلام مع الكيان الإسرائيلي والتي تم توقيعها في العام 1994.
واستمرت بعد ذلك التعديلات على قانون الانتخاب والتي اعتمدت على نظام الصوت الواحد ولكن بصيغ مختلفة، وهو الأمر الذي أفرز وعلى مدى سنوات طويلة مجالس نيابية ذات طبيعة خدماتية، مما أثرّ على جودة العمل التشريعي والرقابي، بالإضافة إلى أنه أذكى النزعات الفئوية والجهوية والتي تحكّمت ببواعث عملية الترشيح والانتخاب على السواء مما أفسد العملية الانتخابية برّمتها.
وبالرجوع إلى قانون الانتخاب لمجلس النواب وتعديلاته رقم (6) لسنة 2016 الساري المفعول، والذي اعتمد نظام القائمة النسبية المفتوحة، فإنه ومنذ إصداره فقد أثار العديد من المختصين ملاحظاتهم حول سلبياته، والتي ثبت بالتجربة صحتها، من حيث أنه لا يخرج عن كونه صيغة أخرى لقانون الصوت الواحد، فهو على سبيل المثال لم يتح المجال الفعلي لتشكيل قوائم على أساس حزبي أو سياسي، ومنح بالتالي الفرصة للمرشح القوي بسبب نفوذه المالي والاجتماعي أن يشكِّل كتلة ويضم إليها مرشحين من أجل فقط استيفاء شروط ترشيحه في كتلة دون أن يكون ملزماً بمنحهم أصواته، كما أن عدم اعتماد نسبة حسم “عتبة ” حوّل القوائم إلى أفراد وأحدث مشاكل هيكلية في توزيع المقاعد، كما أنه وفي جميع الأحوال فإنه لا يتيح الفرصة لأي حزب للفوز بالأغلبية على مستوى الوطن.
وحيث أن المسائل بخواتيمها فإننا نلاحظ هلامية تشكيل معظم الكتل والائتِلافات في مجلس النواب الثامن عشر، والتي يتعذر معها تكوين نواة لحكومات برلمانية، هذا عدا عن الأداء الذي لا زال يغلب عليه الطابع الخدماتي، ودون أن ننسى الأداء المحتقن لعدد من السادة النواب والذي أثرّ بالتأكيد على صورة وهيبة المجلس.
وعلى ذلك فإنه من المستغرَب أن يظهر هذا التردد والتناقض في موقف الحكومة من تعديل قانون الانتخاب الحالي، بعد أن كان دولة رئيس الوزراء قد التزم سابقا بمراجعته، سيِّما وأن عنوان تكليفه وتشكيل حكومته التي جاءت على صدى احتجاجات الدوار الرابع هو إجراء الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي مجتمعين، أو أن ينبري البعض للدفاع عن هذا القانون تحت مبررات عدة منها أنه يمثل خروجا من عباءة قانون الصوت الواحد, وأنه يحتاج للتجريب لأكثر من دورة انتخابية من أجل تقييمه بشكل موضوعي، أو أن العيب ليس في القانون وإنما في ثقافة الانتخاب وسلوك الناخبين، في حين أن الحقيقة هي أن هذا القانون يساهم في تكريس سلبيات الحياة البرلمانية والسياسية، وغير قادر على إحداث التغيير المطلوب من حيث تشكيل برلمان له صفة تمثيلية شمولية، ويستوعب كافة الأحزاب السياسية التي يمكن أن تُشكِّل نواة لكتل برلمانية صلبة قادرة على تشكيل حكومات برلمانية لاحقا.
إن الحديث عن الحكومات البرلمانية لم يعد ترفا سياسيا، بل هو استحقاق يفرضه منطق الإصلاح السياسي الذي يتطلب المشاركة الشعبية في رسم السياسات العامة للدولة، لأنه من غير المنطقي أن يتحمل الشعب الكلف الباهظة للسياسات التي لم يشارك في وضعها، وأن على الحكومة أن تستمع للمقترحات الهامّة التي قدّمتها جميع الأحزاب والقوى السياسية للمضي قدما في تعديل قانون الانتخاب، بهدف تطوير العملية الانتخابية وتجويد مخرجاتها، وبغير ذلك فإن ما يحصل هو التفاف على مسار الإصلاح السياسي.