صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

الخارطة الاستثمارية: أداة استراتيجية لحشد الموارد وتعافي الاقتصاد

الكل يتحدث عن أهمية تشجيع الاستثمار في توليد المزيد من فرص التوظيف لقوة العمل الشابة والمتعلمة والمتراكمة، لكن الفعل لا يزال عموماً دون الطموح، متأثراً بضعف التنسيق والمتابعة والتقييم بين الجهات المعنية بالاستثمار.

ورغم قصص النجاح، وباستثناء مبادرات مؤسسية كتأسيس وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة وتفعيلها، تأخذ استجابة السياسة الاستثمارية عموماً طابع تدرجي وبطيء، في حين ان رصيد معوقاتالاستثمار، وآخر اضافاته: ضعف نمو السيولة (1.4%) وضرورة تفعيل مجلس الاستثمار، لا يزال مؤثراً.

الخارطة الاستثمارية هي وثيقة حكومية تلخص فرص الاستثمار الانتاجي الواعدة في كل قطاع فرعي وفي كل محافظة ويفضل في كل عنقود Cluster (مجموعة من الأنشطة المرتبطة). ويفضل أن تشمل هذه الخارطة: المشاريع الضخمة Mega Projectsوالكبيرة، بما فيها مشاريع الشراكة، وأيضاً المشاريع المتوسطة والصغيرة. وفرص الاستثمار الواعدة تأخذ صورة دراسة جدوى أولية تتضمن دراسة للسوق وتقدير لمعدل العائد المتوقع وتحليل للحساسية (مخاطر الاستثمار).

وتحفيز الاستثمار هو جهد تكاملي يبدأ عادة باستكشاف واعداد ومتابعة وتقييم خارطة استثمارية محدثة ودقيقة وشاملة لمختلف محافظات وقطاعات الأردن. وبرأيي، يجب أن يصاحب نشر هذه الخارطة: (1) حزمة سياسات متكاملة وداعمة للاستثمار الانتاجي وتنافسيته السعرية والابتكاريةفي قطاعات واعدة مختارة أو في مختلف القطاعات (أنظر مقال الكاتب: كيف نخفض تكاليف الاستثمار في الأردن؟)، و(2) حضور أقوى للبنوك ولصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي في تصميم وتنفيذ مشاريع الخارطة الاستثمارية الوطنية (أدوات الملكية)، بعيداً عن محفظة السندات وأدوات السوق النقدي.

على أرض الواقع، فان الخارطة الاستثمارية الأردنيةهي منشورة على موقع هيئة الاستثمار على الانترنت، وتشمل: (1) دراسات جدوى مهنية على مستوى المحافظة و(2) فرص استثمارية في بلديات مختارة و(3) مخطط عام لمشاريع كبرى في أربعة قطاعات رئيسية في البنية التحتية والسياحة فقط.

وكأساس قابل للتطوير، تبدو الخارطة الاستثمارية المنشورة واعدة ومفيدة، رغم أنها تفتقر الى التحديث والمتابعة والتسهيل والترويج المستمر (تاريخ دراسات الجدوى هو نيسان 2017 واحصاءاتها تعود لقبل ذلك- لعام 2015).

ورغم تعدد نماذج الحوكمة لاعداد ومتابعة وتقييموتطوير مثل هذه الخارطة، لكن الكاتب يعرض في هذا المقال نموذجاً تنفيذياً بديلاً عما هو قائم في الأردن، والمعتمد أساساً على جهد هيئة الاستثمار بالتعاون مع جهة استشارية خارجية. كما يعرض الكاتبأيضاً نموذجاً مختلفاً وأكثر فاعلية للتمويل وللمتابعة والتقييم.

فمن منظور معياري، يمكن أن يبدأ اقتراح مشاريعالخارطة الاستثمارية من قبل الوزارات القطاعية (صناعة، زراعة، اقتصاد رقمي، سياحة، طاقة ..)بالشراكة مع القطاع الخاص (ومستقبلاً من قبل كلمحافظة في اطار برنامج اللامركزية).

ومن ثم يأتي بعد ذلك دور هيئة الاستثمار بالتعاون مع خبراء قطاع البنوك وصندوق استثمار أموال الضمان في تدقيق وغربلة “القائمة الأولية” للمشاريع، تمهيداً لإعداد الخارطة الاستثمارية من قبل خبراء هيئة الاستثمار ومتابعة تحديثها الدوري داخلياً، مع امكانية الاستعانة بخبراء من البنوك وصندوق الضمان.

هذا يقتضي بالطبع وجود فريق خبراء مهني في هيئة الاستثمار يختص باعداد دراسات الجدوى الأولية، ويضم اقتصاديين وماليين ومهندسين ومختصي بحوث السوق. كما يقتضي تأسيس “لجنة مصادقةValidation Committee” لقائمة المشاريع النهائية ودراساتها للجدوى من قبل هيئة الاستثمار والبنوك وصندوق استثمار أموال الضمان.

هذا المقترح المؤسسي يحتاج الى جهد تأسيسي أوليفي الأجل القصير لكنه أكثر فعالية في الأجل الطويل، وسيسهل التحديث السنوي والمتابعة الدورية لدراسات الجدوى بدلاً من اللجوء الى شركات استشارية خارجية ومكلفة على أسس متقطعة واستنسابية. كما انه سيساهم في تعبئة الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشاريع الخارطة بالشراكة مع الأفراد والشركاتوتفعيل دور النظام المالي في تحفيز وتمويل الاستثمار.

لكن وبالعودة الى الواقع، فان السؤال التقييمي الأساسي هو: ما هي درجة الفعالية في النموذجالقائم المُعتمد حالياً؟ وما هي نتائج وآثار الجهد الترويجي البنّاء والمتمثل في الخارطة الاستثماريةالموجودة؟ وما تقييم هذه النتائج؟ كم عدد مشاريع الدراسات التي طُلبت ونُفذت على أرض الواقع من اجمالي 120 مشروع مطروح للمستثمرين المحللينضمن الخارطة؟ وما هي اجمالي رؤوس أموالها المستثمرة فعلاً كنسبة من الاستثمار الثابت الاجماليفي الأردن؟ وكيف هو الاداء التشغيلي لهذه المشاريعما بعد التأسيس؟ هل تقوم جهة ما بمتابعة معوقات التنفيذ والتشغيل؟

قد يكون لهيئة الاستثمار رأي مختص بهذا الشأن، لكن يجب أن يكون لجهة حكومية مستقلة وأعلى، هي على الأغلب مجلس الاستثمار، رأي أيضاً في الموضوع وفي الحوكمة المستقبلية للخارطة الاستثماريةعلى أسس تشاركية أكثر فاعلية في تعبئة الموارد المالية المحلية وفي تعافي الاقتصاد الوطني.