صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

نتائج التوجيهي : تعزيز لسياسة التلقين الفاشلة‎

     لا يمكن فهم وجود هذه المعدلات العالية في التوجيهي ، بقفزة عام واحد وامتحان واحد ، اذا لم يكن مثلها موجود في الفصول الدراسية بالمدارس من الابتدائي حتى الثانوي . 

   المعدلات العالية في امتحان التوجيهي لهذا العام اثارت ولا تزال جدلاً واسعاً بين الناس وهذا امر طبيعي فهي غير مسبوقة في تاريخ امتحانات الثانوية العامة منذ٧٠ عاماً ويزيد، ما هو غير طبيعي استغباء الشعب الأردني من قبل المسؤولين في الحكومة والترويج لهذه النتيجة بانها إنجاز للسياسة التربوية وعلامة على قفزة نوعية في مستوي التحصيل العلمي ومستوى الطلبة.
لقد كشفت هذه المعدلات عن تناقضات يصعب فهمها او استيعابها، وهي بكل الأحوال تضع تساؤل الدكتور محمد ذنيبات في محله عندما علق مستغرباً: هل نحن في مجتمع عباقرة!. بالطبع لا، ليس لان مستوى عقول ابنائنا اقل من مستوى ابناء مجتمعات النهضة والعلم والحداثة في الدول المتقدمة بل لان الدولة لم توفر لهم المدارس والمناهج والقيادات التعليمية التي تجعل منهم مشاريع عباقرة. ولم تقل لنا الحكومة ووزيرها ماذا فعلت خلال عام ٢٠١٩ من تطوير تربوي لتجعل الفارق كبيراً في المعدلات عن العام الذي سبقه بحيث حدثت هذه القفزة النوعية الكبيرة جدا التي ستجعل الاردن متقدماً على فنلندا في المعدلات العالمية لنجاعة التعليم ومستوياته!؟.
لقد بررت الوزارة هذا الحدث (بان أسئلة هذا العام لم تخرج عن ما وجد في الكتب،) وهذا في رائي خطأ فادح. ١- لأنه بهذا المعنى تنفي عن امتحان التوجيهي صفة العمومية، فهو ليس امتحان للعام الدراسي الأخير بل هو امتحان لفترة دراسية تمتد ل ١٢ عاما دراسياً على الأقل ، هو ببساطه ليس امتحان للصف الثاني عشر انما لمسيرة تعليمية تبدأ من الطفولة الى عتبة الرجولة.
٢- في التبرير الحكومي للنتائج تناقض صارخ مع السياسة التربوية المعلنة التي بدأها الرزاز عندما تولى حقيبة التربية واستمرت في ادبيات برنامج حكومته بإصلاح التعليم وتحويله من (نهج التلقين الى نهج المشاركة والبحث والابداع والتميز ). بهذا المعنى جاء اُسلوب (الأسئلة من الكتب ) الذي اعتمد ليشكل حالة دفاعية عن منهج  التلقين وطريقة احفظ وابصم .
وفِي النتائج ومعدلاتها متناقضات هي أشبه بفوازير رمضان، على سبيل المثال ، حصل الاول في التوجيهي على معدل ١٠٠ ، الف مبروك ، لكن معدلات من تلاه من الأوائل من الثاني وحتى العاشر في العلمي كانت متساوية وهي ٩٩،٩ مبروك ايضا . بمعنى ان الثاني والعاشر حصلا على نفس المعدل فلماذا لا يحصل الجميع ال ٩ على لقب الثاني في التوجيهي ثم الانتقال الى المرتبة الثالثة ال٩٩،٨ التي ربما تضم عشرة او ٢٠ او ٣٠ حصلوا على نفس المعدل . وهكذا حتى المرتبة العاشرة وبذلك يكون عدد العشرة الأوائل ٥٠ او ١٠٠ او ٦٠٠ الخ.. وبقراءة الأسماء يبدو ان ما اعتمد هو ترتيب ما بعد الاول جاء حسب الأبجدية وليس على رقم المعدل اذ لا تفاوت بين معدل الثاني والعاشر.
المعدلات العالية ادخلت الفرحة لألاف الأسر الاردنية وهذا طبيعي ،وبكل الأحوال وبغض النظر عن رقم المعدل ، فان من حصل على معدل فوق ال ٩٠ هو شاطر ومتفوق ، لكن ، اعتقد ان هذا الكم الهائل من صفوف المتزاحمين على كل رقم من ارقام المعدلات فوق ال ٩٠ الذين يقدر عددهم بالعلمي ب ١٠ الاف ، سيضع أهالي هؤلاء الطلبة والطلاب في وضعية المثل القائل ( راحت الفرحة واجت الفكرة ) وذلك عند التوجه للحصول على المقاعد في التخصصات التي يحبونها ، ماذا سيكون عليه حال الأهل او الطلبة الذين يحملون معدل ٩٩ او ٩٨ او  ٩٧ الخ ،وهم بالمئات ان لم يكن بالالاف ، ان لم يحصلوا على مقعد في الطب او اذا قيل لهم أمامكم الموازي بتكاليفه الباهظة ، وهكذا انسحابا على المعدلات والاختصاصات المختلفة في الهندسة وطب الأسنان والصيدلة.
واخيراً وباختصار ، وبدون ان ادخل في تحليلات حول الدافع لمثل هذه السياسة التربوية من قبل الحكومة او الوزارة التي تتعارض مع المنطق والفهم وشعارات الاصلاح التربوي ، أقول بأنكِ اذا أردتي ( كدولة وحكومة ) ان تدفعي الى ساحة التعليم الجامعي بالاف مؤلفة من معدلات العباقرة ، فذلك لا يكون الا بثورة في التعليم تبدأ من الحضانة الى الثانوية ، وتمتد الى ساحات الاختصاص والمستويات الأكاديمية والجامعية والمهنية التي بدونها لم تعرف اي أمة متقدمة طريق  النهضة والإنتاج الخ من شعارات حكومة الدكتور الرزاز !!؟.  النهضة والإصلاح مش قصة امتحان ومعدلات انها مسيرة ومخططات وصبر يحتاج لعدة سنوات من الجهد والعمل على مستوى الدولة ومؤسسات التعليم من الأسفل الى الأعلى!.
لا يمكن فهم وجود هذه المعدلات العالية في التوجيهي ، بقفزة عام واحد وامتحان واحد ، اذا لم يكن مثلها موجود في الفصول الدراسية بالمدارس من الابتدائي حتى الثانوي.
باختصار اخر ، كان الدكتور محمد الذنيبات مصيباً في سياسته التعليمية لان المشكلة في التوجيهي ليس مستوى المعدلات العالية وإنما تبدأ في تحقيق العدالة بين الطلبة في هذا الامتحان ، وتوفير اجواء التنافس العادلة والنظيفة بينهم ، حتى لا يُظلم المتفوق والمجد والمجتهد  باختلاط الحابل بالنابل ، على قوائم القبول بالجامعات ، من خلال الفوضى التي كانت تعيشها قاعات التوجيهي التي أرسلت الى الجامعات امييين ، وهذا الهدف بحد ذاته كان بداية لتعميم الوعي بين الطلبة ، بأنك لن تأخذ فرصتك بالنجاح والتفوق الا بجدارة ،بالدراسة والتحصيل من المنهج ومن خارجه.
اليوم ، اجزم بانه وسط هذه الآلاف المؤلفة في المعدلات العالية جداً التي ستخلق زحمة على المقاعد الجامعية ، ستضيع فرص كثير من النوابغ والطلبة المتفوقين في الحصول على المقاعد التي سيتفوقون فيها لان النتائج اعتمدت على البصم وليس على مستوى العلم والذكاء والتفوق.