صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

قراءة مَخبَريّة للأزمة

أزمةٌ يرى الكثيرون أنّها عفويّةٌ نابعةٌ من عاطفة الوفاء للفقيد الراحل الأستاذ أحمد الحجايا رحمه الله ، ولو كانت كذلك لَرُوعِيَت قواعد الإشتباك التي سنّها الفقيد خلال مسيرته التعليميّة النقابيّة المنتجة و المتّزنة .

و بتحليلٍ لوقائع الأزمة الإستثنائية و ثناياها ، نجد أن الكثير من المتعاطفين إنضمّوا لمؤازرة المطلب رغم غياب القاسم المشترك بينهم و بين فئة المعلمين ، يقابلهم رأيٌ عامّ كان أقلّ ضجيجاً في بداياته لكنه تشكّل بعد أن مَلَّ العناد و تعطيل المصالح و الحقوق حتّى بات عدده يتزايد طرديّاً مع كلِّ تصعيدٍ أو تصريحٍ جديد بعكس ما يراهن عليه عرّابو الإضراب ، و يتزايد عدد هؤلاء كلما مُسَّ بالمساواة الدستورية القائمة على الحقوق التي يصادرها الإضراب و الواجبات التي تَمَايَزَ فيها فرض القانون و إنفاذ الأحكام القضائية على المواطنين و الفئات .

و مثّلت الأزمة فرصة إستراتيجية طارئة زادت في نسبة المُلتفّين حول الغاية قلباً و الوسيلة قالباً رغم إنعدام مصلحتهم كما أسلفنا بل إنعكاس الوسيلة – الإضراب – عليهم و على أبنائهم بالسَّلب ، و العلّة في هذا الإلتفاف هو أنّنا مقبلون على أربعة أنواعٍ من الإنتخابات تباعاً بعد شهورٍ قليلة ، منها النقابيّ و المحلّيُّ و النيابيّ .

وزاد في حدّة الطروحات فرضيّة أن العمر الدستوريّ للحكومة قارب على الإنتهاء ، ما دفع ببعض الطامحين بالعودة أو الوصول إلى المقعد الوزاري لمدّ الجسور و ردم الهوّة بينهم و بين الطبقات الشعبية على قاعدة التعاطي الإيجابيّ و التعاطف .

و صُوِّبت المصدّات اللّفظية لجرح كل من يسعى لإخماد فتيل الأزمة أو الدلالة على جزافية الطّرح و تصلّبه ، ورافقها تشكيك بالإنحياز و الإنقياد و التآمر على مصالح و كرامة الطبقات الضعيفة .

كما عِيبَ على الحكومة عجزها عن تلبية المطالب أو إيجاد نقاط إلتقاءٍ مشتركة على الأقلّ في جولات الحوار ، لتأتي القرائن لاحقاً بالتّأكيد على درجة التمترس في موقف النقابة خلال ما سمّي بالتفاوض ، إذ أثبت تمنّعها عن الإلتزام بالقرارات القضائية الإبتدائيّة و القطعيّة و الإلتفاف على نصوص القانون النيّة المقصودة بالحفاظ على مستوى التصعيد ، و لم يقرأ قبلها كثيرون أن تخفيض رتبة الوفد المفاوض قرينة أخرى وأسبق على تلك النية وشكلية الجلوس على طاولة الحوار .

و حضر كلّ أولئك في فسحة غياب من كان يفترض بهم الحضور ، حيث إنقسم النواب إلى فئات ثلاث ، عالمٌ بسخونة اللهيب الشعبي الساخط على بعض المؤسسات و شخوصها فآثر الإبتعاد ، و آخر وجد ضالته في مؤازرة الفريق المعاكس للحكومة سعياً نحو التّكفير عن قصور الأداء ، و موضوعيٌّ قال كلمته بوازع الضمير و المصلحة العامة دون إلتفاتٍ إلى الشعبويات ، لكن الغائب الأبرز كان شُرسُ المعارضين التقليديّين و علة غياب معظهم راجعة لرأسِ الحراك الذي لا يقبل القسمة على إثنين .

و من أوجه الغرابة أيضاً أن الوجوه قد شاحت عن كثيرٍ من الحقائق ، كالنّصوص القانونية الواضحة و الصّريحة و بعض مدلولات الخطاب التي لم يقبلها الأردنيون سابقاً من على أيِّ منبر ، و رغم عدم التسليم بصحة هذا المزاج السلبي إلّا أن الموضوعية في تقييم الأداء خلال الأزمة غابت لأسباب يعود معظمها للماضي لا الحاضر .

فهناك فريقٌ يستفيد من إرثه و آخر يعاني ممّا ورث ، فرصيد المعلمين – بمعزل عن مجلس نقابتهم – عالٍ و له في الوجدان الأردني قبول و تعاطف و إجلال ، بينما رصيد الحكومات هو في السّالب أو صفريٌّ في أحسن أحواله ، و يلعب هذا الفارق الشاسع دوراً جوهريّاً في تمزيج الوقائع بتسهيل قبولها من طرف و تصعيب ذلك على الآخر .

فكانت الموافقة الضمنية و المسبقة على الخطاب النقابي القاسي مضمونة و محفوظة لفترة ليست بالقليلة رغم عدم إستقرار معالمه ، إذ يحمل صورة و أسلوباً تنظيميّاً عقائديّاً تقرّبانه إلى الإسلام السياسيّ مع مضمونٍ مستوردٍ من المعسكر المقابل له بشعاراتٍ إشتراكيّةٍ ، ليجتمع الضدّين معاً تحت مصطلحاتٍ تجيّش المشاعر كالكرامة و الحرية و مواجهة الإستبداد ، أي في قالبٍ نهائيٍّ ثالث أقرب إلى القوميّة التي رافقت فترة السبعينيات .

و من التناقضات كذلك ، أن حُلِّلَ لمجلس النقابة إستخدام لغة التهديد و التحذير و القفز فوق النصوص القانونية و حُرّم على السلطة التنفيذية صاحبة الولاية أن تمارس واجباتها التي هي حقوقٌ لباقي أطراف المعادلة الأكثر شمولاً من طلبة و أولياء أمور و قطاعات مهنية و إقتصادية تعتاش على المسار التعليميّ ، وظهر نوع جديد من الإستقواء على الدولة سلبيٌّ قائم على الإمتناع .

و جمعت الأزمة جملة من التناقضات ، فمن يطالب بفتح المسارات أمام نقابة المعلمين لتمارس حريتها المطلقة في التعبير و إتخاذ المواقف بصرف النظر عن مشروعيتها هو ذاته من يطالب الدولة بوأد أيّ تحرك معاكس من أولياء الأمور أو معلمين تجاوبوا مع كسر الإضراب ، رغم أن واجب الدولة في حماية المصالح و المطالب و الحقوق الثابتة قانوناً قبل غيرها ، مما يؤشّر على فهم مُلتبسٍ في فهم منظومة الحقوق و إنعكاسات الأزمة عليها .

و من هذا الباب كذلك ، أنتُقِدت الحكومة لإتخاذها سياسة ” ردّ الفعل ” المتّسقة مع أحكام القوانين و الأنظمة ، رغم أنها – الحكومة – قد قصّرت في واجبها إذ تغاضت عن موظّفين عموميّين تخلّفوا عن أداء واجباتهم في الوقت الذي فقد و سيفقد فيه أقرانٌ كثرٌ لهُم وظائفهم في قطاعاتٍ أُخرى لأسباب قانونيّة أقلّ وطأةً و جسامة بحكم التشريعات ، ما أدّى إلى العبث بالمساواة الدستورية و ربما أنه سيجعل الحكومة أمام مسائلة دستورية متعلقة بواجباتها ، و إذا كان البعض يظنُّ بأن مدعاة الحكومة في تخفيض القيم المالية التي طلبتها النقابة تهدف إلى تجنيبها مطالباتٍ من باقي القطاعات فحسب فهو مُخطئ ، و إنّ أيّ حكومة لترغب من تلقاء نفسها بترك بصمة تاريخية فارقة تميزها عن سابقاتها ولاحقاتها في أي مجال من المجالات إذا توفّرت الإمكانية لتحقيق تلك البصمة .

و من أخطر تداعيات هذه الأزمة ما نتناوله بشيءٍ من الجُرأة الملفوفة بالألم على ما صـوِّبَ نحو القضاء من غمزاتٍ غير بريئة سعى بعضها لإظهاره كأداةٍ بيد الحكومة تحركه كيفما شاءت ، في الوقت الذي سعى فيه آخرون لإنتقاد ما سمّي بالـ ” زجِّ بالقضاء ” في الشؤون العامّة متناسين أنّ الدور الدستوريّ للقضاء يفرض عليه أن يكون الفيصل و الحكم بين المتداعين ، و أنّ القضاء الإداريّ بالأخصّ هو الفكُّ الثاني من الكمّاشة الرّقابيّة بما يتولّى من رقابة على القرارات الحكومية ليصوّب ما قد يشوبها من خلل فيما يخرج منها عن صلاحية السلطة التشريعيّة ، و أنّنا في دولة تنفصل فيها السلطات و يُخاصَم في ساحات القضاء كُلُّ من هو على أرضها حتّى جلالة الملك ، فلا أحد فوق سياج القضاء سواء كان شخصاً طبيعيّاً أو إعتباريّاً .

كلُّ هذا و أكثر هو نتائجٌ خدشت اللُّحمة الوطنيّة و سيادة القانون ، و لا أظنُّ أن هذا يخدمُ أحداً ، و لا أراهُ مقبولاً و إن كان بنوايا صافية ، فكما أن كرامة المعلم مصونة و محفوظة فإن هيبة الدولة فوق كلّ إعتبار .

لا تتّسع السطور لإحصاء تداعيات ما يجري ، فلا بدّ من إعمال العقل و الحفاظ على المرتكزات الدستورية عبر مراعاة خطوط التّماس أو إعادة ترسيمها بعبارة أدق ، و على ذات الصعيد إعمال الرقابة الشعبيّة المنتجة التي لطالما نادينا بها ، سعياً إلى واقع إقتصاديٍّ أفضل نستحقّه و محاربة حقيقيّة للفساد بكافة أشكاله و مظاهره ، و إجراء مراجعة حقيقيّةٍ و شاملةٍ تتجنّب إستمرار الشعور بأفضليّة مواطن على آخر أو إستئثار فئة بالحظوة دون غيرها ، و التفكير خارج الصندوق بتبنّي خطط إقتصادية تراعي مصالح الطبقات الضّعيفة ، ولا بدّ من إرساء القواعد لترميم المؤسسة النيابيّة بما يمكنها أن تكون الصوت الحقيقي للشعب بعد أن فقدت هذا الدور بكل وضوح لأسباب عدّة كان أبرزها معايير الإختيار الشعبيّة وأثرها على مخرجات العملية الإنتخابية ، وأخيراً ، فرض القانون بالإستناد للأدوات التي يبيحها فهذا واجب على الدولة و ليس حقّ تستخدمه أو تتركه متى شاءت .

و الله من وراء القصد .