صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

قضية “بناة الأجيال”.. المبادئ وتقييم الأزمة وإطار الحل

المعلمون هم سادة هذا الوطن، هم المربون المضحون بالغالي والنفيس والقابضون على جمر الحياة لتأدية رسالتهم الإنسانية

إن كرامة المعلم وكرامة الدركي وكرامة الطالب وكرامة الحكومة جميعها من كرامة الوطن، لا يمكن التجزئة والتفرقة بينها. فأي حل فيه غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم، منتش ومنكسر، بغض النظر عن ماهية هذا وماهية ذاك، سيؤذي الوطن بشكل أو بآخر، وإن الحل المنشود يجب أن يكون فيه الجميع “غالبا ومنتصرا ومنتشيا”، وهذا أمر يمكن تحقيقه إذا ما توفرت النوايا الصادقة، وهي متوفرة بإذن الله.

كرم الله سبحانه وتعالى العلم وأصحابه تكريما عظيما، فاستهل دعوته لنبيه الكريم بأمره له بأن “إقرأ”، وقوله في محكم كتابه: “وقل رب زدني علما”، وقوله سبحانه: “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ”، وقوله جل جلاله: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات”، وقوله: “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” صدق الله العظيم. وقال رسول الله صلوات الله عليه وسلامه:”فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر” وقوله: “من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل”، وقوله:” إذا مات ابن آدم انقطع عمله من ثلاث: صدقة جارية وولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به” صدق رسول الله. كما قال أمير الشعراء في رائعته، والتي فطمنا عليها صغارا، تكريما للمعلم: “قم للمعلم ووفه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولا”.

شرعة الله وسنة نبيه الكريم والفطرة الإنسانية جعلت من الصعب جدا على أي إنسان أن يفسر ما حدث ويحدث في أزمة “بناة الأجيال” في وطننا خلال الأسبوع الماضي، وما زالت مستمرة للآن. تفاديت الخوض في الموضوع عندما بدأ، بالرغم من إلحاح البعض وعتب البعض الآخر واستهجانهم لعدم قيام “إبن “الأستاذ”، باني التربية والتعليم في وطننا” (حسب وصفهم) بالتحدث في الموضوع ليبدي موقفه منه بشكل جلي وواضح!!!”. ترددت في الكتابة حينها لسببين: أولهما لقناعتي باستحالة أن تستمر الأزمة لأكثر من أيام قليلة ومعدودةـ ،فلا بد للحكمة والعقلانية وتغليب المصلحة الوطنبة العليا ومصلحة فلذات الكبد أن تطغى على أي اعتبار آخر، فتحل الأمور بوقت أسرع من قدرتي على الكتابة فيه وتحليله واقتراح الحلول له. وثانيهما بأني إذا ما كتبت قناعاتي في الموضوع كاملة غير منقوصة، فإن كافة أطراف المعادلة ستجد فيها قليلا مما يرضيها وكثيرا مما لا يحقق لها هذا الرضى. أما وقد جانب إعتقادي الأولي بسرعة حل الأزمة الصواب، فأصبح لازما وواجبا وطنيا على المرء بأن يدلي بدلوه فيه، لا يبغى من وراء ذلك سوى مرضاة الله وخدمة وطنه وشعبه، لا يرغبه فيه ويدفعه له ثناء مادح، ولا يثنيه أو ينفره عنه عتب أو لومة لائم. فعندما يقوم المرء بتحليل أي أزمة وطنية ومحاولة اقتراح الحلول لها، لا بد له من أن ينهج نهجا واضحا ويحدد عناصر وأسس رئيسة لذلك، وهي في هذه الحالة: تحديد المباديء والأسس التي يجب أن تحكم أي نقاش أو تحليل للأزمة، وتحليلها وتقييمها بشكل موضوعي يحاول جاهدا أن ينظر للموضوع بعين كافة أطراف العادلة ويضفي عليها قناعاته الذاتية، ومنثم محاولة اقتراح الحلول، فلا جدوى لأي تحليل أو تقييم غير مقترن بمقترحات حلول، قد تحتمل الصواب وقد تحتمل الخطأ، ويترك للمعنيين النظر والأخذ بها إذا وجدوا ذلك مناسبا.

أما ألمباديء التي يجب أن تحكم مناقشة الأزمة وتشكل الأسس لإيجاد الحلول لها فهي:

أولا: إن مهنة التعليم هي المهنة الأسمى والأقدس والأشرف من بين كافة المهن، وأن المعلمين، إنما هم مربو وبناة الأجيال، وسقاة الغرس حتى يثمر. عليهم عبء تهيئة الأجيال القادمة وتأهيلها للقيام بدورها المستقبلي ببناء الوطن وإعلاء صروحه وبنيانه. فلا أعظم ولا أجل ممن ينشيء أنفسا ويبني عقولا. فمهما قال المرء وفعل فإنه سيبقى عاجزا عن إيفاء “الأساتذة” حقهم علينا. وعليه فإن تحسين مكانتهم وظروفهم المعيشية يجب أن يكون الهم والشاغل والهدف الأول لإي حكومة، لا بل مسؤولية المجتمع بأسره.

ثانيا: إن كرامة المعلم وكرامة الدركي وكرامة الطالب وكرامة الحكومة جميعها من كرامة الوطن، لا يمكن التجزئة والتفرقة بينها. فأي حل فيه غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم، منتش ومنكسر، بغض النظر عن ماهية هذا وماهية ذاك، سيؤذي الوطن بشكل أو بآخر، وإن الحل المنشود يجب أن يكون فيه الجميع “غالبا ومنتصرا ومنتشيا”، وهذا أمر يمكن تحقيقه إذا ما توفرت النوايا الصادقة، وهي متوفرة بإذن الله، وتم تغليب المصلحة الوطنية العليا على أي مصلحة إخرى، وسيادة الحكمة وبعد النظر وشموليته والروح الإيجابية على جهود حلحلة الأزمة، وهي كذلك أيضا بإذن الله.

ثالثا: إن أي مروج ومشجع لأي من أطراف الخلاف على التشدد والتخندق والتزمت في موقفه دون إبداء أي مرونة، ولا يقومون بإيضاح الصواب والخطأ في مواقف كافة الأطراف بكل شجاعة وشفافية، ويدعوها جميعا للتعقل والحكمة إبداء المرونة و “النزول عن الشجرة”، إما أن يكون جاهلا أو مدفوعا زارعا للفتنة أو نرجسيا إنتهازيا يريد ركوب الموجة لتحقيق مآربه الشخصية (وعلى وجه الخصوص من يطلق عليهم بالناشطين إعلاميا “نسور السماء” و”أسود الهضاب” و”ضباع الوديان” وغيرها من الوصوف الذاتية التي لا تدل على شيء إلا على الغرور والكبر والنرجسية). هؤلاء إنما يساهمون جميعا في تحقيق أهداف أعداء هذا الوطن الذين يتربصون، بوعي منهم أو بجهل. فإن كانوا لا يعلمون أثر ما يقومون به فهي مصيبة، وإن كانوا يعلمونه فالمصيبة اعظم.

رابعا: هكذا مروجون ومشجعون لا ينفكون من التأكيد على أن الإضراب ممارسة ديمقراطية مطبقة في كافة الدول المتقدمة الديمقراطية، وعليه فإنه يجب تشجيعها، وهو كلام حق إنما يراد به باطل، وذلك لخصوصية الوطن ومستوى قدرته على التحمل ونضج تجربته الديمقراطية والتحديات الخارجية الهائلة التي يواجهها حاليا. ففي كل يوم يتأخر فيه حل الأزمة خسارة للوطن بأسره، وخسارة لكافة أطراف المعادلة دون استثناء، حكومة ونقابة وفلذات الأكباد. فلا أحد سيتقبل حكومة أو نقابة، على حد سواء، تعجزان عن الإرتقاء بخطابهما ومواقفهما فوق الحدث بما يمليه عليهما حسهما الوطني وشعورهما بالواجب والمسؤولية. فإن استمر التعنت والتخندق، سيجد الطرفان نفسيهما خاسرين لا محالة، رسميا وشعبيا.

أما تحليل الأزمة وموقفي حولها، فقناعتي بأن الحكومة قد أخطأت مرات عدة وأصابت مرة واحدة. أخطأت كليا في إدارة الأزمة برمتها، وأخطأت بالتعامل مع الموضوع بنفس النهج الخاطيء السابق بإدارة الوطن وأزماته بعقلية “مدير عام موازنة” والتركيز على كيفية سد العجز المتوقع نتيجة أية علاوة، فتهدد بذلك أمن الوطن واستقراره وكرامة معلميه ومصلحة أبنائه مقابل ثمن زهيد وبخس يمكن تدبير البدائل له بسهولة إذا ما توفرت النية الصادقة لذلك. وأخطأت عندما منعت تظاهرة سلمية أمام مقر الرئاسة وإقامة صلاة الغائب هناك ومنثم فض الإعتصام، بحجة إعاقة الحركة في المكان ، فقامت عوضا عنه بإغلاق الشوارع الرئيسية المؤدية للمكان، لا بل الشوارع الرئيسية المؤدية للعاصمة برمتها من كافة الإتجاهات، فأغلقت بذلك العاصمة برمتها بدلا من إغلاق منطقة الدوار الرابع فقط، ولو قدر لي لاقترحت على متخذ القرار باعتماد ساحة مقر رئيس الحكومة والمقابلة لمبنى الرئاسة مكانا رسميا لتجمع كافة المظاهرات والمسيرات السلمية، وإطلاق مسمى “ساحة الشعب” عليها، وذلك لسهولة حماية المكان، والمتظاهرين فيه، والسيطرة عليه، ولكن هذا موضوع آخر، بالإضافة إلى أسلوب التعامل مع المعلمين المتظاهرين (إذا ثبت استخدام العنف معهم)، يضاف إلى ذلك موقف الحكومة برفض مبدأ علاوة تحسين المعيشة المقطوعة لجميع المعلمين، بالرغم من معرفتها وقناعتها بسوء ظروفهم المعيشية وتجاهلها بواجبها لتحسين هذه الظروف قبل البدء بالحديث عن أي علاوات مرتبطة بالأداء. وزاد الأمر تعقيدا موقف الحكومة المعلن على لسان وزير التربية بتأييد أسلوب معالجة القوى الأمنية للموضوع، وإلى ما فسر من قبل البعض على أنه تهديد ضمني من قبل دولة الرئيس بقوله “إذا ما استمر الإضراب، فإن لكل حادث حديث”. أما ما أتفق مع الحكومة عليه فهو ضرورة أن ترتبط أية علاوة إضافية (بعد إقرار علاوة تحسين المعيشة لكافة المعلمين من منظوري) بالأداء وفق مؤشرات أداء واضحة ومحددة مرتبطة بالمسار المهني للمعلم.

أما نقابة المعلمين فقد أخطأت عندما رفضت العلاوات المرتبطة بالأداء من حيث المبدأ، وإصرت على العلاوة المقطوعة فقط، وقامت بإعلان الإضراب المفتوح دون ربط ذلك بمدة زمنية محددة (أسيوع واحد قابل للتمديد على سبيل المثال) أو منطقة جغرافية مجددة (عمان أو بعض مناطقها فقط مثلا) أو فئة عمرية محددة (المرحلة الوسطى فقط مثلا) أو الجمع فيما بينها وذلك لتعزيز مبدأ التدرج في الإضراب وتخفيف الأثر السلبي له على فلذات الكبد، مما يزيد من قوته واستمرارية التأييد الشعبي له. كما أن النقابة أخطأت في موضوع القسم الصباحي في بعض المدارس، والذي نشر على مواقع التواصل الإجتماعي، بالإلتزام بالإضراب حتى النهاية، لأن المشهد بنظاميته ورتابته ولغته عزز من الهاجس والتخوف المضاد بوجود دافع حزبي من وراء الإضراب. بل وأخذه البعض لأكثر من ذلك، بطرحهم بوجود دوافع وأصابع خارجية وراءه في ضوء التحديات الخارجية الهائلة التي يواجهها الأردن حاليا وخاصة فيما يتعلق بقرب إعلان ما يوصف ب”صفقة القرن”، وهو ما وجب على النقابة أن تعيه تولتفت له وتمنعه. وأصابت النقابة بقرارها بوجوب وجود علاوة مقطوعة لتحسين الظروف المعيشة لمكافة منتسبي المهنة الأشرف والأسمى. كما أصابت النقابة بتوجيه منتسبيها لمواظبة الحضور لمدارسهم والإصطفاف صباحا للسلام الملكي ومزاولتهم لأعمال الصيانة المدرسية في مشاهد ولوحات وطنية لا أجمل ولا أروع.

ألحلول متوفرة إذا ما توفرت النية الصادقة من قبل كافة الأطراف، وهي متوفرة بإذن الله، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أية مصلحة أخرى أو كبرياء فارغ يدفع ثمنه وطننا وفلذات أكبادنا. ويمكن أن يكون إطارها العام ومنطلقها من خلال:

أولا: إقرار الحكومة بمبدأ مكافئة تحسين المعيشة المقطوعة لكافة المعلمين غير المرتبطة بالأداء، يضاف فوقها علاوة الأداء المرتبطة بالمسار المهني حسب مقترح الحكومة. ويمكن أن يبدأ بتطبيق نصف هذه العلاوة (25% من الراتب الرئيسي) منذ بداية عام 2020 والنصف الإخر مع بداية عام 2021، وبشكل مواز مع سلم المهن الجديد والعلاوات المرتبطة والمقترنة بالأداء.. بالإضافة لقيام الحكومة بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في كيفية إدارتها للأزمة وعلى الأخص فيما يتعلق بادعاءات الإعتداءات والممارسات الفردية الخاطئة في التعامل مع بعض المعلمين المعتصمين، وإمهال اللجنة فترة محددة لترفع تقريرها مقرونا بالتوصيات، واتخاذ الإجراءات الفوريةالمناسبة بناء على ذلك.

ثانيا: تعلن النقابة وقف الإضراب فورا، ولمدة 3 أشهر، لحين إقرار موازنة عام 2020 وتضمين بند علاوات تحسين المعيشة والأداء ضمن موازنة وزارة التربية والتعليم. وفي حال عدم إلتزام الحكومة بتضمين تلك العلاوات في موازنة 2020، تعاود النقابة الإضراب منذ بداية العام القادم، ولكن بشكل متدرج زمنيا ومكانيا ومرحلة صفية، بحيث يتم حصر الضرر على فلذات الكبد في حدوده الدنيا.

ثالثا: تشكيل لجنة مشتركة من قبل الحكومة والنقابة بحضور ممثلين من مجلس الأمة للإجتماع دوريا (مرتين شهريا مثلا)، لمتابعة تنفيذ إطار الحل المقترح أعلاه.

المعلمون هم سادة هذا الوطن، هم المربون المضحون بالغالي والنفيس والقابضون على جمر الحياة لتأدية رسالتهم الإنسانية. هم المستحقون لأجر الجهاد وشكر العباد والثواب من الله بإذنه يوم المعاد. ولأنهم كذلك، فإني على ثقة بأنهم، كما عودونا دوما، سيرتقون لما يمليه عليهم حسهم الوطني فيبدون المرونة لحل الأزمة. كذلك الحكومة التي نحن على ثقة بأنها بنفس درجة الحرص والإلتزام الوطني لحلها.

ونبقى دوما نقول:

حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا…. وحماه شعبا وأرضا وقيادة….