صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

اغراءات صينية في خضم أزمة العراق المشتعلة

في الوقت الذي تشتعل فيه الإحتجاجات المناوئة للبطالة وسوء إدارة الإقتصاد والنقص الشديد في الاستثمارات بالعراق، تمُد بغداد يدها طلبًا لمساعدة بكين التي يبدو أنها لا تتباطأ في تقديمها.

في زيارة حديثة إلى بكين، أوضح رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي: “نحن ننتمي إلى آسيا، ونريد أن نكون جزءًا من نهوضها”، ذلك أنه بعد مرور نحو 16 عامًا على انتهاء الحرب في العراق، يواجه بلد الرافدين إخفاقات مؤسساتية كبيرة معظمها ناتج بشكل مباشر عن الفوضى التي تبعت سقوط نظام صدام حسين وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية.

ولفت عبد المهدي، وهو اقتصادي دَرَسَ في السوربون، خلال زيارته، إلى أن العملاق الصيني قد حل محل الهند عام 2018 ومن ثم أصبح أكبر شريك تجاري للعراق بقيمة معاملات تفوق 30 مليار دولار أمريكي (25 مليار يورو)، ضمنها مبادلات ثنائية، موضحًا أن العراق هو ثاني أكبر مصدر نفط إلى الصين.

النفط للبنية التحتية

وقد وقع العراق ثمانية اتفاقات مع الصين، خلال زيارة عبد المهدي، على رأسها اتفاقية إطارية بين وزير المالية العراقي وشركة الصين لتأمينات الائتمان والصادرات تشمل مشروعات متعلقة بالطرق وشبكات السكك الحديدية والمنازل والموانئ والمستشفيات والمدارس وسدود المياه والطاقة والمواصلات. وتنظر اتفاقية الائتمان الإطارية، التي تبدأ من عشرة مليارات دولار أمريكي، في تمويل مشروعات هيكلية كبيرة معتمدة على النفط العراقي المُصدر إلى الصين، وذلك وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء الصينية الرسمية شينغوا.

وبينما تعهد العراق بتزويد الصين بـ 100 ألف برميل نفط يوميًّا مقابل مشروعات هيكلية تُنفذها الشركات الصينية، وافقت كلٌ من الشركة الصينية هيلونغ لخدمات البترول والهندسة وشركة الحفر العراقية على مشروع مشترك لاستغلال حقول النفط في البلاد بما في ذلك حقل نفط مجنون؛ أحد أكبر حقول النفط في العالم.

ونقلت جريدة “الصباح” العراقية عن الخبير الاقتصادي العراقي غدير العطار قوله إن “زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى الصين ذات أهمية كبرى للعراق ومن الممكن أن تؤسس لشراكات تؤدي إلى مشروعات كبرى مع الصين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ثورة اقتصادية وشيكة في العراق”.

العراق ..بلد غني بموارده وشبابه يشكو الفقر

فضلًا عن ذلك، تشمل الاتفاقيات قطاعات الكهرباء والصناعات وكذلك بناء مكتبة صينية في جامعة بغداد.

فيما تهتم إحدى الاتفاقيات الموقعة ببناء مدينة صناعية عراقية-صينية مشتركة في العراق من أجل إنتاج سلع تتوافق مع “المعايير العالمية”، حسب وزير الصناعة والمعادن العراقي صالح عبد الله الجبوري.

بدوره، وقع وزير الكهرباء العراقي اتفاقية مع الشركة الصينية لهندسة المعدات الثقيلة المنخرطة بالفعل في مشروعات إنشائية بالعراق، ولاسيما في محطة كهرباء صلاح الدين.

بيد أن مبادرة الحزام والطريق الصينية قد واجهت انتقادات تفيد بأنها كثيرًا ما تُثقل دولًا فقيرة بديونٍ ثقيلة. فيما تنظر إليها الولايات المتحدة بتشكك، إذ تعتبرها محاولة من الصين لزيادة تأثيرها في المنطقة.

احتجاجات مشتعلة وإجراءات ذعر

تُشكل المظاهرات المستمرة في العراق أزمة كبيرة لعبد المهدي، الذي تولى منصبه منذ عام متعهدًا بإنعاش الاقتصاد، وذلك بعد انتخابات عبَّر من خلالها العراقيون عن الفساد والاقتصاد كمصدرين أساسيين للمخاوف.

من جانبه، يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العراقي بنسبة 8% في عام 2020 وتراجع معدل الفقر إلى أقل من 22%، في إشارة إلى أن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران تساعد على تعزيز صادرات العراق من النفط فضلًا عن احتمالية تزايد الصادرات العراقية بسبب إعادة فتح معبرها الحدودي مع سوريا وفتح أحد المعابر مع السعودية المرتقب.

رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي

وكنتيجة للأحداث التي تشهدها البلاد خلال الأسابيع الماضية، سارعت الحكومة بتقديم وعود بتوفير فرص عمل وموارد مالية للفقراء. وتعهدت أيضًا بتوزيع قطع أراضي للعائلات محدودة الدخل، وبناء 100 ألف وحدة سكنية، وتوفير رواتب لـ150 ألف عاطل، وتقديم برنامج تدريبي لما يزيد عن 150 ألف شخص بدون وظيفة.

وقال المتحدث باسم البرلمان العراقي محمد الحلبوسي إن جميع العراقيين الذين يحملون درجة الماجستير سيُدرجون في كشوف رواتب وزارة التعليم، وأن أفراد قوات الأمن الذين فروا خلال الحرب ضد مليشيات داعش سيُعاد توظيفهم، وأن أصحاب العقود الحكومية سيحصلون على تعيين ثابت.

مشاكل هيكلية

وكان العراق قد اتخذ بعض الخطوات لمواجهة مشكلاته الاقتصادية، بعد تراجع أسعار النفط في الفترة من 2014 إلى 2016 الذي يشكل 90% من عائدات الدولة، إذ اتجهت إلى تقليل كشوف مرتبات الدولة، وفرض الضرائب، وتعليق التعيينات الحكومية بتوجيهات من صندوق النقد الدولي.

وتذهب نحو 75% من ميزانية العراق بالفعل إلى النفقات الحالية، التي يُدخل معظمها في إطار محسوبية تمارسها أحزابٌ سياسية تسيطر على وزارات البلد، فيما يُنفَقُ الباقي على الاستثمار، ويذهب جزءٌ ضئيل إلى بنية البلاد التحتية التي تشهد تداعيًا.

فيما ذهب ما يُقدر بـ450 مليار دولار أمريكي كان من المفترض أن يدخلوا خزينة الدولة منذ عام 2003 إلى جيوب المقربين، ومتعاقدين وهميين، وضباط جيش أفادوا باستلام ضباط غير موجودين رواتبهم.

ويُشير خبراء إلى أن الإجراءات قد انعكست فور أن بدأت أسعار النفط في التعافي عام 2018، إذ تزايدت ميزانية عام 2019 إلى 111.8 مليار دولار أمريكي بعد أن كانت 88 مليار دولار أمريكي في عام 2018، بارتفاع قيمته 27%.

كذلك، فقد تقلص اقتصاد العراق بنسبة 0.6% عام 2018، ومن المتوقع أن تشهد ميزانية الحكومة تحولًا من فائض بلغت نسبته 8% عام 2018 إلى عجز قيمته 4% في إجمالي الناتج المحلي عام 2019، وفقًا لصندوق النقد الدولي.

في الوقت نفسه، لم تنشر الحكومة منذ عام 2017 أية إحصاءات عن البطالة، التي كان معدلها قد وصل حينئذ إلى 13%، في حين بلغ معدل البطالة بين الشباب ضعف ذلك تقريبًا، ومن هنا يرى العديد أين تكمن المشكلة وأين يتوجب على العمل أن يبدأ.