صحيفة الكترونية اردنية شاملة
رئيس مجلس الإدارة: طاهر العدوان
رئيس التحرير: سلامة الدرعاوي

شادية قمر لا يغيب

 أكد الناقد الفني ماهر زهدي في كتابه “شادية.. قمر لا يغيب” أنها لم تطرق أبواب الفن معتمدة على وجهها الجميل، أو أنوثتها الطاغية، بل على البراءة وخفة الظل وشقاوة الأطفال والتلقائية الهادئة التي تميّزت بها. لافتاً إلى أن هذه المؤهلات لم تكن مجرد جواز مرور سرعان ما تخلت عنها بعد امتلاك أدواتها كفنانة. بل لازمتها طوال رحلتها. حيث أن خبرتها جعلتها تدعم كل ذلك بدقة اختياراتها فيما بعد، سواء لكلمات أغانيها، أو لنوعية أدوارها على الشاشة، وما يتلاءم مع كل مرحلة من مراحل حياتها الفنية، الأمر الذي جعلها تبدو مختلفة عن كل زميلاتها اللواتي سبقنها أو عاصرنها، أو حتى أتين بعدها، الأمر الذي ميّزها بحضورٍ خاص لا يشبه أحدا.

 

 

وقال زهدي في كتابه الصادر عن دار بتانة الذي تتبع فيه مسيرة شادية منذ طفولتها، مروراً باكتشاف موهبتها ومباركة أم كلثوم لصوتها وأوائل الأفلام السينمائية التي شاركت بها وانطلاقها نحو النجومية، ثم اعتزالها إلى رحيلها، وقال: “كانت “فتوش” أو فاطمة شاكر كما يقال “أخر العنقود” كنوع من التدليل الزائد، بمعنى أنها الطفلة الأخيرة بين خمسة أشقاء للمهندس الزراعي المصري أحمد كمال الدين شاكر، والسيدة خديجة التي تعود إلى أصول تركية، والتي تحمل بداخلها عادات وتقاليد شرقية مصرية مسلمة، في احترام الزوج وتربية الأودلاد، ومعرفة العيب والحرام، وحب الخير وكراهية الشر، والحفاظ على الأصول والعادات والتقاليد.

 

وأضاف: “على بعد خطوات من قصر عابدين، شهد بيت “الحلمية الجديدة” مولد فاطمة أو “فتوش”(اسم الدلع) التي بدأت في سنوات طفولتها الأولى تلفت أنظار الأهل والأقارب، ببعض من ملكات خاصة من خفة الدم والمرح والشقاوة، وفوق كل ذلك ذهن حاضر ولباقة في الكلام لطفلة لم تتعد أربع سنوات من عمرها. وبكونها “أخر العنقود”، كانت محط اهتمام الصغير قبل الكبير، الأبوين، والخالات والعمات، بل وأخوتها وتحديداً الأخ الأكبر طاهر الذي على الرغم من فارق السن الكبير بينهما، باعتباره الأكبر وهي الأصغر، إلا أنه كان الأقرب إليها. حيث مارس معها دور الأب في ظل وجود الأب، ولكنه كان يمثل الوجه الآخر للأبوة في حنانه وتسامحه وعطفه، لأن الأب لابد أن يكون حازماً شديداً في تعامله، من أجل حسن التربية والانضباط والحفاظ على العادات والتقاليد”.ايلاف

 

نشأت “فتوش” في بيت يطلق عليه “بيت العائلة” لابد أن يلتقي فيه الكبير والصغير، والقريب والبعيد، بالرغم من أنه كان كالعادة بيتا مؤقتاً حيث اعتادت الأسرة التنقل مع الأب وفقاً للمكان الذي يباشر فيه عمله كمهندس زراعي في الخاصة الملكية، وكانت الأسرة تترقب اليوم الذي سيدخل عليهم فيه رب الأسرة ليخبرهم بالمكان الجديد الذي سينتقل إليه كل أفراد الأسرة ملازمين للأب في مكان عمله الجديد.

 

 

ورأى زهدي أن شادية “استطاعت أن تصنع ببساطتها وتلقائيتها ـ دون بهرجة أو تكلّف ـ نجومية متوهجة، وأن تكون نجمة محبوبة ومتوّجة على قلوب الجميع، وبالإجماع. بل إنها نجحت في أن تفعل ذلك في كل مراحل حياتها الفنية، وحققت ما عجزت عنه منافساتها رغم اعتماد الكثيرين منهم على مساندة الكبار من الكتاب والأدباء والمثقفين والصحفيين، وفي حالات نادرة، كبار السياسيين، غير أن شادية سارت في مسيرتها الفنية ورحلتها الطويلة مع الفن، دون الاعتماد على أحد سوى الإبداع الكامن داخل هذا الجسد النحيل، ترعاها دعوات أمها التي كانت بارة بها حتى اللحظات الأخيرة، وقبل كل ذلك رعاية من الله.

 

وأشار إلى أن شادية استطاعت أن تقدم العديد من الألوان الفنية في التمثيل والغناء، ما لم تستطع أن تقدمه نجمة في وزن وقيمة “كوكب الشرق أم كلثوم” أو نجم ذي جماهيرية ضخمة مثل عبد الحليم حافظ، حيث قدمت كل الألوان الغنائية والأدوار السينمائية، لكن المدهش أنها لم تفعل ذلك على سبيل التجربة، بل اقتحمت بكل جرأة كل الألوان الغنائية، وكل الأدوار السينمائية، بغزارة، لم ولن تستطع مضاهاتها أي فنانة أخرى من جيلها أو الأجيال السابقة عليها، أو حتى الأجيال اللاحقة لها.

وأوضح زهدي أن شادية قدمت على شاشة السينما أدوار “الدلوعة المراهقة، الناضجة، الزوجة، الحبيبة، الطيبة، الفلاحة، التلميذة، الأستاذة، الخادمة، الفتاة المتمردة.. والبرنسيسة”. وفي الغناء سمعناها في “الأغنية الخفيفة” التي تتراقص معها الطيور، وسمعناها في “المونولوج والديالوج”، كما أبدعت في “الغناء الوطني”.
أما اللون العاطفي، فحولها لفتاة أحلام الجميع على الشاشة. بحيث شعر كل مشاهد بأنها محبوبته التي تشدو له وحده بعيداً عن كل مسامع العالم.

وعندما قدمت الأغاني الدينية، كان الإخلاص هو العنوان العريض الذي شدت من خلاله، فبدت كعابدة في محراب تبتهل إلى خالقها، وفي الأغنية الطويلة، أدهشت الجميع، كما أبهرتنا بتلك الأغاني القصيرة، الأكثر من ذلك أنها جازفت وخلقت لنفسها مرحلة غنائية جديدة بتقديمها أغاني “الفورم” مثل “آه يا أسمراني اللون، وغاب القمر يا ابن عمي، وقولوا لعين الشمس، وخدني معاك” وغيرها، من تلك النوعية.

 

ولفت إلى أن بداية شادية كمطربة تضافرت مع بدايتها كممثلة لتصنع تلك الصورة التي لا تزال، وستظل تعيش في أذهان ووجدان الناس، صورة الدلوعة الشقية، في الطريق الذي رسمه لها في البداية الفنان محمد فوزي، بداية من فيلم “العقل في أجازة” في العام 1947، وأكمله الفنان منير مراد برشاقة ألحانه، ثم أكمل الطريق عدد كبير من الملحنين والشعراء، إضافة إلى المخرجين والمؤلفين، الذين عملت معهم فيما بعد عبر الرحلة الطويلة.

وقال “زهدي” أنه رغم تربّع “الأغنية الكلاسيكية” على عرش الغناء منذ عشرينيات القرن العشرين، إلا أن “الأوبريت الغنائي الاستعراضي” و”الأغنية القصيرة” وجدا طريقهما إلى الإتنشار والنجاح عبر السينما منذ الأربعينيات خلال هذا القرن، وكان ظهور شادية إلى جانب الموسيقار محمد فوزي، أحد أهم فرسان الأغنية الاستعراضية و”القصيرة الرشيقة” في الأربعينيات والخمسينيات كفيلاً بتوجيهها إلى ذلك، وبين عامي 1947 و1949، قدمت معه أربعة أفلام، هي “العقل في أجازة”، “صاحبة الملاليم”، و”حمامة السلام “، و”الروح والجسد” ـ أكد خلالها موهبة شادية ومقدرتها، في هذا اللون الغنائي، الذي أراد فوزي من خلاله أن يغيّر الواقع الموسيقي بألحانه المتجددة، التي تجمع بين الإيقاع الراقص المنفتح على الموسيقي العالمية، دون الإخلال بالنزعة الشرقية، مثل أغاني “يا ساحرني بنظرة عين”، ” كتروا الخطاب”، “أنا بنت حلوة”، “لقيته وهويته”، “الحب له أيام”، وغيرها، ليتلقفها بعده الموسيقار الفنان منير مراد الذي قدّم لها عدداً كبيراً جداً من الأغاني التي عكست مدى تفهمه لطبيعة صوتها ورشاقته، مستغلاً كامل طاقته الموسيقية، بدءًا بأغنية “واحد اتنين” من فيلم “ليلة الحنة”، مروراً بالعديد من أغاني الأفلام التي قدمتها خلال هذه الفترة مثل “إن راح منك يا عين”، “القلب معاك”، “الدنيا مالها”، “أنا وحبيبي”، “أول لقانا كان هنا”، “حاجة غريبة”، “خمسة في ستة”، “سوق على مهلك”، “شبك حبيبي”، “على عش الحب”، “فوت يا حبيبي”، “فارس أحلامي”، “مش قلت لك يا قلبي”، وغيرها العديد من الأغاني الناجحة جداً، غير أن الرعاية الفنية التي أولاها منير لشادية، لم تكن لتكتمل دون معاونة فرسان الأغاني القصيرة المرحة التي تناسب صوتها، فتنقلا معا بين كلمات أبو السعود الإبياري، وفتحي قورة، وجليل البنداري، طيلة الخمسينات والستينات قبل أن يتعاون معهما الشاعر الغنائي حسين السيد ويقدموا معا عشرات الأغنيات أيضا.

 

وأوضح أن شادية ظلت لأكثر من عشرين عاماً تقدم الأغنية القصيرة والخفيفة الشقية، بتفرّد لا ينافسها فيه أحد، خاصةً بعد اعتزال الفنانة ليلى مراد. غير أنها في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ومع عودة السيادة للأغنية الطويلة، قررت مجاراة التغيير، لتتعاون مع الملحن الشاب خالد الأمير من خلال أغنية “اتعودت عليك يا حبيبي” ثم أتبعتها بعدد من الأغنيات الأخرى معه من بينها “الحب الحقيقي، أحلى كلام، لو القلوب يا حبيبي ارتاحوا، والبحر الأبيض.. وقد وجدت شادية في تجربتها مع الملحن الشاب خالد الأمير، لوناً جديداً مختلفاً يغلب عليه روح الشباب، فقررت ألا تكتفي به، ومدت يدها بالعديد من الفرص لعدد من الملحنين الشباب والآخرين وقدمتهم للجمهور.
وكان بينهم الموسيقار عمار الشريعي الذي قدمت معه عدداً كبيراً من الأغنيات منها “أقوى من الزمان، نعمل إيه، الزمان لما صالحنا، وادينا، إن كنت ليا، ليه كل مرة، باسم الحب” إضافة إلى أغاني آخر أفلامها “لا تسألني من أنا”. كذلك قدمت الملحن محمد ضياء الدين، الذي لحن لها أغنيات “أنا أترجاه، كلك حنية، بسبس نو”، والملحن إبراهيم رأفت الذي لحن لها “يا روح قلبي، والنيل والزيتون” وغيرهم من الملحنين الشباب الذين أضاءت على مواهبهم.

 

 

ولفت “زهدي “إلى أنه على عكس كل النجمات، فهي لم تعش الخوف من الظهور إلى جانب نجمة أخرى سواء في حجم نجوميتها أو حتى أقل منها خشية أن “تسرق منها الأضواء”. فقد كانت شادية حريصة على أن تلتقي في أعمالها مع أكبر نجمات عصرها دون استثناء، حيث سعت للعمل معهن، بثقةٍ كبيرة بنفسها وفنها، بداية من فاتن حمامة، ماري كويني، تحية كاريوكا، زهرة العلا، لولا صدقي، كريمان، شويكار، سعاد مكاوي، لبنى عبد العزيز، ليلى طاهر، سميحة أيوب، سناء جميل، والمطربة شريفة فاضل، مروراً بالأجيال التالية  لها سعاد حسني، نادية الجندي، سهير رمزي، ميرفت أمين، يسرا، إلهام شاهين وحياة قنديل، كما حرصت على العمل مع الفنانات الكبيرات زينب صدقي، ماري منيب، زينات صدقي، أمينة رزق، وفردوس عبد محمد، زوزو نبيل، ميمي شكيب، زوزو ماضي، عقيلة راتب، زوزو شكيب، في أدوار الأم لها، وعبد الوارث عسر، وزكي رستم، وحسين رياض، وسراج منير، وسليمان نجيب، وعباس فارس، في أدوار الأب لها، لتكون قد شاركت أكبر عدد من فناني وفنانات مصر والعرب قديماً وحديثاً دون شرطٍ أو قيد، أو كلمات من تلك التي يمكن أن تقال حول “البطولة المطلقة” أو ترتيب الأسماء، أو كبرياء وعظمة النجوم، بالرغم من أنها تستحق كل كلمة وكل لقب من هذه الألقاب وبجدارة غير أنها خاضت كل هذه التجارب بسلاح “الثقة بالنفس”.

ورأى أن شادية كانت تكفيها نجومية واحدة، وهي محبة الناس في قلوب أهلها والمحيطين بها كإنسانه، جعلت من نفسها “أما” لكل من حولها، ذلك “اللقب” الذي حرمها منه القدر، لكن هذا النوع الثالث من النجومية، ما كان ليأخذ حجمة من التأثير دون واحدة من النجوميتين الأخرين “الغناء والتمثيل” ما يؤكد أنها جمعت النجومية من كل أطرافها لتصبح في النهاية ” شادية ” الفريدة في كل شيء.. أو “فتوش” بكل شقاوتها ودلعها وخفة دمها “القمر الذي لا يغيب” ويظل نوره ساطعا، مهما حجبته الغيوم.