صحيفة الكترونية اردنية شاملة

تهديدات تعصف بالأسرة وتتطلب حلولاً وقائية ومتكاملة

باعتبار أن بقاء مؤسسة الاسرة واستدامتها وسعادتها هو من دعائم نماء الأمم وازدهارها، لنتخيل معاً ولو للحظة ان ادارة صندوق النقد الدولي قد طلبت من الحكومات العربية تقليل حالات الطلاق بواقع 10% سنوياً خلال السنوات الثلاثة القادمة كأحد معايير الاداء الضرورية لصرف القروض واستمرارية برامج الاصلاح المعتمدة. انه بصراحة حلم جميل لكنه للأسف غير واقعي بتاتاً!.

المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية تتغنى بالتنمية التشاركية والمستدامة في الوطن العربي دون المساهمة فعلياً في تحقيقها، ومن باب أولى فهي بالتأكيد لا تسعى لتحقيق غايات اجتماعية بحتة كتخفيض معدلات الطلاق والعزوبية. بل ان بعضها لا يسعى حتى لتحقيق أهداف (هايبرد) “اقتصادية-اجتماعية” مثل تقليل معدلات البطالة.

لنعترف ان الشأن المالي والاقتصادي يهيمن للأسف على أجندة العالم بأكمله وعلى أولوياته التنموية. وحتى عندنا للأسف، فمن النادر مثلاً أن نجد أقساماً مستقلة في صحفنا الورقية والالكترونية معنية بالاسرة (كما هو الحال مع صفحة المال والاقتصاد). بل من النادر أيضاً أن نجد خبراء في علم الاجتماع أو محللين مختصين في حقل السياسة العامة لهم زاوية يومية أو حتى مقال دوري يختص بالاسرة واستقرارها ورفاهيتها.

عالمياً، وحديثاً فقط في اطار دراسات السعادة Happiness Studies، فقد أولى تقرير السعادة العالمي المشهورWorld Happiness Report  اهتماماً محدوداً بمؤشرات اجتماعية صرفة تتجاوز الدخل وتوقعات الحياة والفقر والصحة والتعليم، لكنه لم يصل بعد الى درجة استهداف بقاء الأسرة -لبنة المجتمع- وديمومتها وسعادتها ضمن مؤشراته الأساسية.

ولوضع الاسرة مؤشرات متباينة للهشاشة والفشل والتفكك تشمل: حالات ومعدلات الطلاق والزواج، وعدد القضايا الشرعية المسجلة في المحاكم، والعنف الأسري، وعقوق الوالدين، ودخل الأسرة بعد الضرائب وأقساط القروض المصرفية، وعمالة الأطفال، والتسرب من المدارس، ونمو مديونية الأفراد، ومتوسط عدد ساعات التفاعل الاجتماعي الصحي بين اعضاء الأسرة خلال الشهر، وتأخر سن الزواج والعزوف عنه من قبل الرجال، والهجران الزوجي. لكن المؤشر الرقمي الأكثر شيوعاً من الناحية الاحصائية هو حالات الطلاق (كرقم مطلق وكتوزيعٍ حسب النوع وكنسبة من القاعدة السكانية).

الاحصاءات الرسمية الصادرة عن دائرة الاحصاءات العامة تؤكد تسجيل ما يفوق 100 الف حالة طلاق بأنواعه المختلفة (رجعي وبائن) خلال السنوات الخمسة السابقة 2013-2017، تأثرت منها سلبياً معيشة ورفاهية ما يقارب 350 الف طفل وطفلة وزوج وزوجة في الاردن   (مع الأخذ بالاعتبار حالات “الطلاق المبكر” دون أطفال والطلاق قبل الدخول)، وتأثرت منها أيضاً قيم المجتمع ورأسماله الاجتماعي والأخلاقي بشكل ملموس ومتصاعد.

أما الاتجاه العام الزمني لحالات الطلاق السنوية فهو اتجاه تصاعدي في التحليل الاجمالي طويل الأجل، حيث ارتفعت حالات الطلاق الرسمي من 15.4 ألف حالة طلاق في عام 2009 الى 21.2 ألف حالة طلاق في عام 2017 وبمعدل نمو سنوي 4.1% في المتوسط خلال الفترة قيد الدراسة.

قد نجادل بأن السبب الرئيسي لهذا الارتفاع الملموس انما يعود أساساً الى الهجرات القسرية الى الاردن خلال تلك الفترة، وهذا صحيح من زاوية معينة ولكنه غير صحيح في الاستنتاج النهائي.

أخذ النمو السكاني غير الطبيعي بالاعتبار (5.7% كمتوسط خلال الفترة المذكورة) هو في واقع الحال يفسر نمو حالات الطلاق ويشير الى امكانية هبوط حالات الطلاق عن مستوياتها القصوى في حال تباطؤ نمو السكان، لكنه بالتأكيد لا يزيل المشكلة (الرقم السنوي المطلق لحالات الطلاق) من الوجود.

فكل حالة طلاق هي مأساة أسرية، وتفرض تكاليف قضائية واقتصادية واجتماعية قابلة للقياس الكمي وتكاليف انسانية غير قابلة للقياس، حتى ولو بقيت نسبة عدد حالات الطلاق الى عدد السكان مستقرة نسبياً أو متراجعة قليلاً كما تظهر الأرقام الرسمية مؤخراً. وللعلم، هنالك خلاف بين المحللين الديمغرافيين حول ماهية متغير “السكان” الداخلين في احتساب “نسبة الطلاق الى السكان” أعلاه، والبعض يقصرهم بعدد السكان المعرضين لخطر الطلاق وليس اجمالي السكان.

وحسب تقرير محلي هام هو “تقرير أحوال الاسرة الأردنية 2015” الصادر عن “المجلس الوطني لشؤون الاسرة” في المملكة، فان مشكلة الطلاق تمثل حسب تعبيره “خللاً اجتماعياً جديراً بالدراسة والتحليل.. والعمل على معالجته بشفافية وسرعة وجدية” (ص 73).

ودون التقليل من أهمية احصاءات الطلاق في الاردن كمؤشر “نتائج”، ومعبّر عن الوضع النهائي للأسرة، يمكن التعميم بأن العديد من المؤشرات المبكرة لوضع الأسرة قد ساءت مع مرور الزمن، مثل مديونية الأفراد والتسرب المدرسي ونسبة العنوسة والعزوبية وعقوق الوالدين وعدد ساعات التفاعل الاجتماعي الصحي، مما يشكل تهديداً لوضع الأسرة واستقرارها.

وللطلاق أبعاد متعددة نفسية واجتماعية وتربوية واقتصادية وقانونية وشرعية، وهو بالتالي قضية تمس المجتمع في أساسياته. وتحري الأسباب الكامنة والجذرية لمشكلة الطلاق وهبوط معدلات الزواج في بلدنا، والتعامل الفعال معها، هو أولوية هامة ومتعددة الأبعاد وعابرة لوزارات ودوائر ومجالس مختصة متعددة، ويتطلب استراتيجيات وخطط وسياسات وبرامج ومشاريع وقائية وقابلة للتنفيذ.

البعد العلاجي (حماية الأسرة) هو خيار ضروري لكنه غير كاف وغير كفء في آن واحد، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج حسب منطق نظرية الدفاع الاجتماعي. وتصميم وتنفيذ الاستراتيجية الوقائية أو الاستباقية هي مسؤولية مشتركة لوزارة التخطيط ووزارة التنمية الاجتماعية ودائرة قاضي القضاة والمجلس الوطني لشؤون الأسرة، بالشراكة مع القطاع المدني والجمعيات التطوعية مثل جمعية العفاف الخيرية وجمعية تضامن (معهد تضامن النساء الاردني).

ولابد من التأكيد بأن النموذج الارشادي الفكري Paradigm القائم على الليبرالية الاجتماعية هو نموذج قد أخفق في تحقيق النتائج المرجوة، وحالة مؤسسة الاسرة والزواج في المجتمعات الغربية وتفككها بل وغيابها أصبح جلياً. نحن نحتاج الى استراتيجيات وبرامج ودراسات عميقة وبعيدة كل البعد عن النهج الليبرالي وعقلية الجندر (عقلية ربانين للسفينة الواحدة!) السائد حالياً. علماً بأن هذا النهج الليبرالي هو مدعوم دولياً للأسف وبسخاء ومثابرة من قبل مختلف المانحين الدوليين وحتى من قبل برنامج الأمم المتحدة الانمائيUNDP . وكأن القضية الأساسية للتنمية هي “الجندرة” التي لم تحقق مئات ملايين الدولارات المرصودة لها في الوطن العربي التنمية الأسرية ولا حتى النمو أو التنمية الاقتصادية!

ولاشك بأن أحد الأسباب الرئيسية لتصاعد حالات الطلاق في مجتمعنا منذ عام 2009 -الى جانب النمو السكاني- هو زيادة العسر المالي مقاساً بمديونية الأفراد والأسر وتفاقم الأعباء المعيشية العائلية في ظل الأولويات والسياسات الاقتصادية السائدة محلياً ودولياً. يوازي ذلك في الأهمية: غياب المعايير الدينية والأخلاقية المستقرة والداعمة لروابط الاسرة، سواء بين الزوج والزوجة أو بين الآباء والابناء، في ظل سيادة الليبرالية الاجتماعية واتفاقية “سيداو” وأخواتها وظلالها المحلية والدولية، وبسبب التأثيرات الملموسة لوسائل التواصل الاجتماعي على سلوك أعضاء الاسرة.

ولأذكر بعض الأمثلة على أهمية علاج مشكلة الطلاق وتداخلاتها المجتمعية، أقول بأن الطلاق هو المساهم الأكبر في زيادة نسب الاسر التي تعولها أمرأة، وهي عادة أسر معوزّة تضطر للاعتماد على نظم خارجية للدعم الاجتماعي الحكومي والمدني. كما يؤثر الطلاق في معدلات تسرب الطلبة وتدني مستوى التعليم، ويؤثر أيضاً على عمالة الأطفال واستغلالهم، وعلى حالة التشرد والتسول وانحراف الأحداث والجريمة والأمراض النفسية (كالقلق والاكتئاب) لدى الاطفال والمطلقات. أما الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في الاسر المطلقة، فهم الأكثر تضرراً جراء حالات الطلاق، سواء أبلغت 22 الف حالة سنوياً أم 18 الف حالة فقط.

التعليقات مغلقة.