صحيفة الكترونية اردنية شاملة

حماية المال العام

طفت على السطح في السنوات القليلة الماضية مصطلحات، نهب المال العام، تبديد المال العام، التكسب وتقاضي العمولات من معاملات الحكومة ، تلزيم العطاءات ، وكلها مصطلحات تعني الإعتداء على المال العام ، إضافة الى عمليات خصخصة القطاع العام وما شابها من شبهات فساد وعدم شفافية ، مما يتوجيب إعادة النظر بوسائل حماية المال العام.
ويعتبر المال العام ملكا لكل أفراد المجتمع ، ولا يحق لأي شخص مهما علت مكانته الوظيفية أو الاجتماعية أو السياسية أن يستولي عليه بغير حق، أو أن يبذره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر المشاريع الاقتصادية الفاشلة أو الوهمية أو التي لا تخدم الاقتصاد الوطني .
ويقوم على إدارة المال العام مجموعة من المسؤولين والموظفين ، وهم أولا وأخيرا من البشر، منهم الصالح ومنهم الفاسد الذي لا ضمير له، ومنهم صاحب النفس الرفيعة وصاحب النفس الوضيعة، ولا يختلف اثنان على أن المال بطبيعته مغر وأن النفس أمارة بالسوء،علما بأن المال العام في غالبية دول العالم الثالث والدول العربية على وجه الخصوص مستباح ولا حرمة له، ولا توجد قوانين صارمة تجرم الاعتداء على المال العام، ولا مؤسسات مستقلة ذات صلاحيات للرقابة على أموال الدولة ومعاملاتها المالية، وان وجدت بعض القوانين والمؤسسات الرقابية المستقلة ، فإن الصلاحيات محدودة جدا وتصعب ملاحقة الأشخاص المتهمين بالإعتداء على المال العام لاعتبارات سياسية واجتماعية .
وقد ظهر مفهوم نهب المال العام بشكل واضح مع إندلاع أحداث الربيع العربي، ومطالبة بعض الشعوب العربية، إستعادة الأموال التي كانت تحوزها الأنظمة السابقة بمختلف أفرادها وهيئاتها، وسواء أكانت هذه الأموال المنهوبة داخل البلد او خارجه ، وينصرف مفهوم نهب المال العام إلى كل مال أخذ من مال بدون وجه حق وبأي شكل كان، سواء بسرقته او الاحتيال للحصول عليه أو ارتكاب التزوير أو الرشوة أو الاختلاس، وكذلك المال الذي تم الحصول عليه بغطاء قانوني ولكن لغايات غير مشروعة.
ففي بلدنا الأردن، هناك حاجة ملحة لحماية المال العام، حيث شح الموارد والإعتماد بشكل أساسي على الموارد المحلية (الضرائب والرسوم والجمارك) والمساعدات والقروض والمنح كمصدر لموازنة الدولة وخططها التنموية، ويعتبر الاعتداء على المال العام سرقة من جيب كلّ مواطن أردني ، وتتولى عدة جهات مسؤولية الرقابة والحفاظ على المال العام : ديوان المحاسبة ، مجلس النواب، هيئة النزاهة ومكافحة الفساد ،الأجهزة الرقابية الأخرى، ولكن يلاحظ عدم فاعلية عمل هذه الأجهزة لحماية المال العام، وتؤكد حكومة الدكتور عمر الرزاز بأنها ماضية في محاربة الفساد بمختلف أشكاله ومظاهره، وأنّ الحكومة تعكف حاليّاً على إعادة النظر في التشريعات التي تجرّم الفساد، وتعزّز الدور الذي تقوم به المؤسّسات الرقابيّة.
ويتطلب تفعيل عمل الأجهزة والمؤسسات الرقابية ما يلي :
– إجراء تعديلات جوهرية على قانون ديوان المحاسبة ،(وهو قانون قديم يعود لعام 1952)، تعزز إستقلاليته المالية والإدارية ودوره الرقابي وفقا للمعايير الدولية وتجارب الدول الاخرى الناجحة، ومنحه صفة الضابطة العدلية وصلاحية تحويل شبهات الفساد الى النيابة العامة، اذ من غير المعقول ان يمنح مطوفو الحراج الضابطة العدلية ويمنع منها ديوان المحاسبة الذي يراقب المال العام، وكذلك تفعيل قانون ديوان المحاسبة الذي يؤكد على عدم جواز عزل او نقل أو احالة رئيس الديوان الى التقاعد، أو فرض عقوبات مسلكية عليه الا بموافقة مجلس النواب اذا كان مجتمعاً، أو بموافقة الملك بناءاً على تنسيب رئيس الوزراء اذا كان المجلس غير مجتمع.
– تفعيل العلاقة التكاملية بين مجلس النواب وديوان المحاسبة، إذ يمثل ديوان المحاسبة الجهاز الرقابي المالي الأعلى بالأردن، والذي ينوب عن البرلمان في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية والمؤسسات التابعة لها، ولديوان المحاسبة دور مركزي في قيام مجلس النواب بممارسة دوره الرقابي ، ومن المفترض أن يتم التنسيق بين ديوان المحاسبة ومجلس النواب من أجل مناقشة التقارير السنوية التي يعدها الديوان، ويعرضها على مجلس النواب، وذلك باعتباره صاحب الاختصاص في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية ومساءلتها، وبذلك فإنه يفترض أن ديوان المحاسبة يدعم عمل مجلس النواب حيث ينوب عنه في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، بينما يدعم مجلس النواب ديوان المحاسبة من خلال اصدار النصوص التشريعية التي تدعم استقلالية الديوان قانونياً ومالياً ووظيفياً، لتمكينه من اداء دوره بالشكل المطلوب.
– توثيق العلاقة ما بين ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد ، نظرا لما يتوفر لدى الهيئة من قانون وضابطة عدلية وصلاحية تحويل القضايا الى المحاكم ، ولكي لا تتأخر بعض القضايا كثيرا حتى يتم إصدار التقرير السنوي لديوان المحاسبة وفقا لقانونه والذي يسلم الى مجلس النواب الذي بدوره سيقوم بالتوصية الى الحكومة لاتخاذ الاجراءات اللازمة، علما بأن مجلس النواب يتأخر في مناقشة تقارير ديوان المحاسبة اذ تم مناقشة عدة تقاريرمن عام 2009 الى عام 2015 دفعة واحدة .
– أن يقوم ديوان المحاسبة بإصدار تقرير رسمي كل أربعة أشهر وليس كل سنة، يتضمن أهم المخالفات التي ترتكبها المؤسسات الرسمية، لتسريع آليات المراقبة التشريعية، وتحويل الشبهات الى القضاء. .
– تشكل لجنة دائمة في مجلس النواب متخصصة في الموازنة العامة للدولة، وتتفرغ لمواكبة الإنفاق الحكومي ومراقبة أدق تفاصيله، على أن ترتبط هذه اللجنة بعلاقة تبادلية على مدار الساعة مع ديوان المحاسبة؛ ذراعها الرقابية، كما تتلقى الملاحظات وترسل الأسئلة وتشارك في إعداد موازنة الدولة.
– ضبط الأشخاص الذين يثبت تورطهم في الاعتداء على المال العام وتقديمهم إلى العدالة واسترجاع المال المسروق، وفضحهم في أجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وسجنهم سنوات قد تطول أو تقصر حسب حجم الجرم المرتكب، وحرمانهم من تولي أي مناصب رسمية في الأجهزة الحكومية أو غيرها .
– تعديل قانون الكسب غير المشروع وبصورة تسمح بمراقبة نمو الثروة وفقاً للمعايير الدولية .
– تفعيل قانون إشهار الذمة المالية، وأن يتم تطبيقه على كل من تولى منصب عام بأثر رجعي ، وبيع أي أملاك تم الحصول عليها بصورة غير مشروعة وإعادتها الى خزينة الدولة .
– تعديل التشريعات الأخرى وبما يضمن سد منافذ الفساد والمتمثلة في السرية، والصلاحية التقديرية والصلاحية المطلقة، والإستفادة من التجارب الدولية في حفظ المال العام، وتعزيز الثقة العامة .
– تكثيف الرقابة والتدقيق على دائرة العطاءات العامة الحكومية للتأكد من سلامة إجراءتها والشفافية في عملها .

التعليقات مغلقة.